ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

قرار البرلمان بجعل القوانين الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع بين القبول والرفض

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟
TT

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

تشتعل في ليبيا.. عدة حروب.. فعلى الأرض قتال ومعارك بين ميليشيات من أجل النفوذ والقوة والسلطة، وفي قاعات السياسة، تشتعل حرب أخرى من أجل، الهوية، والدستور، والتشريعات والقوانين. فالبرلمان الليبي اتخذ خطوة جريئة ومثيرة للجدل الأسبوع الماضي، تنص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد في ليبيا.. وأنه يقع باطلا كل ما يخالف أحكامها من التشريعات.. وكل مؤسسات الدولة ملزمة بذلك». وأثارت هذه الخطوة جدلا كبيرا بين القبول والرفض.. وسيعزز القرار، بقوة، التأثير على قوانين البلاد خاصة المصرفية التي بدأ العمل الفعلي لتعديل طريقة تعاملها بالفوائد. يقول منتقدو القرار، هذا عمل باطل، ولا يجوز للبرلمان أن يقرره. ومحاولة من البرلمان لمصادرة أعمال هيئة صياغة الدستور التي ستنتخب الشهر المقبل. لكن الشيخ بشير الكبتي، المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، قال إن «الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الليبيون هو المرجعية الشرعية للقوانين.. فهي ليست محل خلاف». وبات التساؤل الآن أيهما أولا.. أحكام الشريعة.. أم الدستور؟

يقول إبراهيم عميش رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البرلمان يتخذ قرارات مطعونا فيها.. وهذا لا يجوز دستوريا». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة، ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
إبراهيم صهد، عضو البرلمان الليبي، دافع عن القرار، وشدد على أنه جاء ليعيد التأكيد على أن «أي تشريع أو قانون مخالف للشريعة الإسلامية لن يكون قانونيا ولا دستوريا». وردا على اتهامات للبرلمان بأنه اتخذ قراره بشأن الشريعة لاسترضاء جماعات متشددة ومسلحة، قال صهد لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك من يطالب بالشريعة ونحن نقول لهم إن هذا الأمر موجود في الإعلان الدستوري ونحن (بالقرار الذي صدر أخيرا) نؤكد عليه».
ويلاحظ قطاع من المراقبين داخل ليبيا وخارجها أن جماعة الإخوان يبدو أنها تهيمن على توجهات وقرارات البرلمان، رغم أنها لا تملك الأغلبية المطلقة فيه. ويشير أحد النواب المستقلين إلى أن هناك الكثير من المؤشرات عن تحالف الجماعة مع نواب من تيارات إسلامية توصف بالمتشددة. ويقول أحد المحللين الأميركيين ممن زاروا طرابلس وبنغازي أخيرا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا يحدث بالفعل رغم ضعف قدرات البرلمان في مواجهة الصراعات المسلحة الحالية هناك».
وعاد البرلمان للواجهة مجددا بإصداره قرارا ينص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في ليبيا»، وما تضمنه من تفاصيل أخرى يشدد من خلالها على أن كل القوانين والتشريعات التي تخالف أحكام الشريعة ستكون باطلة، كما ألزم جميع مؤسسات الدولة بتطبيق هذا الأمر. والغريب في الأمر أن الجماعات المتشددة في ليبيا لم يعجبها قرار البرلمان، وأعلنت جماعة أنصار الشريعة أن الحكومة والتمثيل النيابي والديمقراطية «كفر».
ومع ذلك قالت مصادر مصرفية وسياسية ليبية، إن «موضوع تطبيق الشريعة يجري الضغط لإنفاذه والعمل به من أجل إرضاء بعض التيارات المتشددة، وبتواطؤ من بعض الكتل السياسية في البرلمان، وبصمت حكومي»، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات بدأت بالفعل من خلال مطالبة البنوك بوضع مراجعات لأعمالها المصرفية وإلغاء نظام الفوائد المعمول به في دول العالم لكن لم يستقر الرأي على النظام الجديد، بسبب خلافات في الرؤى والتفسير في هذا الشأن، لدى عدد من المتشددين.
ويترأس عميش الحزب الذي مر عليه غالبية القيادات الجديدة في ليبيا منذ أسسه في الثمانينات في المنفى وزير الخارجية منصور الكيخيا الذي اختطف من القاهرة في التسعينات وعثر على جثته في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي. كما يعد عميش أحد المرشحين لعضوية الهيئة التأسيسية لصياغة دستور البلاد، وهي هيئة ستتكون من 60 عضوا منتخبين بشكل مباشر من الشعب خلال الشهر المقبل.
