شريط «الكاسيت»... يتهيأ للصمت التام ويلوّح مودّعاً

شريط «الكاسيت»... يتهيأ للصمت التام ويلوّح مودّعاً

السبت - 19 شهر رمضان 1439 هـ - 02 يونيو 2018 مـ

في أحد أعرق وأقدم أسواق فلسطين، خان التجار «السوق العتم»، في قلب مدينة نابلس، على بعد ثلاثين متراً من دخلة مسمكة العقاد، أحد الأبواب الرئيسية والنشطة للسوق، يأتي صوت راغب علامة في آخر لحظات الأغنية، يليه هاني شاكر في أغنيتين من زمن التسعينات.

من زمن ماضٍ، تدور عجلة شريط الكاسيت، في داخل مسجل، وضع بمدخل محل تجاري طوله سبعة أمتار وعرضه متر واحد فقط، من يطل إلى الداخل يرى صفوف الكاسيتات المرتبة، حيث تصطف مئات الكاسيتات المنوعة فوق رفوف خشبية قديمة، مصبوغة بطلاء أخضر، لم تحركها يد منذ مدة تبدو طويلة.

موسى عبد الرؤوف مسعود، (53 عاما)، الذي كان يعمل نجاراً في صغره، ويشتري شرائط الكاسيت مما يدخره، استطاع في عام 1990 افتتاح محل صغير لبيع وتجميع «الكاسيتات»، يؤكد أنه منذ عام 2000 وحتى عام 2016 لم يبع أكثر من 200 شريط كاسيت، بينما في التسعينات كان يبيعها في أسبوع واحد.

يقول مسعود: «أبيع في اليوم شريطاً واحداً، وحين تكون هناك سوق أبيع اثنين. فيما مضى كان يباع من الكاسيت الواحد ثلاثون نسخة. وكانت أغاني الحداد والزجل وأغاني الدبكة والفلكلور تشهد الحضور الأكبر، وأتذكر أغنية (حبيبي يا عيني) لمايا يزبك، حين صدرت وصنعت في تلك الفترة إقبالاً هائلاً عليها، وهناك العشرات من الأغاني والألبومات التي كانت تعتبر عنواناً لسنوات طويلة؛ لكنني الآن لم أعد أتذكرها؛ لأن الزبائن لم يعودوا يأتون ويذكرونني بها».

ويضيف: «حين كان الناس يمرون في السوق ويسمعون صوت الجلماوي، كانوا يدخلون إلى محلي يشترون شريط الكاسيت ويحرجون، وكان أهالي الداخل يأتون بكثافة؛ خاصة في أيام السبت، ويشترون بكثرة، خاصة الأغاني الشعبية».

اليوم يُبقي مسعود شرائط الكاسيت كديكور، بينما يفقد محله هيبته، ويتحول إلى محل يعرض مئات الشرائط؛ لكنه يبيع ألعاباً للأطفال في الجهة المقابلة، وهكذا فإنه يبحث عمن يشتريها دفعة واحدة، ويخلصه منها، فبعضها مر عليه أكثر من عشرين عاما، دون أن يشتريها أحد.

وفي شارع حطين، وهو أيضاً أحد المداخل الرئيسية للبلدة القديمة في نابلس، أزال «كاسيت الحنان»، المشهور ببيع شرائط الأغاني الشعبية، من رفوفه جميع تلك الشرائط التي كانت تُميزه بتنوعها عن باقي المحال، وذلك - بحسب صاحبه - يعود إلى قلة الزوار والمشترين.

وفي الشارع نفسه، يقع «ستوديو وستيريو الأمل»، الشاب عبد الله حيدر، يجلس في مكان جده عطا الله عنبتاوي، الذي افتتح محل بيع الكاسيتات في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وكان من الأوائل في محافظة نابلس.

يتذكر عبد الله من خلال جده، الزمن الذي كانت فيه شرائط الكاسيت تُستورد من سوريا والأردن، ويتذكر والده حيدر عنبتاوي الذي انضم للحوار، أن معظم الكاسيتات كانت تأتي عبر شركات :«ماستر كاسيت»، و«سوبر كاسيت»، و«نيو ساوند»، و«ليزر كاسيت».

