أمين «التعاون الإسلامي»: 80 في المائة من ضحايا «بوكو حرام» مسلمون

مدني دعا في حديث لـ «الشرق الأوسط» إلى مقاربة إقليمية جديدة للوضع السوري

إياد مدني لدى حديثه لـ«الشرق الأوسط» في جدة  (تصوير: عبد الله آل محسن)
إياد مدني لدى حديثه لـ«الشرق الأوسط» في جدة (تصوير: عبد الله آل محسن)
TT

أمين «التعاون الإسلامي»: 80 في المائة من ضحايا «بوكو حرام» مسلمون

إياد مدني لدى حديثه لـ«الشرق الأوسط» في جدة  (تصوير: عبد الله آل محسن)
إياد مدني لدى حديثه لـ«الشرق الأوسط» في جدة (تصوير: عبد الله آل محسن)

دعا إياد مدني الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي دول المنطقة المعنية بالشأن السوري والعراقي إلى ضرورة إيجاد «مقاربة جديدة بحكم أن لها جميعا مصالح سيادية في المنطقة، ليست بالضرورة متناقضة أو مدعاة إلى اقتتال أو إلى نزاع». واقترح إنشاء «آلية أو منصة لحل محتمل؛ فكل المنصات التي تناقش الشأن السوري هي منصات دولية، سواء (جنيف 1) و(جنيف 2)».
وانتقد مدني في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بمكتبه في مقر الأمانة العامة للمنظمة في جدة، تحويل الرئيس السوري بشار الأسد بلاده لساحة نفوذ، مشيرا إلى أن «الرئيس السابق حافظ الأسد كانت له علاقات متينة مع إيران، لكن في الوقت ذاته احتفظ بعلاقات وثيقة مع كل دول المنطقة، لم تكن هناك تضحية بنفوذ تجاه نفوذ».
كما تطرق إلى زيارته الأخيرة لرام الله، ودعوته عموم المسلمين إلى زيارة القدس دون المرور «على أي نقطة عبور أو تواصل إسرائيلية، عبر حزمة خدمات يتولاها فقط الإخوة في فلسطين والأردن».
إياد مدني الذي أمضى قرابة 180 يوما، منذ سُمي أمينا للمنظمة في الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي، خلفا لأكمل الدين إحسان أوغلي، يصف حركة «بوكو حرام» في نيجيريا بأنها باتت نموذجا «يتكرر في أكثر من منطقة»، وأن 80 في المائة من ضحاياها مسلمون، وأنها تدمر المساجد والكنائس على السواء، مطالبا بضرورة التدبر في كيفية اختراق واستغلال تلك الجماعات.
وفيما يلي نص الحوار:

* جاء إعلان جدة الذي نتج عن الاجتماع الوزاري الأخير خجولا فيما يتعلق بالشأن العراقي المتأزم. هل الإغفال متعمد؟ وهل ستدعو المنظمة لعقد اجتماع وزاري لمناقشته؟
- الحديث عن العراق له أكثر من وجه؛ فالعراق بوصفه شأنا سياسيا بتطوراته وأحداثه مستمر منذ غزو صدام حسين للكويت، ومنذئذ، هناك شأن عراقي يتابع ويتطور وتدور حوله السجالات. والعراق دولة كاملة العضوية في المنظمة، ونعتز بعضويتها ونقدرها، وكانت حاضرة، ممثلة بوزير الخارجية، في المؤتمر الوزاري الذي انعقد منتصف يونيو (حزيران) في جدة. التطورات الأخيرة بدأت تتعاظم وتظهر قبيل مؤتمر وزراء الخارجية، وأشير إليها في أكثر من خطاب في كل الخطابات خلال الاجتماع، وأشرت لها أيضا في تقرير الأمانة العامة حول نشاطها منذ آخر اجتماع وزاري عقد في كوناكري (غينيا) في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وكانت وجهة النظر التي دفعنا بها بوصفنا أمانة عامة، أننا بحاجة إلى مقاربة جديدة في المنطقة، ليس فقط فيما يخص الشأن العراقي، بل فيما يخص الشأن السوري أيضا. مقاربة بين دول المنطقة.. الدول المعنية بالشأن السوري والشأن العراقي. وطالما أن كل هذه الدول هي بالفعل أعضاء في المنظمة، فالمنظمة إذن منصة موجودة وصالحة يمكن أن تلتقي عليها هذه الدول بأي صورة ترتضيها حتى يكون هناك مجال لحوار مباشر بينها، لأنها كلها مهتمة ولها مصلحة في أن يستقر العراق، واقترحنا أن تكون هناك فرق اتصال تتابع الحدث وترصد التطور وتكون خيارات لما يمكن بلورته من مواقف أو سياسة للمنظمة يجري طرحها على وزراء الخارجية، لأنهم هم الجهة التي لها أن تنشئ سياسة أو تقرر سياسة.
