علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

توددها إلى واشنطن أسفر عن التقارب بين موسكو وبكين وباكستان

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
TT

علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)

بعد اجتماع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الأخير في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، ادعى الجانب الروسي أن كلا الزعيمين اتفقا على ضرورة الالتزام بالإطار الأمني لعدم التكتل أو عدم الانحياز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وقال البيان الصادر عن وزارة الخارجية الهندية في هذا الشأن: «اتفق القادة على أهمية بناء عالم متعدد الأقطاب، وقررا تكثيف عمليات التشاور والتنسيق مع بعضهما البعض، بما في ذلك ما يتعلق بمنطقة الهند والمحيط الهادئ»، في إشارة مرجعية واضحة إلى الدور الصيني المتزايد في المجال البحري.
وفي حين استخدمت الهند مصطلحاً «هندياً» للإعراب عن المنطقة المعنية التي تفضلها واشنطن ونيودلهي في الآونة الأخيرة، فإن موسكو، بطبيعة الحال، لم تعتمد التسمية الجديدة، ولا تزال تستخدم المسمى القديم، وهو آسيا والمحيط الهادئ.
بادئ ذي بدء، أثار ارتباط الهند مع المجموعة الرباعية البحرية الدولية (الهند والولايات المتحدة الأميركية واليابان وأستراليا)، بغية احتواء الصين، ردود فعل سيئة في موسكو.
كانت زيارة مودي إلى منتج سوتشي الروسي هي القمة الثانية غير الرسمية له خلال شهر واحد، وذلك بعد اجتماع غير رسمي مع الرئيس الصيني في ووهان في أبريل (نيسان) الماضي. ومن المتوقع أن يعاود الزعيمان مودي وبوتين الاجتماع عدة مرات أخرى خلال العام الحالي. وفي ضوء السياسات غير الاعتيادية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن اجتماعات القمة غير الرسمية هذه تحاول إعادة ضبط شكل ونطاق التحولات الجيوسياسية العالمية سريعة التغير، التي ترغب الهند من خلالها في ضمان مكان أكيد لها.
يقول ناندان أونيكريشنان، الزميل الباحث في مؤسسة الرصد والأبحاث الهندية، «تبدو هذه الأنشطة الفعالة ملائمة تماماً لأسلوب الدبلوماسية الذاتية الذي يعتمد على شخصية رئيس الوزراء مودي، حيث يفضل التفاعل مع قادة العالم بصورة مباشرة بعيداً عن قيود البروتوكول والمسؤولين الدوليين، وأجندات الأعمال الرسمية وتداعياتها ونتائجها».
- العقوبات الاقتصادية الأميركية
من المثير للاهتمام، أن القمة غير الرسمية تزامنت مع تهديدات بأن تواجه الهند العقوبات الأميركية بسبب المشتريات الدفاعية من روسيا، بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة، الذي تحول إلى قانون ساري المفعول في أغسطس (آب) عام 2017 الماضي، ودخل حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي.
ويحتوي دفتر مشتريات الدفاع الهندية على 5 نظم صواريخ «إس – 400» الروسية، ويبلغ إجمالي الصفقة المبرمة نحو 6 مليارات دولار. ولقد طلبت الهند، بحسب ما ورد من تقارير، الإعفاء من القانون الأميركي الجديد غير أنها لم تتلق أي استجابة في هذا الشأن، برغم أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وجَّه النداء إلى الكونغرس الأميركي لمنح الهند الإعفاء المطلوب، وقال إن تجاهل الطلب الهندي في هذا الصدد قد ينعكس سلباً على الشراكة الهندية الأميركية القائمة. ومع ذلك، وفي غياب الإعفاء الأميركي، فلقد أوضحت نيودلهي بجلاء أن المشتريات الدفاعية الوطنية لن تمليها عليها واشنطن. ومن المثير للاهتمام كذلك ما كتبته كارا أبركرومبي الزميلة في برنامج مركز «كارنيغي» لجنوب آسيا، إذ قالت: «إن خُيِّرت الهند ما بين الجيش الوطني المسلح جيداً والقوي دائماً، وبين النوايا الأميركية الحسنة، فسوف تختار الجيش الوطني من دون شك».
وقال البروفسور سواران سينغ من جامعة «جواهر لال نهرو» الهندية: «تحتاج الهند إلى منظومة صواريخ (إس - 400) للدفاع الجوي لمجابهة التهديدات الجوية الناشئة. وعلى هذا الحال، وبعد التوقيع على صفقة (إس - 400) بين الهند وروسيا، سوف يبدأ تسليم المنظومة الجديدة في غضون 54 شهراً من تاريخ التوقيع. وتسعى الصين بالفعل للحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية نفسها».
- التحولات الجيوسياسية العالمية