يقول عبد الله: «أنا هنا منذ 16 سنة، بيع الكاسيتات شحيح جدا، لدي ثمانية زبائن منذ بدأت، لا أعرف أسماءهم؛ لكنني أعرفهم شكلاً، يأتون كل ثلاثة أسابيع مرة واحدة».

ويضيف: «لدينا 3 آلاف كاسيت للنسخ، ولا يمكننا بيعها لأنها نسخ يتيمة، كاسيتات دينية قديمة، للإيراني، ومحمد رفعت، وسيد متولي، وغيرهم. كاسيتات من أغنية واحدة، وأخرى تحت أسماء رومانسيات، ومنوعات، وسهر، وطرب، وصباحات، وغيرها من العناوين. هناك كاسيتات مُحيت أسماؤها لكثرة قدمها، محمد الدومي صاحب النكت والفكاهيات، منوعات لبنانية ومصرية في الثمانينات، محمد عبد المطلب، علي حميدة، جمال عرب، صالح عبد الحي، محرم فؤاد، أغاني فرقة العاشقين، صقور فتح، خطابات صدام حسين وجمال عبد الناصر، أغاني أبو عرب بالنسخة الأصلية، زجل فلسطيني، وحفلات عدن 1، وعدن 2، وفرقة الساحل».

يخرج بضعة كاسيتات للشيخ إمام، وأشرطة هندية، وينظم زاوية مخصصة لتلاوة القرآن الكريم، وتفسيره، بأصوات لقارئين لم يعودوا على قيد الحياة، مشيراً إلى أن محلهم في زمن مضى كانت الكاسيتات تملأ سقفه وأرضيته.

ويضيف حيدر: «بقي بيع الكاسيتات ضخماً حتى عام 2000. وكان موسم الأعياد يشهد أكبر إقبال، حيث كان يتم بيع من 3 إلى 4 آلاف كاسيت خلال فترة العيد وحده، يليه موسم الأعراس ونتائج الثانوية العامة، والمناسبات الشخصية كأعياد الميلاد وعيد الحب، وكان الدارج في تلك المرحلة هو تجميع الكاسيت، حيث يتم تجميع نحو 18 أغنية في كاسيت واحد، بتكلفة من 30 إلى 35 شيقلاً، وكان الإقبال على هذا النوع من الهدايا يتم بشكل مكثف».

ويتذكر أصحاب تلك المحال، شيوع الأغنية الشعبية، والإقبال الكثيف عليها، خاصة أغاني شفيق كبها، وموسى حافظ، وأبو بسام الجلماوي، والعراني، ومصطفى الخطيب، وغيرهم. وزمن كانت فيه الناس تشتري المواويل، خاصة العراقية، والشعر، زمن كانت فيه شرائط الكاسيت تُباع على العربات المتنقلة في وسط المدينة.

يؤكد أصحاب محال بيع الكاسيتات، أن الفترة الذهبية لهم كانت تقريبا حتى عام 2000، قبل أن يتراجع الإقبال بشكل كبير، وذلك سبب طبيعي للحالة على الأرض، والظرف السياسي والأمني الذي عاشته فلسطين، حيث انطلقت انتفاضة الأقصى في نهاية أيلول من عام 2000، وما رافقها من ارتقاء الشهداء ومنع التجوال، وفي تلك المرحلة ازداد الإقبال على الأغاني الوطنية.

لم يعد شريط الكاسيت المجمع والمنسوخ هدية متبادلة بين عاشقين، وما عادت ملصقات المطربين والحفلات الغنائية تغطي أبواب وجوانب وأسقف المحال التي تبيع الكاسيت. لا يذهب أحد اليوم ليجمع شرائط كاسيت الحارة في مناسبة فرح، ولا أحد ينتظر أسابيع أو أكثر في انتظار نزول ألبوم لمغنٍ يحبه، ووصوله إلى محلات بيع الكاسيتات، فالإنترنت صار يقوم بكل تلك المهام بيسر وسرعة فائقة.


* هذه المادة من مبادرة «المراسل العربي». لإرسال القصص الصحافية راسلونا على [email protected]


فلسطين

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة