غارات واسعة على غزة ورشقات صواريخ على إسرائيل تنذر بحرب جديدة

تل أبيب تتهم {الجهاد}... و{حماس} تؤكد مشاركتها... والقاهرة تسعى لوقف التصعيد

الدخان يتصاعد من مناطق في غزة تعرضت لغارات إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من مناطق في غزة تعرضت لغارات إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
TT

غارات واسعة على غزة ورشقات صواريخ على إسرائيل تنذر بحرب جديدة

الدخان يتصاعد من مناطق في غزة تعرضت لغارات إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من مناطق في غزة تعرضت لغارات إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)

دمرت إسرائيل نفقا تابعا لحركة حماس وقصفت 35 هدفا في 7 مواقع في قطاع غزة، ردا على إطلاق قذائف هاون وصواريخ من القطاع باتجاه مستوطنات قريبة، في أعنف وأوسع تصعيد منذ حرب 2014.
وعاش القطاع أمس، وكذلك سكان المستوطنات القريبة، واحدا من أيام الحرب الحقيقية.
وأغارت القوات الإسرائيلية على حوالي 35 موقعا في القطاع، تابعة لحركتي حماس، التي اتهمتها إسرائيل بإطلاق القذائف والصواريخ ردا على مقتل 3 من عناصرها قبل أيام. فيما هاجم الفلسطينيون بلدات ومستوطنات إسرائيلية بحوالي 50 قذيفة هاون وصواريخ، في 3 مرات على الأقل.
وجاء الهجوم الإسرائيلي بعد قليل من تشديد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الرد بقوة على صواريخ القطاع، وتهديده: «كل من يحاول الاعتداء علينا سيدفع الثمن باهظا».
وحمل نتنياهو حركة حماس المسؤولية عن منع الهجمات الصاروخية من غزة. وقال إن إسرائيل تنظر بخطورة إلى «الهجمات» التي شنت من قبل حماس والجهاد، واصفا ما حدث بـ«هجوم قاس تعرضت له إسرائيل».
وهاجم الجيش الإسرائيلي قطاع غزة بعد إطلاق الجهاد الإسلامي، حوالي 30 قذيفة «هاون»، تجاه مستوطنات غلاف غزة، قبل أن تتمكن منظومة القبة الحديدية من اعتراض بعضها، فيما سقط بعضها فوق «سديروت»، ثم وسع هجماته بعد اجتماع أمني موسع.
وجاء في بيان للجيش الإسرائيلي أنه استهدف «6 مواقع عسكرية بما فيها مخازن أسلحة وأهداف بحرية ومقرات» مضيفا: خلال الغارات تم إحباط نفق إرهابي هجومي تابع لمنظمة حماس الإرهابية في منطقة معبر كرم شالوم. والحديث يدور عن نفق ينطلق من قطاع غزة ويخترق الأراضي المصرية ومن ثم يجتاز إلى داخل الأراضي الإسرائيلية. النفق مخصص «لأغراض إرهابية» ولنقل وسائل قتالية إلى مصر.
واتهم الجيش الاسرائيلي، حركة الجهاد الإسلامي بإطلاق القذائف والصواريخ، ردا على مقتل 3 من عناصرها في قصف إسرائيلي قبل أيام، لكن الجهاد أصدرت بيانا مشتركا مع حركة حماس، قالتا فيه إنهما شريكتان في الهجمات، وإن «القصف بالقصف والدم بالدم» و«الخيارات مفتوحة».
وتابع: «ينظر الجيش ببالغ الخطورة لما حدث ويعتبر منظمة حماس الإرهابية مسؤولة عن كل ما يحدث في قطاع غزة أو ينطلق منه».
وبعد القصف، أطلقت الفصائل الفلسطينية رشقة صواريخ من قطاع غزة، بينها «غراد» الذي استخدم لأول مرة منذ حرب 2014، واستهدف «أوفاكيم»، لكن القبة الحديدة أسقطته، وبعد ساعات أطلقت صواريخ تجاه مجمع اشمول، فيما كانت المدفعية الإسرائيلية تقصف مواقع للفصائل.
وقال فوزي برهوم، الناطق باسم حماس: إن إطلاق القذائف من غزة «رد طبيعي على جرائم الاحتلال».
وأكد برهوم أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد مقبل.
ووفق تقديرات الجيش الإسرائيلي فإن القيود التي فرضت على إطلاق الصواريخ والهجمات ضد إسرائيل انطلاقا من قطاع غزة لم تكن موجودة هذه المرة، وعلى الرغم من ذلك، فإن حماس غير معنية بتدهور الأوضاع أكثر، وسيجري اختبار ذلك على الأرض.
ويرى مسؤولون أمنيون أن الكرة في ملعب حماس، وأن الأيام القريبة قد تكون هادئة أو خطيرة أكثر.
وتقول الجهات الاستخباراتية في إسرائيل إن حماس وافقت على أن تطلق الجهاد الإسلامي النيران وحتى إنها مسؤولة عنه، إذ تحظى كلتا المنظمتين بدعم إيراني.
وبحسب التقديرات فإن الجهاد الإسلامي قد أطلقت القذائف ردا على مقتل ثلاثة من عناصرها في القصف الإسرائيلي قبل أيام.