* ما الملامح العامة لهذه المقاربة؟
- اقترحنا آلية، وليس خطوطا عامة لحل محتمل، نريد أن ننشئ آلية أو منصة، فكل المنصات التي تناقش الشأن السوري (على سبيل المثال) هي منصات دولية، سواء «جنيف 1» و«جنيف 2». وهو نشاط مهم ونرجو أن يستعيد حيويته، ولا ييأس القائمون عليه من استمراريته، لكن ما نتحدث عنه هنا هو أن يكون هناك حوار بين دول المنطقة ذاتها بعضها مع بعض. إن استطاعت دول المنطقة أن تصل إلى مقاربة تتفق عليها، بحكم أن لها جميعا مصالح سيادية في المنطقة، ليست بالضرورة متناقضة أو مدعاة إلى اقتتال أو إلى نزاع. ففي كل العالم في أوروبا وفي أميركا اللاتينية وفي آسيا، استطاعت دول تلك الأقاليم، رغم تنافسها الاقتصادي وتنازعها الحدودي واختلافات مكوناتها الثقافية، وعلى الرغم أحيانا من تصادم مكوناتها الإثنية والعرقية، أن تصل إلى صيغ تلتقي عليها. نحن لا بد أن نعمل أيضا على أن نصل إلى تقارب نعظم من خلاله فرص التبادل التجاري وتبادل المنافع بدلا من النزاع والتصادم، وحتى نصل إلى هذه الصيغة لا بد أن يكون هناك نقاش وأخذ ورد وتجاذب للآراء.. وحتى يكون هناك نقاش لا بد أن يكون هناك مكان تلتقي فيه الأطراف، وصيغة تجمعهم وآلية تسهل عليهم الالتقاء. كان هذا طرح الأمانة العامة في «جنيف 2»، وفي القمة العربية في الكويت، ثم في الاجتماع الوزاري الأخير في جدة، وما زلنا ساعين إلى ذلك.
* هل توجد خلافات داخلية بين أعضاء المنظمة تعيق الوصول للمقاربة المأمولة؟
- المنظمة تجمع 57 دولة، والقرار لا بد أن يأتي عبر عملية تداول وتأمل ووقت تأخذه كل دولة حسب طبيعتها، وحسب آلية تكوين القرار السياسي داخلها. فنحن نسير بالسرعة التي تستلزمها عملية توافق مثل هذه، والمنظمة تأخذ بمبدأ التوافق حتى يكون القرار محل ارتياح وقبول من الجميع. المهم أن العجلة قد دارت بالفعل.
* ما ملامح المقاربة فيما يتعلق بالأزمة السورية؟
- يجب أن نقر بداية بأن الحل يبدأ بالتأكيد على وحدة التراب السوري الوطني، وأن تتوفر داخل هذه الوحدة كل حقوق مواطنيها، فسوريا فسيفساء، هكذا كانت، وهكذا يجب أن تظل، وأن يكون لسوريا استقلالية في قرارها الاقتصادي والسياسي، وألا تكون ساحة نفوذ، أي ألا تسعى أي دولة من دول الإقليم لتحويل الساحة السورية إلى مكان لهيمنة أو سيطرة أو إملاء. الرئيس حافظ الأسد، والد الرئيس بشار الأسد، كانت له علاقات متينة مع إيران، لكن في الوقت ذاته احتفظ بعلاقات وثيقة مع كل دول المنطقة، لم تكن هناك تضحية بنفوذ تجاه نفوذ. احتفظت سوريا باستقلاليتها الوطنية. النظام في جوهره في سوريا لم يتغير ما بين الرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد؛ الحزب والرئيس وأدوات الحكم، لكن الرؤية القيادية والحفاظ على استقلالية سوريا التي نجح في قيادتها وإدارتها الرئيس حافظ الأسد تعثرت في السنوات اللاحقة منذ وفاته. نحن نريد استعادة تلك الاستقلالية. العودة إلى الماضي بعد كل هذه السنوات من الاقتتال والدماء التي سالت، والتدمير الذي جرى، يتحمل النظام السوري والقرارات التي اتخذها الرئيس السوري بشار الأسد مسؤوليته دون شك قبل أي طرف آخر، لا تبرر التفاؤل. ولكن صعوبة الأمر لا تعني استحالته، لهذا يجب أن يكون هناك نقاش وحوار وأخذ ورد بين دول المنطقة، بما يحفظ لسوريا كل ما ذكرناه، وبما يحافظ على المصالح الوطنية لدول المنطقة. والمصالح الوطنية لا تعني أن تبسط سيادة أو نفوذا لدولتك على دولة أخرى، مثل هذه المقاربة لا يقررها الأمين العام، مثل هذه المقاربة هي مخاض لنقاش وأخذ ورد نأمل أن يكون ممكنا على منصة فريق الاتصال، ونأمل أن يكون ذلك داخل المنظمة، ليس رغبة في الاستئثار أو الانفراد أو تجاهل ما يقوم به الآخرون، ولكن لأن كل دول المنطقة هي أعضاء بالفعل في المنظمة.
