تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

رئيس الوزراء ضد نجل الرئيس... وبدء السباق نحو قصر قرطاج

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر
TT

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

لم يسبق في تاريخ تونس أن انتقد رئيس حكومة تونسي في السلطة، وعلناً، نجل رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الحاكم، مثلما فعل رئيس الحكومة التونسي الشاب يوسف الشاهد.
تصريح الشاهد الانتقادي جاء بعد حملة إعلامية سياسية طويلة استهدفته وحكومته، وحمّلتهما مسؤولية الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد. ورافقتها مطالبات بإقالتهما صدرت خصوصاً عن نور الدين الطبوبي زعيم نقابات العمال وحافظ قائد السبسي زعيم حزب «نداء تونس» الحاكم ونجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.
هذا التصريح - الانتقاد الذي رحبت به أطراف سياسية كثيرة مشاركة في «حكومة الوحدة الوطنية» ومن خارجها، خلط الأوراق بسرعة، وتوقع البعض أن يُدخل البلاد في أزمة سياسية شاملة، في حين توقع آخرون أن يفتح الطريق أمام الشاهد ليصبح «الرجل القوي» في الدولة والحزب الحاكم، تمهيداً لترشحه المرتقب في الانتخابات الرئاسية خلال العام المقبل.

شد أنظار المراقبين التونسيين التصريح الانتقادي المفاجئ الذي أدلى به رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد إلى القناة التلفزيونية العمومية الأولى مساء الثلاثاء 29 مايو (أيار) المنصرم، وخاطب به الشعب مباشرة، وبالأخص، أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي كان في زيارة إلى باريس، حيث شارك مع رؤساء دول الجوار الليبي في مؤتمر المصالحة بين الأفرقاء الليبيين الذي رعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

- وثيقة قرطاج
لقد اعتبرت مبادرة الشاهد إلى مخاطبة الشعب التونسي، حول الصعوبات التي تواجهها الحكومة والحزب الحاكم، «ضربة سياسية استباقية» أوقف بها الدعاة إلى إقالته أو إلى تغيير فريقه الحكومي، رغم اعتراضات أحزاب كبرى وبعض سفراء الاتحاد الأوروبي بتونس، وبينهم السفير الفرنسي أولفييه بوافر دارفور. ولقد تسببت هذه المعارضة في وقف المفاوضات الماراثونية التي استضافها قصر قرطاج حول صياغة «وثيقة قرطاج 2» التي كان من المقرّر أن تكون خريطة طريق للدولة في المرحلة المقبلة.
لقد تزايدت تلك الدعوات بين المقرّبين من حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس وزعيم حزب «نداء تونس»، مثل الوزير السابق خالد شوكات، الذي فسّر تراجع شعبية «نداء تونس» في انتخابات 6 مايو (أيار) الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014، بإخفاقات الحكومة وعجزها عن تنفيذ برنامجه الانتخابي. غير أن يوسف الشاهد رفض هذا الطرح بقوة، وتجنب التعويم وما وصف بـ«اللغة الخشبية» خلال رده على منتقدي حكومته. وحمّل مسؤولية الأزمات التي يمرّ بها الحزب الحاكم والإدارة والبلاد إلى أخطاء حافظ قائد السبسي. والجديد، أنه ذكره بالاسم رغم علاقته العائلية برئيس الجمهورية.

- حكومة في خطر؟
جاءت انتقادات رئيس الحكومة لزعيم الحزب الحاكم ونجل الرئيس بعد يوم واحد من إعلان الرئيس التونسي أمام زعماء الأحزاب والنقابات الكبرى في البلاد «تعليق» المفاوضات التي نظمت في القصر الرئاسي طوال 5 أشهر بمشاركة الزعماء السياسيين والخبراء. وأوضحت المستشارة سعيدة قراج، الناطقة باسم رئيس الجمهورية، أن حصيلة الاجتماعات المطولة للخبراء والسياسيين كانت صياغة وثيقة اقتصادية سياسية من 64 نقطة يمكن أن تعتمدها الحكومة. إلا أن حصيلة هذه المفاوضات كانت اتفاقاً على 63 نقطة تهم أساساً البرنامج الاقتصادي الاجتماعي. وفي المقابل تصدّع تحالف الأحزاب والنقابات المشاركة منذ صيف 2016 في «حكومة الوحدة الوطنية» بسبب الخلاف حول «النقطة 64» التي تنص على تغيير الحكومة ورئيسها بعد اتهامها بالفشل. وكان على رأس المدافعين عن خيار التغيير اتحاد نقابات العمال وزعامة «نداء تونس»، الذي ينتمي رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى قيادته، لكنه دخل منذ مدة في خلاف مع مديره التنفيذي نجل الرئيس والمقربين منه ممن حملهم مسؤولية إضعاف الحزب والتسبب في تصدعه وانقسام كتلته البرلمانية.
لعل ما جعل الطبقة السياسية تنخرط مباشرة في خلافات الحزب الحاكم وصراعات زعمائه أن حكومة يوسف الشاهد تضم وزراء من عدة أحزاب ونقابات. ومن ثم، فإن إسقاطها سوف يعني انهيار «حكومة الوحدة الوطنية» والحزام السياسي الذي كان حولها، وكذلك القطع مع تجربة التوافق السياسي بين التيارات الليبرالية واليسارية والقومية والإسلامية المعتدلة في إطار ما عُرف بـ«حكومة الوحدة الوطنية».