ودافعت حركة الجهاد الإسلامي عن قرارها، بالقول إن كرامة الفلسطيني أغلى ما نملك. وقال مسؤول المكتب الإعلامي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، داود شهاب: «إن دماء أبناء شعبنا ليست رخيصة حتى يستبيحها الإرهابيون دونما رادع».
ومع التصعيد الكبير الذي ينذر باشتعال حرب، وتصريحات لوزير الاستخبارات يسرائيل كاتس، بأن إسرائيل أقرب للحرب من أي وقت مضى، دخلت مصر على الخط وضغطت باتجاه نزع فتيل الانفجار.
وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة اتصلت بقادة حماس والجهاد وإسرائيل من أجل تجنيب القطاع ويلات حرب جديدة. وبحسب المصادر: «أبدت إسرائيل وحماس عدم رغبة في التصعيد». وهذا ما أكده جنرال في الجيش الإسرائيلي، أعلن بعد ظهر أمس، أن الأحداث لن تتدهور إلى حرب.
وكان سكان البلدات اليهودية المحيطة بقطاع غزة، قد أكدوا أن الأحداث التي وقعت أمس، كانت الأشد خطورة منذ حرب 2014. وقد استدعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قادة الجيش والمؤسسة الأمنية، لجلسة مشاورات عاجلة في مكتبه في مدينة القدس الغربية، فيما طالب أعضاء كنيست من أحزاب اليمين، جيش الاحتلال بـ«رد غير مسبوق» على قصف المقاومة للمستوطنات.
وأعلن نتنياهو أن «إسرائيل تنظر ببالغ الخطورة إلى الهجمات التي شنتها عليها وعلى بلداتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي الإرهابيتان من قطاع غزة».
وعقد وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، جلسة طارئة للقيادات الأمنية، قام الطيران الحربي الإسرائيلي في أعقابها بتنفيذ سلسلة غارات على مواقع لحركتي حماس والجهاد في قطاع غزة. لكن مصادر في الجيش الإسرائيلي قالت إنه «معني برد عنيف ولكن لا يؤدي إلى مواجهات مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي».
وذكرت مصادر أخرى أن «الأجهزة الأمنية تتبنى موقفا مفاده أنه يجب تأجيل المواجهة الواسعة النطاق مع قطاع غزة، إلى حين استكمال الحاجز تحت الأرض، لتعطيل الأنفاق الهجومية لحماس والجهاد الإسلامي».
وقال عضو المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، زئيف إلكين، من كتلة «الليكود»، إن إطلاق قذائف الهاون باتجاه المستوطنات المحيطة بقطاع غزة «يلزم برد شديد من قبل الجيش الإسرائيلي». وأضاف: «يجب الرد بشكل مؤلم، والحفاظ على معادلة الردع». فـ«في الشرق الأوسط يحترمون من يعرف كيف يرد الضربة بشكل مؤلم». من جهته كتب وزير المعارف ورئيس «البيت اليهودي» وعضو المجلس الوزاري المصغر، نفتالي بينيت، في تغريدة على «تويتر» متوجها إلى من ينتقد إسرائيل، بادعاء أن قذيفة هاون أطلقت من قطاع غزة سقطت في حضانة أطفال. وقال رئيس الكنيست، يولي إدلشتاين، إن إطلاق قذائف هاون هو خط أحمر خطير، مضيفا أن إسرائيل لن تسمح بتعريض سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة للخطر. وقال وزير الداخلية، أريه درعي، في حديث إذاعي، إن «إسرائيل سترد، ولكن ليس بقصف مدفعي عشوائي، وإنما على أكثر المواقع إيلاما». وكتب رئيس كتلة «يش عتيد» المعارضة، يائير لبيد، في حسابه على «تويتر»، إن «الهجوم على مستوطنات غلاف غزة لن يكون بدون رد، وسترد قوات الأمن بالشدة المطلوبة». وقالت وزيرة الخارجية السابقة وعضو الكنيست تسيبي ليفني (كتلة المعسكر الصهيوني) المعارضة، إن حركة حماس تتحمل المسؤولية عما يحصل في قطاع غزة بدون أي علاقة بهوية التنظيم الذي أطلق النار. وبحسبها فإن المطلوب هو «استراتيجية واضحة، وليس تكتيكات من جولة إلى جولة». وأضافت، على الحكومة الإسرائيلية أن تعمل سوية مع المجتمع الدولي من أجل نزع الأسلحة من قطاع غزة وإنهاء سيطرة حركة حماس. وقال وزير الأمن السابق وعضو الكنيست، عمير بيرتس، إن إطلاق قذائف الهاون يعتبر تصعيدا غير مسبوق، منذ الحرب الأخيرة صيف العام 2014. وأضاف، على الجيش الإسرائيلي أن يرد بشدة أكبر من السابق، بغض النظر عما إذا كان الحديث عن حركة حماس أم الجهاد الإسلامي. وبحسبه، فإن حماس هي من تتحمل المسؤولية ويجب أن تدفع الثمن.



اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
TT

اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)

أعلن اليمن، الثلاثاء، مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش» الإرهابي، المكنى «أبو حذيفة الأنصاري»، خلال عملية نفذتها قوات خاصة مشتركة تابعة لتحالف دعم الشرعية وقوة مكافحة الإرهاب اليمنية «القوة 22» في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، في ضربة استخباراتية تستهدف أحد أبرز وجوه التنظيم.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن (الاستخبارات)، في بيان، إن العملية نُفذت فجر الثلاثاء، في إطار التعاون وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الجهاز وقيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، موضحاً أن القوات تمكنت من القضاء على المطلوب في أثناء اختبائه في أحد المنازل السكنية بمدينة سيئون.

وأفاد البيان بأن القيادي كان داخل المنزل برفقة 8 مدنيين، بينهم رجل وامرأتان وخمسة أطفال، مشيراً إلى أن القوات تمكنت من إخراج النساء والأطفال ونقلهم إلى مكان آمن من دون تعرضهم للإصابة أو الأذى.

التنظيمات الإرهابية في اليمن سبق لها السيطرة على مناطق واسعة قبل التصدي لها (إعلام محلي)

وتكشف هذه التفاصيل عن حساسية العملية التي جرت في منطقة سكنية مكتظة، إذ أكد الجهاز الأمني اليمني أن القوات تمكنت من تنفيذ المهمة وتحييد المطلوب من دون وقوع أضرار جانبية بالممتلكات أو المدنيين في الحي.

ووفق البيان، أسفرت العملية كذلك عن إلقاء القبض على شخص كان موجوداً مع «أبو حذيفة الأنصاري» داخل المنزل، بعد مقاومته للقوات وإصابته خلال التعامل معه، قبل تقديم العلاج الطبي له ونقله إلى مكان آمن.

