«فوبيا المحروقات» تحاصر المصريين في نهار رمضان

الزيادة قادمة.. والتساؤلات حول الموعد والنسبة

قلق واسع في مصر مع انتشار الشعور باقتراب رفع أسعار الوقود (رويترز)
قلق واسع في مصر مع انتشار الشعور باقتراب رفع أسعار الوقود (رويترز)
TT

«فوبيا المحروقات» تحاصر المصريين في نهار رمضان

قلق واسع في مصر مع انتشار الشعور باقتراب رفع أسعار الوقود (رويترز)
قلق واسع في مصر مع انتشار الشعور باقتراب رفع أسعار الوقود (رويترز)

في ما بدت أنها حملة حكومية منظمة، بدأت وسائل الإعلام المصرية الحديث بشكل متزامن عن فاتورة دعم المحروقات بشكل واسع هذا الأسبوع، ولا يبدو هذا الحديث لكثير من المراقبين إلا تمهيدا صريحا لـ«قرار تم اتخاذه» برفع أسعار المحروقات خلال فترة لا تتخطى أيام؛ وربما ساعات.
ويترقب المصريون هذه الأيام قرار رفع أسعار المحروقات بقلق كبير؛ إذ إن منتصف شهر يونيو (حزيران) الحالي سيوافق عيد الفطر، إلى جانب أنه سيشهد بداية إجازات آخر العام وموسم الصيف، وهي مواسم ذات ضغوط كبيرة على ميزانية الأسر المصرية بشكل واسع.
ومنذ قرار الشروع في برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي انطلق بتعويم الجنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، مر المصريون بأوقات عسرة وأزمات مادية كبيرة، شملت ارتفاعات غير مسبوقة في نسب التضخم، وانهيار بالمدخرات الشخصية، خصوصا مع ثبات الرواتب بشكل كبير.
وتحول الأمر بالنسبة للمصريين إلى نوع من أنواع القلق والخوف المرضي من القرارات التي تتخذها الحكومة على حين غرة، ومن بينها «فوبيا» زيادة أسعار المحروقات... إلا إن المسؤولين في مصر عادة ما يدافعون عن القرارات المتتالية بزيادات الأسعار، بمقولة إنها «تصب في مصلحة المواطن»، في إشارة إلى الحصاد المرتقب للإصلاحات... بينما المواطن يطالبهم بـ«الرأفة عند النظر والاهتمام بمصلحته» على حد قول كثيرين.
ومن المعروف أن ارتفاع أسعار المحروقات يتسبب تباعا في ارتفاع أسعار كل السلع في مصر، نظرا لاعتماد عجلة الصناعة على الطاقة، وكذلك حركة نقل المواد الأولية أو البضائع، مما يرفع من تكلفة الإنتاج بشكل كبير، ويصب في النهاية في صورة زيادة بالأسعار يتحملها المواطن، مما يعني أن رفع أسعار الوقود المنتظر، سيسفر لا محالة عن صعود جديد وربما حاد على الأرجح بمعدلات التضخم الشهري.
ومع رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق قبل أيام قليلة، فإن رفع أسعار المحروقات سيسفر عن زيادة أسعار كل وسائل النقل والمواصلات في مصر، وسط توقعات بأن تكون نسبة الزيادة «بالغة».
وبحسب متابعين للشؤون السياسية والاقتصادية في مصر، فإن قرار تقليص دعم المحروقات وزيادة أسعارها أمر لا فكاك منه، والحكومة المصرية أكدت عليه في أكثر من مناسبة سابقة «بلا مواربة»، والموعد المحدد من قبل والمرتقب لذلك هو بداية السنة المالية الجديدة في يوليو (تموز) المقبل، تنفيذا لإحدى خطوات البرنامج الإصلاحي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
لكن تطورات جديدة أدت إلى توقع واسع بالتعجيل برفع الأسعار قبل بداية الموازنة الجديدة، كان أبرزها صعود أسعار النفط عالميا بشكل كبير خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعا بتطورات جيوسياسية كبرى حول العالم، على رأسها إعادة إيران إلى دائرة العقوبات الأميركية، ومخاوف اشتعال حرب تجارية كبرى بين الكتل الاقتصادية الضخمة، إضافة إلى مشكلات أخرى متنوعة تتعرض لها الدول المنتجة للنفط وبينها فنزويلا وليبيا... وغيرها.
ارتفاع متوسط سعر برميل النفط من «خام برنت» إلى مستوى 80 دولارا، قبل أن يهدأ قليلا في الأيام الماضية، أدى، بحسب مصدر حكومي تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم ذكر اسمه، إلى حالة من الارتباك الشديد في حسابات الموازنة الجديدة، التي وضعت سعرا متوسطيا متوقعا حول 67 دولارا فقط للبرميل.
أما في موازنة العام السابق، فقد كان السعر المتوسط هو 55 دولارا، وهو مستوى سعري تخطاه برميل النفط منذ شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، بما يعني أن الموازنة ضغطت بعجز متنام على مدار ما يصل إلى 8 أشهر متواصلة، مرشحا للاكتمال في آخر شهور الموازنة... لكن المصدر الحكومي أوضح أن مستوى العجز الحالي، خصوصا مع زيادة أسعار النفط العالمية لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار، وقد يعجل بخطوة تقليص الدعم خلال ساعات؛ خصوصا إذا عاودت أسعار النفط الارتفاع لتلامس مستوى 80 دولارا.
وكان نائب وزير المالية للخزانة العامة محمد معيط قد صرح هذا الشهر بأن الوزارة تدرس حاليا الآثار المالية المترتبة على ارتفاع أسعار البترول عالميا، وبناء عليه ستقوم بفتح اعتماد إضافي بموازنة العام المالي الحالي.
ونشرت وزارة البترول المصرية أمس بيانات تظهر التكلفة الفعلية لتوفير المواد البترولية في السوق المحلية عند سعر 75 دولارا للبرميل وسعر صرف 17.8 جنيه للدولار، وهو ما يؤدي إلى تحمل موازنة الدولة نحو 103.9 مليار جنيه قيمة لدعم المواد البترولية.
ومن أجل بلوغ مستهدف الحكومة في موازنة العام المقبل بخفض عجز الموازنة إلى 8.4 في المائة، وتقليص دعم الوقود إلى 19.1 في المائة، عند مستوى 89.08 مليار جنيه، فإن ذلك لن يتحقق على المستوى السعري المفترض لمتوسط برميل النفط عند 67 دولارا، إلا إذا جرى تخفيض كبير للدعم وشهدت الأسعار الرسمية للمحروقات ارتفاعات كبرى.
وبحسب تقرير البترول الرسمي، فإن قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد المحروقات طبقا لـ«خام برنت» عند سعر 75 دولارا للبرميل، تصل إلى 103.934 مليار جنيه (5.87 مليار دولار).
وأظهر التقرير أن سعر أسطوانة البوتاغاز التي تباع للمواطنين بسعر 30 جنيها تكلف الدولة 175.2 جنيه، قائلا إن الدولة تتحمل 145.2 جنيه للوحدة الواحدة، لتبلغ قيمة ما تتحمله نتيجة استيراد 183 مليون أسطوانة نحو 26.57 مليار جنيه.
وأوضح التقرير أن لتر «بنزين 92» يتم بيعه للمواطنين بـ5 جنيهات، بينما يتم استيراده بـ10.84 جنيه، لتبلغ قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد 1751 مليون لتر نحو 10.23 مليار جنيه، بينما يتم بيع لتر «بنزين 80» للمواطنين بمبلغ 3.65 جنيه، فيما يتم استيراد اللتر بنحو 9.66 جنيه، لتبلغ قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد 2068 مليون لتر نحو 12.4 مليار جنيه.
وأشار التقرير إلى أنه يتم بيع لتر السولار للمواطنين بسعر 3.65 جنيه، فيما يتم استيراد اللتر بـ11.14 جنيها، لتبلغ قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد 6780 مليون لتر نحو 50.78 مليار جنيه.
ولفت التقرير إلى أنه يتم بيع طن المازوت للمواطن بـ2510 جنيهات، بينما يتم استيراده بنحو 8098 جنيها للطن، ليبلغ إجمالي ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد 0.66 مليون طن نحو 3.68 مليار جنيه.
وذكر التقرير أن إجمالي ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد الكميات السابقة من المحروقات يبلغ نحو 103.934 مليار جنيه، وقدّر التقرير قيمة الفرصة البديلة عند 75 دولارا للبرميل بنحو 146.987 مليار جنيه.
وأشار التقرير إلى أن قيمة الفرصة البديلة لأسطوانات الغاز تتجاوز 19 مليار جنيه نتيجة تصدير 147 مليون أسطوانة، حيث يبلغ سعر تصدير الأسطوانة الواحدة 160.2 جنيها.
بينما قيمة الفرصة البديلة لـ«بنزين 92» تبلغ نحو 13 مليار جنيه، حيث يبلغ سعر تصدير اللتر الواحد 9.85 جنيها، وقيمة الفرصة البديلة لـ«بنزين 80» تبلغ 17.5 مليار بسعر تصدير للتر الواحد 9.22 جنيه. وتبلغ القيمة المضافة للسولار نحو 58 مليار جنيه، حيث يبلغ سعر تصدير اللتر الواحد 10.34 جنيه. ونوه التقرير بأن قيمة الفرصة البديلة من المازوت تبلغ 39 مليار جنيه، حيث يبلغ سعر تصدير الطن 7786 جنيها.