* زرتم الضفة الغربية والتقيتم الرئيس محمود عباس، متى ستزورون القدس؟
- المنظمة أشهرت وأعلنت وتقول في كل مناسبة إنه ينبغي لها أن تعمل على فتح الباب وتشجيع المسلمين بألوفهم المؤلفة لزيارة القدس، حتى يصلوا في المسجد الأقصى الشريف، وحبذا لو قضوا بعض الوقت؛ يوما أو يومين، حتى يكون في تلك الزيارة أثر جانبي في إنعاش الاقتصاد المقدسي، الذي يظل صامدا أمام كل الانتهاكات التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاههم.
* لكنكم تشترطون أن تجري الزيارة عن طريق السلطات الفلسطينية.
- من دون شك.. دون أن نمر على أي نقطة عبور أو تواصل إسرائيلية. نريد أن تجري الزيارة عبر حزمة خدمات يتولاها فقط الإخوة في فلسطين والأردن، أن يكون الدخول عبر عمان، ألا تكون هناك أي فائدة لجهة إسرائيلية أيا كانت. فإسرائيل دولة محتلة، ليس فقط لكامل التراب الفلسطيني، بل حتى المساجد وأماكن العبادة. والكنيست والسياسيون الإسرائيليون وأصحاب المناصب الوزارية في الحكومة الحالية في إسرائيل لا يكاد يمر أسبوع أو آخر إلا ويشهرون توجها جديدا لتفكيك حقوق المسلمين في أماكن عبادتهم، وليزيلوا أيضا حتى مسيحية الأماكن المقدسة. هم يريدون دولة يهودية بالكامل، ويبحثون عن فتات تاريخ وهمي ليهودوا كل شيء، وهذا أمر يجب أن نتصدى له بكل ما نملك من طاقة، سواء على الصعيد السياسي أو القانوني أو المعنوي أو الاعتباري أو الإعلامي أو المجتمع المدني. لا بد أن تكون هناك إرادة الحقيقة تقاوم.
* على ذكر المجتمع المدني، خلال زيارتك للضفة التقيت بمنظمات المجتمع المدني في فلسطين، ما الذي دار في تلك النقاشات؟
- هم يشعرون أن هناك فجوة تفصل بينهم وبين بقية المجتمعات العربية والإسلامية. لا يرون أن هناك دعما كافيا وتواصلا كافيا بينهم وبين المكونات المجتمعية في عمقهم العربي والإسلامي. كانت القضية الأبرز وقتها، قضية الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، وكانت شوارع رام الله تمتلئ بتجمعات شبابيه يوزعون على المارة – وأنا أحدهم – أكوابا صغيرة فيها ماء وملح، الماء المالح يشربه المضرب عن الطعام حتى يقاوم عفونة المعدة عندما يمتنع عن الأكل. كان توقعهم أن تكون هذه قضية كبرى في كل المجتمعات العربية والإسلامية وخاصة بين منظمات المجتمع المدني، وخاصة بين القطاعات الشبابية داخل تنظيمات المجتمع المدني. في ظنهم وفي رأيهم – وأعتقد أن معهم بعض الحق – لا يشعرون أن هناك صدى وتواصلا وإحساسا مشتركا بقضاياهم وما يعانونه، هم لا يريدون عموميات التواصل مع القضية، هم يريدون تواصلا على المستوى التفصيلي وعلى مستوى التواصل الشبكي مع منظمات المجتمع المدني في العالم كله، وكان ودي أن تكون لدي إجابات مقنعة لتساؤلاتهم.