المضبوطات في الموقع

خلال عملية مسح الموقع وجمع الأدلة، عثرت القوات اليمنية على عدد من المضبوطات، بينها حزام ناسف جرى إبطاله وتفجيره لتحييد خطره على المدنيين، إضافة إلى جهازي كمبيوتر محمول، وخمسة جوالات، وجهازين لوحيين.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن إن المضبوطات جرى تحريزها، فيما استكملت الجهات المختصة إجراءات الاستدلال والتوثيق، قبل أن تغادر القوات الخاصة المشتركة منطقة العمليات بعد نجاح تنفيذ المهمة.

تنظيم «داعش» في اليمن خسر أغلب قدراته العسكرية على الأرض (إعلام محلي)

وتشير المضبوطات الإلكترونية، في حال أظهرت عمليات الفحص محتويات ذات صلة بنشاط التنظيم، إلى احتمال أن توفر العملية معلومات إضافية عن شبكات الاتصال والاتصالات الرقمية للقيادي القتيل، خصوصاً أن استهداف القيادات الإرهابية يعتمد بدرجة كبيرة على ما يمكن استخلاصه من الأجهزة التي تضبط في مواقع العمليات.

ولم يكشف البيان عن تفاصيل إضافية بشأن هوية «أبو حذيفة الأنصاري» أو موقعه داخل الهيكل التنظيمي لـ«داعش»، مكتفياً بوصفه متحدث التنظيم، كما لم يوضح طبيعة المعلومات التي قادت القوات إلى المنزل أو الفترة التي قضاها القيادي مختبئاً في سيئون.

تعاون استخباراتي

تبرز العملية، بحسب الجهاز المركزي لأمن الدولة، بوصفها نتيجة مباشرة للتعاون الاستخباري بين الأجهزة اليمنية والقوات المشتركة للتحالف، إذ أشار البيان إلى تبادل المعلومات بشأن المطلوبين، والاستفادة من منظومات المراقبة والاستطلاع الاستخباري، إلى جانب التخطيط والتدريب العملياتي لتنفيذ المهمة.

ويأتي استهداف متحدث «داعش» في وقت تراجعت فيه قدرة التنظيم على الاحتفاظ بمناطق نفوذ واسعة في اليمن، بعد سنوات من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت عناصره وقياداته وشبكاته.

وكان التنظيم قد ظهر في اليمن بصورة علنية في أواخر عام 2014، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الحرب، وتمكن من بناء وجود في مناطق عدة، خصوصاً في البيضاء وأجزاء من حضرموت وشبوة، قبل أن يتعرض لضربات متتالية أدت إلى تراجع قدراته الميدانية.

ومع خسارته القدرة على فرض وجود جغرافي واسع، اتجه التنظيم إلى العمل عبر خلايا محدودة، والاعتماد على الاختباء في المناطق النائية أو داخل البيئات السكنية، وتنفيذ هجمات متفرقة باستخدام العبوات والمتفجرات.

ويمثل مقتل متحدث التنظيم ضربة تتجاوز الجانب الميداني، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المنظومة الإعلامية في الحفاظ على التواصل بين القيادة والخلايا والأنصار، خصوصاً بالنسبة إلى تنظيم فقد معظم قدرته على السيطرة المكانية.

ويؤكد الجهاز المركزي لأمن الدولة أن الحكومة اليمنية ستواصل ملاحقة المطلوبين من عناصر التنظيمات الإرهابية وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة، مشدداً على استمرار التنسيق مع التحالف والشركاء الدوليين في جهود مكافحة الإرهاب.

وقال الجهاز إن اليمن «لن يكون ملاذاً لهم»، في رسالة تعكس سعي السلطات إلى منع التنظيمات الإرهابية من استغلال المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية فراغات أمنية أو صراعات محلية لإعادة بناء شبكاتها.


«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
TT

«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)

بدأت الجماعة الحوثية استنفارها الأمني وإعداد خطة استخباراتية لمواجهة احتفالات اليمنيين بذكرى «ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962»، قبل موعدها بنحو شهر، سعياً إلى منع تحول هذه المناسبة فرصةً للتخلص من سلطتها والتعبير عن رفض ممارساتها ونفوذها، وذلك بالتزامن مع التصعيد والمواجهات العسكرية مع الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة بدأت حملات الاعتقالات وتشديد الرقابة، التي تستهدف التجمعات والأنشطة واللقاءات الاجتماعية، ووضع قيود عليها، وتشديد الرقابة على أي أنشطة اجتماعية خارج نطاق إدارتها، إلى جانب فرض حالة تشبه منع التجول في الأوقات المتأخرة من الليل في كل الشوارع والأحياء والحارات.