وقال عميش تعليقا على قرار البرلمان العمل بالشريعة الإسلامية، وعن سبب صدوره في هذا التوقيت: «دستوريا لا يجوز». كما اتهم البرلمان بأنه «يتخذ قرارات مطعونا فيها». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
وأوضح أنه لا يجوز للبرلمان أن يقيد أعمال الهيئة التأسيسية للدستور، ولا أن يتدخل في صياغة الدستور ولا في صياغة أي مادة.. «هذا لا يجوز، لا شرعا، ولا قانونا، ولا عرفا. أعتقد أن القرار اتخذ من أجل محاولة إرضاء الجماعات المتطرفة».
وعن قول أعضاء في المؤتمر بأن قرار الشريعة جاء مجرد «تحصيل حاصل، لأن الشريعة الإسلامية منصوص عليها في الإعلان الدستوري»، رد عميش قائلا، إنه «حتى بالنسبة للإعلان الدستوري، لا ينبغي على أي جهة أن تتحكم في أعمال الهيئة التأسيسية للدستور المقبل، ولا تتدخل في أعمالها، ولا يسيطر عليها المؤتمر الوطني أو أن يحاول توجيهها».
وطرح عميش سؤالا لمح من خلاله إلى وجود ما اعتبره توجهات من البعض في البرلمان لتحقيق مصالح سياسية آنية ووقتية. وقال: «أريد أن أسأل سؤالا، لماذا لم يكتب في القرار (الذي صدر بشأن الشريعة الإسلامية) أن ليبيا دولة عربية أيضا». وأجاب قائلا: «لا يستطيع البرلمان أن يفعل هذا لأنه يخشى من الأمازيغ وغير الأمازيغ. هو، بقرار الشريعة، يعكس خوفه من الإسلاميين، ويريد أن يطمئنهم بأن هذا الأمر سيجري فرضه مقابل أن يبتعدوا هم قليلا عن الواجهة.. يبدو ذلك».
ويشار للإسلاميين المتشددين، وبعض الشخصيات الإخوانية، وجماعات من المسلحين الآخرين، بأنهم وقفوا أمام البرلمان لأيام للضغط عليه من أجل إصدار قانون العزل السياسي، في مايو (أيار) الماضي، ما أدى لإبعاد شخصيات سياسية مدنية، أشهرهم محمود جبريل. وأدى خروج جبريل من اللعبة السياسية، ظاهريا على الأقل، لإضعاف رئيس الحكومة الحالي علي زيدان، الذي جاء تعيينه على رأس السلطة التنفيذية العام الماضي بـ«اتفاق مضمر» بين جبهة جبريل وقطاع من الإسلاميين في البرلمان.
ويقول عميش، إنه «حتى الرغبة في إرضاء المتشددين المشتبه في صلتهم بتنظيم القاعدة لم تتحقق». ويضيف موضحا: «الإسلاميون أصدروا بيانا يعبرون فيه عن عدم رضاهم عن النص الذي ورد في قرار المؤتمر الوطني العام». وعن السبب من وجهة نظره أجاب أن الإسلاميين «خاصة الموالين لـ(القاعدة) ممن يطلقون على أنفسهم (أنصار الشريعة)، قالوا إن هذا لا يرضينا وأن هذا ليس المطلوب»، مشيرا إلى أن هؤلاء الإسلاميين «كانوا يريدون النص في القرار على أن الشريعة الإسلامية مصدر وحيد للتشريع في ليبيا».
وعما إذا كان قرار البرلمان يمكن أن يؤثر على أعمال الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، قال عميش، إن «هذا لن يؤثر، خصوصا لو كان في اللجنة أناس جيدون.. هنا أعتقد أنهم سوف يرفضون هذا الأمر، وسيرفضون أيضا قانون الانتخابات.. سيتم إلغاء بعض المواد منه. المؤتمر العام لا ينبغي عليه أن يسيطر على أعمال الهيئة التأسيسية، ودستوريا هذا لا يجب».