- انتقادات للشاهد ولحركة «النهضة»
في المقابل خرج زعيم حزب «نداء تونس» عن صمته، وأصدر بياناً فور الإعلان عن تعليق «وثيقة قرطاج» انتقد فيه - في الوقت نفسه - رئيس الحكومة والأطراف السياسية التي رفضت تغييره الآن، بحجة البحث عن الاستقرار السياسي والوطني، وعلى رأسها حزب «حركة النهضة» واتحاد نقابات المزارعين وحزب المبادرة بزعامة وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان.
حافظ قائد السبسي اعتبر أن «الحكومة الحالية التي تمخضت في سبتمبر (أيلول) 2016 عن اتفاق قرطاج 1 كمرجعية سياسية جامعة قد تحوّلت إلى عنوان أزمة سياسية أفقدتها صفتها كحكومة وحدة وطنية».

- فك الارتباط قبل انتخابات 2019
من ناحية أخرى، فسّر سياسيون ومراقبون من تيارات تونسية مختلفة تراجع شعبية حزب «نداء تونس» في الانتخابات من نحو 40 في المائة في العام 2014 إلى نحو 20 في المائة في انتخابات الشهر الماضي، بتحالفاته مع بعض الأطراف السياسية وبينها قيادة «حركة النهضة». ولقد لوح بيان حافظ قائد السبسي بفك الارتباط السياسي معها وبالترشح للمحطات المقبلة دون تحالفات. والتقت هذه الانتقادات مع تصريحات مماثلة عن نشطاء سياسيين من التيارات المحسوبة على الراديكالية والثورية ممن فسّروا خسارة «حركة النهضة» ثلثي ناخبيها مقارنة بانتخابات 2011، ونصفهم مقارنة بانتخابات 2014، بتحالفاتها مع حكومات حزب «النداء» الذي ينتمي معظم وجوهه إلى حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

... وحملة إعلامية على عائلة الرئيس
ولئن تتسارع الأحداث في تونس بنسق سريع، وفي اتجاهات متناقضة منذ انهيار رأس الدولة المركزية في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، فإن من بين مفاجآت الأيام القليلة الماضية أن الصراعات السياسية تداخلت وتطورت من نقاش حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية إلى حملات إعلامية وسياسية واتهامات متبادلة. وشملت هذه الحملات عائلة الرئيس التونسي، خصوصاً نجله الأكبر حافظ الذي بات الرئيس الفعلي للحزب منذ استقالة والده منه فور جلوسه على كرسي الرئاسة في يناير 2015.
ومن بين المفارقات، أنه صدر دفاع عن عائلة الرئيس من قبل قيادات أحزاب في الحكومة والمعارضة بينها عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم حزب «حركة النهضة». وانتقد حافظ قائد السبسي تلك الاتهامات والحملات الإعلامية التي استهدفته وعائلته، واعتبر أنها تستهدف دور رئيس الجمهورية راعياً للتوافقات السياسية والاجتماعية ومرجعاً للشرعية الشعبية الانتخابية والدستورية.