ووفق المصادر، فقد اعتقلت شرطة الجماعة، خلال الأيام القليلة الماضية، مئات الشبان المتجمعين في سهرات ليلية بمختلف مناطق العاصمة المختطفة صنعاء، واقتادتهم إلى الأقسام ومقار الاحتجاز، حيث جرى التحقيق معهم بسرعة وإطلاق سراح غالبيتهم بعد إلزامهم التوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع.

وشملت هذه الإجراءات المشردين الذين طاردتهم عناصر الجماعة لإبعادهم عن مراكز الازدحام والأسواق، وكذلك شملت المتسولين الذين مُنعوا من الخروج خلال ساعات الليل.

اليمنيون يعدّون الاحتفال بذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» إحدى وسائل مواجهة الحوثيين (غيتي)

وقال سكان في السنينة، وهو حي مزدحم غرب صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة نشرت عدداً كبيراً من الدوريات والعناصر الراجلة للعمل خلال ساعات الليل وملاحقة واعتقال الشباب والأطفال الذين يتجمعون في الأحياء والحارات لقضاء أوقاتهم في مضغ نبتة القات أو اللعب، وإجبارهم على العودة المبكرة إلى المنازل.

وأضافوا أن الباعة المتجولين مُنعوا من العمل أو الوجود في المناطق المزدحمة منذ المغيب، ودُفعوا إلى الانتقال لداخل الحارات.

وتستعد الجماعة لإغراق المجال العام بشعارات وفعاليات احتفالية بذكرى «21 سبتمبر 2014» وهو يوم سيطرتها على صنعاء، ضمن ما يرى فيه اليمنيون مساعيَ حثيثة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وطمس الهوية الوطنية المرتبطة بـ«ثورة 26 سبتمبر 1962» التي أطاحت أسلاف الجماعة ونظامهم الإمامي.

إجراءات مبكرة

وفق المصادر، فقد لجأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة للحوثيين إلى إعداد خطة تتضمن إجراءات مشددة لمنع حدوث احتفالات شعبية في أي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعة، وحظر أي دعوة لأي تجمعات في الميادين والساحات العامة، والرقابة الصارمة على وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل مع أي دعوة أو إعلان عن الاحتفالات الجماعية.

الحوثيون يعتزمون تكثيف تجمعات أنصارهم للتغطية على احتفالات اليمنيين بـ«ثورة سبتمبر 1962» (رويترز)

وكشفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن الخطة تتضمن إجراءات استباقية للحد من مظاهر الاحتفالات الشعبية بذكرى الثورة، كالرقابة على بيع الأعلام والزينات، وإلزام التجار والباعة عدم البيع إلا بأعداد محدودة، والإبلاغ عن أي طلبات لكميات كبيرة والكشف عن هوية أصحابها.

وتعتزم الجماعة تكثيف احتفالاتها بذكرى انقلابها على الدولة والتوافق السياسي، وزيادة فعاليات التجمعات المؤيدة للتصعيد العسكري والبحري، وتبني خطاب يربط جميع الاحتفالات والتجمعات بذكرى «الثورة والانقلاب معاً»، إلى جانب مؤازرة العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية ومناطق سيطرتها.

ويعدّ اليمنيون الاحتفالات الحوثية بذكرى الثورة مجرد ادعاء؛ لأنهم يرون في فكر الجماعة وممارساتها نقيضاً كاملاً لمبادئ «ثورة 26 سبتمبر» والنظام الجمهوري الذي نشأ منها. فالثورة قامت في عام 1962 لإطاحة نظام الحكم الإمامي الذي يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم امتداداً فكرياً وسلالياً يسعى إلى إعادته بصيغة جديدة.