ولم تتمكن ليبيا من تحقيق استقرار يذكر منذ بداية أحداث ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 حتى الآن، بسبب الفشل في تفكيك الكتائب والميليشيات المسلحة، وعدم قدرة الجيش والشرطة على مواجهة تلك الجماعات المتباينة في توجهاتها. لكن الكثير من المحللين يقولون، إن «الخطر يأتي من المسلحين الموالين لتنظيمات متشددة نفذت عمليات في عدة مدن منذ قتل السفير الأميركي وثلاثة من رفاقه في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، حتى سلسلة التفجيرات التي تشهدها مدن بنغازي ودرنة وطرابلس وغيرها».
ومع ذلك يتخوف البعض من أن يستغل أعضاء البرلمان، ومن بينهم إسلاميون أيضا، هذه الأرضية الخطرة لفرض سطوتهم على نظام الحكم في ليبيا خلال الأشهر المقبلة، كما لمح عميش، الذي قال، إن «البرلمان يبدو أنه يريد أن يخفف من حدة أعمال القتل الرهيبة التي تمر بها ليبيا»، وأضاف: «ومع ذلك أعود وأقول إن المؤتمر الوطني لم يكن يجوز له إصدار مثل ذلك القرار. كما أن أطرافا في المؤتمر أصدروا تعليماتهم للمفوضية العليا للانتخابات لعمل استطلاع رأي عام حول شكل نظام الحكم واللغة الرسمية للدولة».
ولا يوجد تفسير لدى عدد من السياسيين الليبيين لتدخل البرلمان في مثل هذه الأمور.. «هذا لا يجوز للمؤتمر الوطني. هذه مهمة الهيئة التأسيسية لعمل الدستور فيما بعد». كما يقول عميش.. والذي أضاف موضحا أن «البعض يقول إن هذه الإجراءات مجرد استئناس.. أي استئناس هذا الذي تقوم به اليوم، لتفرضه غدا؟ الكثير من أعضاء المؤتمر يحاولون فرض أنفسهم على مثل هذه الأمور لأنهم يخشون من أن تكون الهيئة التأسيسية للدستور، بعد انتخابها، بديلا لهم بالكامل».
ومن جانبه رفض الشيخ بشير الكبتي، مسؤول «الإخوان» في البلاد، التهم الموجهة للجماعة خاصة بشأن استفادتها من قرار البرلمان أو تعاونها مع تنظيم القاعدة أو المتشددين الآخرين. وطرحت «الشرق الأوسط» ما يتردد في الأوساط الليبية بخصوص قرار البرلمان، على الشيخ الكبتي، وهي أن البعض يرى أن القوانين والتشريعات القائمة في ليبيا سيتم تعديلها لتكون وفقا للشريعة الإسلامية، وأن قطاعا آخر يرى أن هذا الأمر مذكور في الإعلان الدستوري، وبالتالي كان يجب الانتظار إلى حين صياغة دستور دائم للبلاد، وأن جانبا ثالثا يرى أن القرار جاء بضغوط من متشددين إسلاميين.
ورد المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا على هذه الآراء بقوله: «بصرف النظر عن تعددها، والتي قد تكون صحيحة، لكن الشيء الذي يوجد عليه اتفاق بين الليبيين أن قضية المرجعية الشرعية للقوانين ليست محل اختلاف لدينا. يوجد اتفاق عليها سواء وردت في دستور أو في قانون من المؤتمر الوطني العام. هذا لا يمثل إشكالية لدينا والحمد لله».
لكن هل يمكن أن يؤدي هذا إلى تعديل قوانين قائمة، بالفعل؟ هنا أجاب الشيخ الكبتي عن السؤال موضحا أن «السيد وزير العدل أصدر قرارا بتشكيل لجنة، من قبل، على أساس أن تراجع كل القوانين وينظر في مدى بعدها أو قربها من الشريعة الإسلامية. والحمد لله رب العالمين، أن الشريعة الإسلامية فيها سعة لكثرة مذاهبها. وأصلا القوانين الليبية في معظمها ليس فيها الإشكالية الكبيرة التي قد تحتاج إلى نوع من الحراك الكبير لتغييرها، لكن يوجد توافق.. جهود الحكومة وجهود المؤتمر الوطني، إضافة لجهود مؤسسات المجتمع المدني، كلها تسير في (هذا) الاتجاه».