مقالات ذات صلة

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

تثير التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر، تساؤلات بشأن مدى لجوء القاهرة لتمديد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء «الاتفاق» بنهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: تحرك برلماني بسبب مخالفة قرارات «التقشف الحكومي»

أثارت البعثة المصاحبة لمنتخب كرة القدم المصري إلى السعودية حفيظة نائب بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) لعدم الالتزام بـ«إجراءات التقشف» الحكومية.

عصام فضل (القاهرة)
شؤون إقليمية إيرادات قناة السويس من المصادر الأساسية للعملة الصعبة في مصر (هيئة قناة السويس)

القاهرة تنشد دعماً اقتصادياً دولياً لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية

تنشد القاهرة دعماً اقتصادياً من مؤسسات التمويل الدولية وأوروبا والولايات المتحدة لاحتواء التداعيات «السلبية» للحرب الإيرانية على البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد جولات تفتيشية لضمان توفر المحاصيل والسلع الغذائية في مصر (وزارة التموين)

مخاوف عرقلة سلاسل الإمداد تجعل «الأمن الغذائي» أولوية مصرية

تعددت الاجتماعات والتوجيهات الحكومية للحفاظ على مخزون استراتيجي للسلع الأساسية في مصر بعد نحو شهر على بدء الحرب الإيرانية.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفعت بمعدل 21 في المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.