- مفاجأة من داخل البيت
لكن المفاجأة، هذه المرة، جاءت من داخل البيت. إذ صدرت الانتقادات للابن الأكبر لرئيس الدولة - التي تروج إشاعات كبيرة حول ثروته وحول انفراده بالقرار السياسي في حزبه - عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان قد تولى مسؤوليات عليا في حزب «نداء تونس» قبل دخوله الحكومة، بينها رئاسة اللجنة الوطنية التي أعدت لمؤتمر الحزب الأول في صيف 2015. وكان الشاهد يومذاك وكيل وزارة للزراعة ثم صار وزيراً للجماعات المحلية.
وما يُذكر أنه سبق للشاهد أن رُشح لرئاسة الحزب بعد تولّيه منصب رئاسة الحكومة في أواخر صيف 2016، إلا أن اعتراضات بعض مؤسسي الحزب ورموزه أجهضت الترشيح يومذاك، ومن ثم، أعلن الشاهد أنه يريد التفرغ للعمل الحكومي ويترك العمل الحزبي لغيره. ولكن يبدو أن رئيس الحكومة الشاب «وجد نفسه مضطراً لتبرير العلاقة المتوترة مع بعض النافذين في حزبه»، مثلما جاء على لسان وزير الزراعة الأسبق البرلماني محمد بن سالم.

- إقحام التونسيين في خلافات لا تهمهم
لقد اعتبر كثيرون من السياسيين والبرلمانيين والإعلاميين التونسيين في تعليقاتهم على معركة رئيس الحكومة مع نجل الرئيس ومدير «نداء تونس» أن من شأنها أن تزيد من إضعاف الدولة وإرباك الحزب الحاكم، حسب تعبير البرلماني اليساري منجي الرحوي. كذلك اعتبر البرلماني والوزير السابق محمد بن سالم أنّ رئيس الحكومة الشاهد «أخطأ حين أقحم التونسيين في الحرب الداخلية لـ(نداء تونس)»، وحين تحدّث عن مشاكل حزبه في خطاب توجه به إلى الشعب. وأضاف بن سالم: «مشاكل (نداء تونس) تم تمريرها إلى البلاد، عوض مناقشة الأسباب التي تفسّر فشل البلاد في تحقيق ما تصبو إليه رغم نجاحها في تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة في 2014».

- «سيناريو» الحبيب الصيد
وفي السياق ذاته، استحضر عدد من المراقبين، بينهم البرلماني عمار عمروسية والإعلامي الطيب اليوسفي الوزير، مدير مكتب رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، «سيناريو» إقالة الصيد في سبتمبر 2016. فقد تزعم الحملة الداعية إلى إبعاد الحبيب الصيد، حينذاك، وتعيين يوسف الشاهد، قادة حزب «نداء تونس» بقيادة حافظ قائد السبسي. وأيضاً من بين المفارقات أن الكتلة البرلمانية التي دعمت الحبيب الصيد حتى آخر لحظة كانت كتلة «حركة النهضة» بزعامة وزير العدل السابق نور الدين البحيري. لكن أنصار الإقالة تفوقوا فأبعد الحبيب الصيد، وهو من بين رموز النظام السابق وأحد المعارضين البارزين للمشروع السياسي والمجتمعي للحركات الإسلامية.
والواقع أنه لم تتح فرصة ليوسف الشاهد، خلف الصيد، لأن يلعب دوره. بل انطلقت بعد أشهر معدودة من تعيينه حملات تهدف إلى إضعافه وإرباكه ثم إقالته، مستفيدين من توتر علاقات نقابات العمال ببعض الوزراء وبالحكومة نتيجة خلافات حول زيادات الأجور وخصخصة المؤسسات العمومية المفلسة.
لكن السؤال الذي يطرحه عدد من السياسيين والإعلاميين ودعاة الاستقرار السياسي في تونس، مثل المحامي محمد المنصف الباروني، هو «إلى أي حد ينبغي التمادي في خيار تشريك النقابات في إعفاء الوزراء وتعيينهم، ثم في إقالة رؤساء الحكومات؟»، وهنا يشار إلى أن قيادات نقابية بارزة من الاتحاد العام التونسي للشغل طالبت سابقاً بالفعل بإقالة وزيري التربية ناجي جلول والصحة سعيد العايدي، واستجابت لها الدولة. واليوم يطالب أمين عام نقابات العمال بإعفاء رئيس الحكومة.
إذا حصل ذلك، فإن من بين الساسة التونسيين من يرى فيه تهديداً مباشراً لاستقرار البلاد، والشيء نفسه يصدق على السفير الفرنسي بتونس الذي أورد في تصريح صحافي أن «باريس والعواصم الأوروبية تدعم الاستقرار السياسي في تونس وجهود حكومة الوحدة الوطنية الحالية التنموية ونجاحاتها رغم الظروف الإقليمية والداخلية الصعبة التي تمر بها».