هل مثلا سيتم إلغاء مسألة الإقراض بالفوائد، التي يعدها بعض الإسلاميين ربا؟ يجيب الشيخ الكبتي: «موضوع المصارف صدر فيها قانون، وهو الآن في محل التطبيق على أساس إلغاء الفوائد الربوية، وأن المصارف تتجه لتعديل أعمالها حسب الشريعة سواء في المضاربة أو المرابحة أو أي صور أخرى يمكن ألا تتعارض مع الشريعة». وقال: «نحن في ليبيا نسير في هذا الاتجاه، وأعتقد أن هناك قوانين صدرت في هذا الأمر. وأعتقد أنه مع بداية السنة القادمة لا بد أن تكون جميع المصارف في ليبيا تعمل وفقا للشريعة الإسلامية».
وعن اتهام أحد قادة جماعة الجهاد في مصر لجماعة الإخوان في ليبيا بأنها تتعاون مع تنظيم القاعدة في ليبيا، قال الشيخ الكبتي: «نحن، كـ(إخوان)، ننفي هذا.. ومن باب أن أهل مكة أدرى بشعابها، فنحن لا نعرف أن هناك تنظيم قاعدة له جهد أو عمل (في ليبيا).. توجد بعض المجموعات لها عمل في (مدينة) درنة وبعضها له توجه تكفيري أو توجه جهادي، لكن بمعنى التنظيم (الموالي للقاعدة) فهذا ليس عندنا في ليبيا حتى نتعاون معه. فليس لنا أي تعاون مع هؤلاء إن وجدوا، وهو كلام غير صحيح».
كما نفى المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا ما تردد عن وجود تعاون مع بعض الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى والمتهمة بممارسة الإرهاب في البلاد، قائلا، إن «هذا غير صحيح أيضا. نحن ليس لدينا إرهاب في ليبيا. يوجد فقط اغتيالات».
ووجه الكبتي اللوم للحكومة بشأن استمرار أعمال الاغتيالات في البلاد، وقال: «نحن دائما نلوم الحكومة التي تقول دائما إنها وضعت يدها على المنفذ الحقيقي، ولكن لم يكن هناك شفافية من جانبها في أن تعلن من هم هؤلاء ولم يكن لها دور في قضية كبح جماح هؤلاء المجرمين. هذا في الحقيقة تقصير واضح من الحكومة، ووزارة الداخلية بالذات، في القضاء على مثل هذه الظواهر، سواء في مدينة بنغازي أو في مدينة درنة أو غيرهما».
وفي رده على ما يتحدث به بعض المحللين من أن جماعة الإخوان تضغط من أجل إقالة حكومة زيدان، قال الكبتي: «نحن، كجماعة الإخوان في ليبيا، لنا وضعية تختلف عن الوضع في مصر. نحن معتمدين كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي نطالب منذ فترة بأن يكون مستوى أداء الحكومة هو الذي يحكم على بقائها من عدمه»، مشيرا إلى أن «كثيرا من الشرائح في المجتمع تظاهروا لأن الحكومة، بدلا من أن تكون جزءا من الحل، أصبحت جزءا من المشكلة، لأنها لم تقم بدورها كما يجب على الأقل في الجانب الأمني، في الحد الأدنى».
ولم تتوقف أعمال القتل والتفجيرات رغم إصدار البرلمان لقراره بشأن الشريعة. ووصل عدد القتلى من جراء أعمال العنف في بنغازي وحدها إلى أكثر من مائة شخص خلال الأشهر الأخيرة، وعطلت جماعات أخرى عملية تصدير النفط والغاز، ما كلف الدولة خسائر وصلت إلى نحو سبعة مليارات دولار. ولا يثق كثير من الليبيين في قدرة أي تشريعات على كبح جماح العنف. ويرى البعض أن الدولة تحتاج إلى حوار جدي وواقعي بعيدا عن لغة السلاح والتخوين والتوجس. لكن يظل الهاجس الأمني في الواجهة.
وقال الكبتي، إن «معظم أعمال القتل في بنغازي تقيد (في التحقيقات) ضد مجهول، إعلاميا على الأقل. وإلى الآن ليس لدينا وزير داخلية، والقائم بعمل وزارة الداخلية هو نائب رئيس الوزراء.. هذه إشكالية»، لافتا إلى وجود 18 ألف شرطي في بنغازي «تصرف لهم رواتب شهرية لكن لا يأتون لممارسة عملهم، ولتأدية دورهم.. الحقيقة مثل هذه الأشياء لم تعد سرا اليوم.. الشعب الليبي يتحدث عنها، ويرى أن الحكومة عاجزة بل مساهمة في هذا التدهور الأمني الحالي».