«ثورة 26 سبتمبر 1962» تمثل إلهاماً لليمنيين يضاعف مخاوف الحوثيين (إكس - أرشيفية)

وتتضمن الخطة نشر الشائعات عن احتمالية استهداف واختراق التجمعات الشعبية ووقوع أعمال عنف مما يهدد بسقوط ضحايا، ضمن مزاعم الجماعة بوجود نيات لاستهدافها من أعداء خارجيين.

خوف من الذاكرة

تعتمد الخطة الأمنية على توجيه الدعوات المباشرة، وبرسائل ورقية توزع في كل الأحياء، للسكان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية التي تنظمها الجماعة بهذه المناسبة وربطها باحتفالاتها بذكرى سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، مع التحذير من الاستجابة لدعوات تصدر من أفراد أو جهات لا تتبع الجماعة للاحتفال بذكرى الثورة منفردة.

كما تتضمن الخطة تكثيف حملات الاعتقالات، ليس فقط ضد من يدعون إلى الاحتفال، بل وتوسيع الحملات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات بغرض ترهيب السكان، وتوسيع محاكمة المعتقلين الحاليين، وزيادة المساحات الإعلامية المخصصة لتغطية هذه الإجراءات.

وشدّد معدو الخطة الحوثية على ضرورة تعزيز الرقابة المفروضة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب السياسية، لا سيما قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر الشعبي»، ومنع أي فعاليات أو لقاءات حزبية إلا بموافقة من الجهات الأمنية وتحت إشرافها.

الاستنفار الأمني الحوثي يزداد كل عام مع اقتراب ذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» (أ.ف.ب)

ومن المقرر، طبقاً للخطة، أن تُصدر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي بيانات وخطابات تستهدف الدعوات الشعبية إلى الاحتفال، وتُشرعن إجراءات القمع والاعتقالات بالتحذير مما تسميها «مخططات مدفوعة من الخارج» تهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار» و«شق الجبهة الداخلية».

وتنوي سلطات الجماعة فرض رقابة صارمة على قطاع التعليم والدوائر الحكومية، ومنع المدارس والجامعات من تنظيم أي فعاليات أو إذاعات مدرسية تحتفي بالثورة دون إشراف مباشر منها.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا الاستنفار الحوثي غير المسبوق يعكس «فوبيا» حقيقية لدى قيادة الجماعة من أي تحرك شعبي عفوي خارج عن سيطرتها.

ولم يعد «سبتمبر» مجرد ذكرى تاريخية بالنسبة إلى اليمنيين، بل تحول إلى أداة مقاومة مدنية وأسلوب احتجاج سلمي للتعبير عن الضيق من تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، والقبضة الأمنية الخانقة في مناطق سيطرة الجماعة.


حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)

تتجه حضرموت إلى دخول الاستحقاقات السياسية المقبلة برؤية تتجاوز المطالب الخدمية والتنموية، وتضع شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة في قلب مشاركتها في أي تسوية يمنية، إذ أقر المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الفيدرالية خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، مؤكداً أن المحافظة طرف أصيل في المعادلة الوطنية، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُحدَّد من دون مشاركة أبنائها.

ويأتي ذلك بينما تُستكمَل الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، في مسعى لإنتاج رؤية سياسية موحدة لمستقبل الجنوب ضمن مسار الحل الشامل في اليمن. وتمنح المواقف الحضرمية الجديدة المحافظة ورقة تفاوضية مبكرة، خصوصاً مع إصرارها على أن تكون مشاركتها في الحوار بوصفها طرفاً حضرمياً مستقلاً، لا مجرد امتداد لمكونات جنوبية أخرى.

وفي ختام أعماله بمدينة المكلا، اعتمد المؤتمر المشروع السياسي للمجلس، إلى جانب «الرؤية الحضرمية للحوار الجنوبي الشامل»، مرجعيتين لمواقفه وخياراته السياسية. كما شدَّد على رفض أي ترتيبات سياسية أو دستورية أو إدارية أو اقتصادية تخص حضرموت من دون مشاركة حضرمية فاعلة في صياغتها واتخاذ القرار بشأنها.