- أزمة سياسية بامتياز
وفي الوقت الذي رحبت قيادات سياسية، مثل الإعلامي والوزير السابق والقيادي في حزب «مشروع تونس» صلاح الدين معاوي، بما وصفوه بـ«شجاعة سياسية صدرت عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد»، صعّد أمين عام اتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي لهجته ضد رئيس الحكومة، ملوّحاً باستخدام أوراق النقابات في إشارة ضمنية إلى ورقة الإضرابات. واعتبر الطبوبي أن تصريحات الشاهد «كشفت أن الأزمة سياسية بامتياز، ولا علاقة لها بالاستحقاقات الوطنية والاجتماعية، التي تنتظرها فئات واسعة من الشعب التونسي. وهي مرتبطة بتقسيم المواقع والنفوذ والمحطات السياسية القادمة». وأورد زعيم النقابات أن وضع البلاد «يتطلب الصراحة المسؤولة بعيداً عن المحاباة والمجاملة والأجندات الانتخابية».
وبعدما التقى 7 من سفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين في تونس رئيس الحكومة الشاهد، وأعلنوا دعمهم له ولسياساته - حسب تصريحات السفير الفرنسي - تهجّم أمين عام نقابات العمال على السفير الفرنسي. وأعرب الطبوبي عن استغرابه من الحديث عن «هيبة الدولة في بلاد يرتع فيها السفير الفرنسي ويحشر نفسه في أدق المسائل الداخلية دون رادع من أي كان»، مبرزاً أن «الاتحاد سيبقى قلعة الدفاع عن استقلالية القرار الوطني».

- ورقة انتخابات 2019
في مطلق الأحوال، لا يختلف اثنان في تونس حول علاقة فشل جهود صياغة «وثيقة قرطاج 2»، ثم الانتقادات المتبادلة بين كبار السياسيين، بمن فيهم رئيس الحكومة ونجل الرئيس بانتخابات 2019 التشريعية والرئاسية. وفي حين توقع وزراء سابقون أن يقدم حافظ قائد السبسي على الترشح لخلافة والده في نهاية العام المقبل، فإن هؤلاء فهموا من تحركات رئيس الحكومة، الداخلية والخارجية، توظيف عمره (42 سنة) وموقعه ليغدو المرشح الرسمي لحزب «نداء تونس» للانتخابات الرئاسية المقبلة. واللافت، أنه لم تستبعد غالبية التعليقات في وسائل الإعلام القريبة من قصر قرطاج أن يكون الرئيس الباجي قائد السبسي نفسه هو من اقترح على الشاهد انتقاد ابنه... تأهباً لتولي مسؤولية رئاسة الحزب في المؤتمر المقبل للحزب ثم الترشح لانتخابات 2019. ومن بين ما يرجح هذه الفرضية بالنسبة لكثيرين أن يوسف الشاهد يحظى بدعم أميركي وأوروبي ودولي، من جهة، ودعم العديد من الفصائل السياسية الحاكمة والمعارضة داخل تونس من جهة ثانية. كذلك، تربط الشاهد علاقات عائلية غير مباشرة بعائلة الرئيس ما يرشّحه فعلياً لأن يكون ورقة الاستقرار ويجنّب البلاد الهزات بعد انتخابات 2019.

- القطيعة مع الشباب؟
عند هذه النقطة، يعتبر كثير من الخبراء أن معضلة تونس الكبرى، اليوم، هي استفحال القطيعة بين الشباب الممزّق بين البطالة والمخدرات والتطرف... والسياسيين الذين يخوضون صراعاً على الكراسي، وتحرّكهم الأجندات السياسية والانتخابية والمصالح الخاصة والفئوية. وفي هذا الإطار حذر الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي عبد الله العبيدي من استفحال ظاهرة هجرة الأدمغة والخبرات التونسية، بينما يتدهور مستوى التعليم وقيمة الدينار، ناهيك عن أنه بلغ التضخم رقماً قياسياً لم يسجل منذ عام 1991. ولا شك في أن تدهور الوضع المعيشي للمواطن التونسي بصفة ملحوظة ينذر باحتمال انفجار الأوضاع مجدداً في وجه الجميع، وبعنف قد يفوق عنف ثورة 2011 وانتفاضات يناير 2016 ومايو 2017 ويناير 2018.
وفي كل الحالات سيبقى السؤال الأكبر هو: إلى أي حد سوف تبقى اللعبة السياسية تحت سيطرة اللاعبين الرسميين وشبه الرسميين؟ ومن ثم هناك سؤال وجيه آخر هو: ألن تؤدي الانتفاضات الشبابية والاحتجاجات النقابية والاجتماعية القادمة إلى إعادة خلط الأوراق وإجهاض حسابات كل المتسابقين نحو المناصب والكراسي؟



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.