* هل ثمة آليات مقترحة من خلال أذرع المنظمة؟
- منظمة التعاون الإسلامي حتى الآن – في ظني – لم تنفتح الانفتاح الكافي تجاه مؤسسات المجتمع المدني، ولا أريد أن أستخدم مصطلح المجتمع المدني لأنه مصطلح ملتبس ويأخذ أحيانا أفهاما آيديولوجية، نحن نسميها الجمعيات التطوعية. وبعض الدول الأعضاء في المنظمة بها نشاط بارز وعريق للمنظمات التطوعية مثل ماليزيا، والشرق الأقصى عموما، المغرب العربي وبعض الدول الأفريقية. انفتحنا حديثا نحو الجمعيات التطوعية ذات البعد الإغاثي الإنساني وهذا ممتاز، لكن المنظمات التطوعية ليست فقط إغاثة، هي عمل اجتماعي يتناول البعد الصحي والبعد التعليمي وحقوق المرأة والبيئة وقائمة طويلة من الاهتمامات التي من مصلحة المنظمة التواصل معها. نعمل في المرحلة المقبلة على صيغة تتفق عليها الدول الأعضاء لمزيد من الانفتاح على المجتمع التطوعي.
* في ظل تنامي أزمات العالم الإسلامي والعربي، أوليتم قضية «بوكو حرام» اهتماما لافتا، ما سبب ذلك؟
- نيجيريا دولة مهمة في سياق عمل المنظمة، واقتصادها حسب الإحصائيات الأخيرة أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية متخطيا اقتصاد جنوب أفريقيا. أيضا ثمة أمر يهمنا جدا، وهو أن نيجيريا دولة ليس كل سكانها من المسلمين، هناك مسلمون وهناك مسيحيون، هذا أمر يهمنا أيضا لأنه يؤكد أن المنظمة هي منظمة سياسية تضم دولا ولا تميز ما بين مواطن وآخر على أساس المذهب أو الدين. لهذا كانت زيارة نيجيريا مهمة وازدادت أهمية وإلحاحا بتزايد عمليات «بوكو حرام» التي ترفع شعارات إسلامية، وتدعي أن ما تقوم به من اختطاف وترويع وتفجير هو الإسلام بعينه. لذلك نريد أن ننفي هذا لأنه أصبح نموذجا يتكرر في أكثر من منطقة. فهذه الحركات هي حركات إرهابية لا علاقة لها بالإسلام. إذا كانت هناك أي مجموعة تعاني من التهميش أو تعاني من عدم نيل حقوقها أو تعاني من الاضطهاد العرقي والديني عليها أن تعمل في سياق ذلك المجتمع وتطالب بحقوقها. ونيجيريا مجتمع مفتوح، وهناك أكثر من قناة يمكن التعبير من خلالها عن تلك الحقوق والسعي من أجل أخذها. أردنا أن نؤكد أن شعارات «بوكو حرام» ليس لها أي جذر في الإسلام وأن نبين أن 80 في المائة من ضحايا العنف والقتلى الذي خلفته من المسلمين. المساجد تدمر كما تدمر الكنائس. نيجيريا فيها مجتمع تقليدي يتكون من مشايخ قبائل وأمراء ليس لهم نفوذ سياسي لكن لهم ثقل اجتماعي، فحينما تأتي وتغتال أميرا من هؤلاء الأمراء ليس له وزن سياسي وليس طرفا في القرار السياسي أنت تريد أن تفكك المجتمع، تفكك بنيته من داخله وهذا ما تفعله «بوكو حرام». وهذه أمور يجب أن يكون للمنظمة دور في التنبيه لها والوقوف ضدها وتجميع الآراء تجاهها. في ذات الوقت المنظمة تقول إن علينا أن ننظر في التربة والبيئة التي تنبت مثل هذه القناعات وأيضا أن نبحث عن أصحاب المصالح دولا كانوا أم جماعات، ممن اخترقوا مثل هذه الحركات وسخروها لأغراضهم. وعندما تتأمل في عمليات «بوكو حرام» تجد أنها تتسم بقدر من التخطيط الدقيق وأن لها مصادر للسلاح المتطور والأدوات اللوجستية الفاعلة وأن هناك سعة مادية لشراء كل ذلك. من أين تأتي هذه الإمكانات؟ لا بد أن نتدبر في كيف تخترق وتستغل مثل هذه الجماعات.