وإلى جانب العقوبات الدفاعية، التقى مودي وبوتين في خضم التحولات الجيوسياسية القاسية، ومن بينها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، والحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين، والعلاقات الروسية المتوترة مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، التي تفاقمت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، والتي أدت إلى تقارب أكبر بين موسكو وبكين. لكن بوتين، من ناحية أخرى، كان من المؤيدين لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، كما أن بكين كثيراً ما يُشار إليها في موسكو على أنها «الحليف المقرب». ومع ذلك، كانت قمة مودي وبوتين غير الرسمية في سوتشي لها محفزاتها الثنائية أيضاً. فلقد أسفرت سياسة التودد الهندية إلى الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين عن التقارب الكبير ما بين موسكو وبكين وباكستان. ولقد تراجعت الواردات الدفاعية الهندية من روسيا بشكل كبير، وهي في انخفاض مستمر، مع اعتبار أن أغلب صفقات التسلح الهندية الأخيرة كانت مع البلدان الغربية.
وعلق الدبلوماسي الهندي السابق بهادرا كومار على الأمر قائلاً: «ظلت الهند وروسيا على شراكة قريبة منذ فترة طويلة، وتجمعهما رؤى مشتركة حيال العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل أزمة غرب آسيا، والصراع السوري، وإيران، وكوريا الشمالية، والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني. والسيناريو العالمي المتحول هو من أبرز أسباب التقارب الواضح بين هذه الدول في سعيها للوصول إلى توافق الآراء حول النظام الدولي القائم، الذي يلقى معارضة واضحة من جانب واشنطن».
شعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه الرئيس دونالد ترمب، أضاف حالة إلحاح هندي إلى رأب الصدع الكبير في علاقاتها مع كل من بكين وموسكو، الأمر الذي يفسر الموجة المشهودة الأخيرة من الزيارات رفيعة المستوى، فضلاً عن الزيارات غير الرسمية إلى منتجعات سوتشي الروسي ثم ووهان الصيني. ولقد شهد هذا وقوف الهند إلى جانب روسيا في مواجهتها الأخيرة مع الدول الغربية، أولاً في قضية الدعم الروسي المستمر للرئيس السوري بشار الأسد، لا سيما في قضية استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أبناء شعبه. إذ امتنعت نيودلهي عن تأييد قرار منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية، الذي يطالب بالأدلة الدامغة قبل توجيه اللوم ناحية أي جهة من الجهات المعنية.
- حالة التآلف المتزايدة بين موسكو وإسلام آباد
مع تفعيل نيودلهي لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، شرعت روسيا في تعميق تقاربها إزاء باكستان كإجراء مضاد. وفي عام 2016 عقد الجانبان أول مناورة عسكرية مشتركة على الرغم من الطلب الهندي بالتأجيل بسبب الهجمات الإرهابية في إقليم كشمير المتنازع عليه. وزودت موسكو، باكستان، بأربع مروحيات عسكرية من طراز «مي - 35»، خلافاً لممارستها السابقة، والتزامها بعدم تزويد باكستان بالمعدات العسكرية. كما تواصلت موسكو مع حركة طالبان الأفغانية المتمردة، ونظمت اجتماعات مقررة مع كل من الصين وباكستان حول الشأن الأفغاني، واقترحت كذلك عدم ممارسة الكثير من الضغوط على إسلام آباد في السياق الأفغاني. وأعربت الهند عن قلقها الواضح من حالة التقارب الروسي الباكستاني الأخيرة. وقالت الصحافية الهندية غيتا موهان في تعليقها على الأمر: «تتبع موسكو خطاً رسمياً يقضي بأن أي تقارب هندي تجاه الولايات المتحدة يلزمه تحرك روسي موازٍ إزاء باكستان. وفي حين أن الهند تدرك أن الصين لن تفضل الهند على حساب باكستان، فلقد حان الوقت كي تضمن الهند بقاء روسيا في جانبها. ولم تكن الهند متحمسة أو مؤيدة لحالة العزلة التي يحاول الغرب فرضها على روسيا لاعتقادها بأن ذلك يدفع موسكو إلى أحضان بكين، مما يثير السخرية الدولية من التعددية القطبية في قارة آسيا. كما أن هناك قضية أخرى مهمة ألا وهي ثقل الصوت الروسي في عدد كبير من المؤسسات العالمية».
وبصرف النظر تماماً عن طبيعة التحولات التي تشهدها القيادة الجيوسياسية العالمية، فإن خلاصة القول تفيد بأن اجتماعات القمة غير الرسمية بدأت لتستمر، وسوف تتواصل على المدى البعيد، ومن المرجح أن تمنح الهند أفضل الفرص في المحافظة على التوازن غير الثابت ما بين واشنطن، وبكين، وموسكو.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.