ويشير الشيخ بشير الكبتي إلى أحد مظاهر الفوضى، قائلا: «أنت ترى الآن.. لدينا موانئ نفطية وغاز يغلقها حاليا مجموعة من الشباب، وهذه إشكالية لأن الحكومة لم تحرك ساكنا والليبيون يخسرون كل يوم وكل شهر ملايين بل مليارات الدولارات.. من هذا الباب قيمت الحكومة، ومن هذا الباب طلب تغييرها، وهي مسؤولية المؤتمر الوطني وهو المسؤول عن هذا الجهاز التنفيذي الفاشل».
وعلى صعيد جماعات المتشددين الإسلاميين، لا توجد إجابات قاطعة بشأن موالاة البعض منها لتنظيم القاعدة. وتقول جماعة أنصار الشريعة في بنغازي، على لسان قائدها محمد الزهاوي، إنهم «لا علاقة لهم بالقاعدة ولا بعمليات الاغتيالات»، مضيفا في لقاء تلفزيوني إن «جماعته تطالب فقط بدولة إسلامية تحكمها الشريعة». لكن قياديا آخر في الجماعة، يدعى محمود البرعصي، قال لقناة «ليبيا الأحرار» إن «تنظيم القاعدة هو قدوة الجماعة، وأنه لا يعترف بالبرلمان ولا بالحكومة لأنها كافرة ولا بالديمقراطية لأنها كفر».
وبعد إصدار البرلمان لقرار تطبيق الشريعة أصدرت اللجنة الشرعية لجماعة أنصار الشريعة بيانا اعتبرت فيه أن الغاية من قرار البرلمان «الالتفاف على مطالب من ينادون بحاكمية الشريعة الإسلامية»، وطالبت بإقامة «المحاكم الشرعية» و «القصاص ممن أجرم في حق المسلمين في ليبيا قبل الثورة وبعدها» و«الالتزام بأحكام الشريعة في جميع مناحي الحياة»، رافضة «المبادئ التي تتعارض مع الإسلام وعلى رأسها الديمقراطية».
ومن جانبها تقول الحكومة إنها تحاول التغلب على التركة الثقيلة التي تسلمتها، وإنه من الصعب الضغط على زر لإخفاء الميليشيات المسلحة أو القضاء على المتشددين بين يوم وليلة، وهي، وفقا لأحد الوزراء المقربين من زيدان، تحتاج لوقت، وإن الإطاحة بها أو تغييرها في هذا التوقيت يمكن أن يتسبب في حالة فراغ سياسي في البلاد. وفي تعليقه على قرار البرلمان بخصوص الشريعة قال الوزير طالبا عدم ذكر اسمه: «فلننتظر ونر.. نحن مع أي قرار يخفف حدة الاحتقان، ولو مرحليا». ومن جانبه رفض النائب إبراهيم صهد، الذي يشغل أيضا عضوية حزب الجبهة الوطنية اللغط الدائر حول قرار البرلمان بخصوص الشريعة الإسلامية واصفا إياه بأنه مجرد «تحصيل حاصل» لأن النص على الشريعة موجود في الإعلان الدستوري، حسب قوله، مشيرا إلى أن «هذا القرار جاء تأكيدا للإعلان الدستوري الحالي».
حسنا.. طالما هو موجود في الإعلان الدستوري، فلماذا قام المؤتمر الوطني باتخاذ قرار بهذا الشأن؟ يجيب صهد قائلا، إن «هذا لأنه ما زال هناك أناس يطالبون بموضوع الشريعة، ونحن نقول للجميع إن هذا موجود في الإعلان الدستوري، ونحن نؤكد عليه وننوه به، وإن أي قانون مخالف للشريعة لن يكون دستوريا ولن يكون قانونيا».
وفي سؤال بشأن الموقف من القوانين القائمة بالفعل، خصوصا القوانين التي تتعلق بالمعاملات المالية، قال صهد إنه «لا يريد أن يتطرق لهذه التفاصيل في هذا الوقت، لأن باقي التفسيرات توجد لها لجان متخصصة في هذا الأمر». وعما إذا كان يخشى أن يؤدي هذا القرار إلى التأثير على الاستقرار وعلى نظرة المجتمع الدولي للوضع في البلاد، أوضح قائلا: «بالعكس المجتمع الدولي يحترم ليبيا ويحترم نواب الشعب في ليبيا».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.