* ما هي النتائج المرجوة من تعيين تان سري سيد حامد البار، وزير الخارجية الماليزي الأسبق، مبعوثا خاصا إلى ميانمار؟
- ماليزيا من أقرب الدول لميانمار منذ أمد بعيد وليس حديثا، وكون السيد البار من ماليزيا إضافة إلى كونه وزير خارجية سابقا يعطيه فهما أشمل للشأن السياسي ولشبكات المجتمع المدني والعلاقات الاقتصادية والمنطقة بشكل أعمق وأكثر تفصيلا. إضافة إلى أن ماليزيا عضو في «الآسيان»، ودول الآسيان لها فهم خاص لمشكلة الأقلية المسلمة في ميانمار وحساسيات التعامل مع الحكومة في ميانمار. ونرجو أن تظهر كل هذه القدرات والفهم في الجهد الذي تقوم به المنظمة تجاه قضية المسلمين في ميانمار. المنظمة ليست وراء مواجهة مع حكومة ميانمار ولكن نريد أن يحتفظ المواطنون المسلمون بحقوقهم الأساسية، أن يعاملوا كمواطنين، وتسري عليهم قوانين البلاد، ألا يصبحوا جماعة مضطهدة لا لشيء إلا لأنهم مسلمون؛ ألا يبعدوا، ألا يهجروا، وألا يتعرضوا لانتهاكات وتحرق بيوتهم. طبعا المسؤولية عالمية في قضية ميانمار، المجتمع الدولي وخاصة الدول المؤثرة تحاضرنا ليل نهار عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، نريد أن نسمع صوتهم تحديدا فيما يخص حقوق الأقلية المسلمة في ميانمار، فنأمل أن يكون لأميركا، ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وهي الدولة الكبرى القريبة من ميانمار، أن نسمع صوتهم فيما يخص هذه القضية. نحن ساعون لنتواصل مع الحكومة، لكن نريد أيضا في أثناء هذا التواصل أن تتوقف الانتهاكات والتهميش والإقصاء، نريد لهم أن يطبقوا قوانينهم على المسلمين هناك بصفتهم مواطنين أصليين، إذ تثبت الوثائق التاريخية، منذ إن كانت المنطقة مستعمرة من بريطانيا، أن المسلمين جزء أصيل من ميانمار. ونرجو أن يكون وجود المبعوث الخاص كرأس حربة في جهد المنظمة والبدء في حوارات بين العلماء المسلمين ورجال الدين البوذيين وبين المثقفين في تلك المنطقة ما يؤكد أن الثقافتين تعايشتا طوال قرون من الزمن ليس فقط في ميانمار بل في المنطقة كلها. نريد أن نبني على هذا الموروث التاريخي، على القيم المشتركة، على التعايش وتقاسم الرزق الذي كان سمة تلك المجتمعات.
* البعض يحمل «الخطاب الإسلامي» جزءا من نتائج التطرف المتفشي في بعض المجتمعات الإسلامية. كيف يمكن للمنظمة المساهمة في صياغة خطاب إسلامي جديد ومعاصر؟
- ذكرتم بتعبير «الخطاب الإسلامي» بالمفرد، ولكننا للأسف نشهد اليوم عوارا وفوضى في الخطابات التي تدعي أنها إسلامية، مما يقتضي التوقف الحازم لإعادة التعريف الدقيق لما يمكن أن يسمى بـ«الخطاب الإسلامي». وكل ما يتعارض مع التسامح والوسطية التي دعا إليها القرآن والسنة لا بد أن يكون موضع مراجعة وتدقيق قبل أن يطلق عليه اسم «خطاب إسلامي»، فالإسلام له مصادره التي نجمع عليها كأمة. صحيح أن هذه المصادر قد تخضع لتفسيرات أو تأويلات، لكن لدينا خبرة ومسار تاريخي طويل يشكل سجلا حضاريا وتجربة ثقافية شهد ويشهد الأصدقاء والأعداء على أنها نموذج للتعايش والسلام والتسامح. ومن ثم فإن وجود أصوات نشاز تقتات على الإسلام أو تدعي الحديث باطلا باسمه، يوجب علينا أن نكشف التوجهات التي تتسم بكراهية الإسلام وتتصف بـ«الإسلاموفوبيا»، وفي الوقت ذاته نؤكد براءة الإسلام من التيارات المتطرفة التي لا تمثل إلا نفسها. ونحن في المنظمة عملنا ونعمل في المساهمة في صياغة خطاب إسلامي أهم ملامحه التسامح والسلام والتعايش مع بقية الأديان والثقافات، وفي هذا المجال تعد مبادرة خادم الحرمين الشريفين المتمثلة في المركز الدولي للحوار بين الأديان والثقافات واجهة مهمة في هذا التوجه. والمنظمة داعمة وبقوة لهذه المبادرات الخيرة والنموذجية. وهناك جهود لتنسيق هذه المبادرات التي تقدمها الدول الإسلامية حتى تثمر بإذن الله.



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.