تأييد حضرمي لإجراءات مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين (إعلام محلي)

ولم يطرح المؤتمر «الفيدرالية» بوصفها صيغة نهائية مفروضة، بل بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش ضمن أي تسوية وطنية شاملة، مع ربطها بمنح حضرموت صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة.

ويرفض المجلس، وفق مخرجات المؤتمر، إعادة إنتاج أنماط المركزية السياسية والاقتصادية والإدارية، التي يرى أنها أسهمت في اختلال توزيع السلطة والثروة وأعاقت التنمية والاستقرار.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتثبيت قضية حضرموت على مسار موازٍ للنقاش الأوسع حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية، خصوصاً أن المؤتمر وصف المحافظة بأنها «قضية سياسية أصيلة ومشروع سياسي مستقل».

وطالب المشاركون بتمثيل عادل لحضرموت في المناصب السيادية والعليا ومؤسسات الدولة المركزية، مع مراجعة أوضاع التعيينات بما يحقق العدالة والتوازن. كما فوضوا قيادة المجلس بتشكيل الوفود الحضرمية المشاركة في الحوار الجنوبي وأي مفاوضات مستقبلية، على أساس التوافق وتنوع المكونات والكفاءة والخبرة.

وزكّى المؤتمر سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وفوضه باختيار هيئة الرئاسة وإعلانها خلال أسبوعين، إلى جانب توسيع دائرة الحوار والتشاور بما يضمن تمثيل مختلف القوى والأطياف السياسية والمجتمعية.

النفط في قلب المعادلة

لا تنفصل المطالب السياسية الحضرمية عن الملف الاقتصادي، إذ وضع المؤتمر ثروات حضرموت الطبيعية في صلب رؤيته لمستقبل المحافظة، معلناً أن مواردها حق أصيل لأبنائها وأساس لتنميتها واستقرارها.

وطالب المؤتمر بإدارة واستثمار النفط والغاز والمعادن وفق مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة والحوكمة، رافضاً استئناف تصدير النفط من حضرموت قبل ضمان حقوق المحافظة واستحقاقاتها، وفي مقدمتها حصتها البالغة 20 في المائة.

ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع الحضرمي في تأسيس المجلس التنسيقي (إعلام حكومي)

كما دعا إلى وضع آلية تنفيذية محددة زمنياً لتنفيذ ما ورد في بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، وفوض قيادة المجلس بمتابعة الملف مع الجهات المعنية.

ويكشف الجمع بين المطالب السياسية والاقتصادية عن رغبة حضرمية في تحويل قضية الموارد من ملف مالي محلي إلى أحد مرتكزات التفاوض على شكل العلاقة بين المحافظة والدولة، بما يربط إدارة الثروة بمستقبل توزيع السلطة.

الأمن... والعلاقة الإقليمية

في الجانب الأمني، وضع المؤتمر حماية حضرموت وسكانها وثرواتها ومنافذها ومؤسساتها في مقدمة الأولويات، داعياً إلى بناء وتأهيل وتدريب وتسليح مؤسسات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية تعمل وفق القانون.

كما أعلن رفض الإرهاب والتطرف والفوضى، وكل ما يهدد السلم الأهلي أو يستهدف المواطنين ومؤسسات الدولة والمصالح العامة.

وفي المقابل، حملت المخرجات رسالة واضحة بشأن علاقة حضرموت بالسعودية، إذ ثمّن المؤتمر العلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين الجانبين، ودعا إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن، والتنمية، والاستثمار، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية.

جانب من الحضور النسائي في أعمال المؤتمر الحضرمي (إعلام حكومي)

وأدان المشاركون هجمات الحوثيين والميليشيات الموالية لإيران على السعودية، معلنين تضامنهم معها، ورفض أي مساس بأمنها وسيادتها واستقرارها، وعادّين أن أمن المملكة جزء من أمن حضرموت واليمن واستقرارهما.

كما أيَّد المؤتمر القرارات والإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الحوثيين، مؤكداً دعمه كل ما من شأنه حماية الدولة والمواطنين، وصون الأمن والاستقرار.