ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

انتقل من اليسار إلى أقصى اليمين... ومن الإقليمية إلى العداء لأوروبا والإسلام والمهاجرين

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف
TT

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

«اليورو جريمة ضد الإنسانية»... قد يكفي هذا القول على لسان زعيم «الرابطة» («رابطة الشمال» سابقاً) ماتّيو سالفيني لإعطاء فكرة عن المعتقد السياسي والخطاب الصدامي للنجم الصاعد في المشهد اليميني الإيطالي، والرجل الذي يتأهب لتولّي حقيبة الداخلية في الحكومة الائتلافية الجديدة التي كان أبرز الذين وضعوا برنامجها ويقرّرون توزيع حقائبها. لكن شخصية هذا الشاب، الذي نسف المعادلات الدقيقة التي قامت عليها التوازنات السياسية التقليدية في إيطاليا منذ سبعة عقود، وأطلق صفّارات الإنذار في المحيط الأوروبي المتوجّس من عودة أشباح الماضي، أكثر تعقيداً من ذلك وأبعد تأثيراً مما يتبدّى للوهلة الأولى.
أبصر ماتيو سالفيني النور في مدينة ميلانو، عاصمة الشمال الإيطالي، عام 1973. في كنف عائلة ميسورة بعيدة عن الشواغل السياسية، التي سرعان ما جذبت اهتمام ماتّيو منذ مرحلة دراسته الثانوية. وعند التحاقه بكلية العلوم التاريخية في جامعة ميلانو كان قد برز كواحد من قادة حركة الشباب الشيوعي، عندما كان الحزب الشيوعي الإيطالي بزعامة انريكو برلينغوير أهم الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية وأبعدها عن تأثير الاتحاد السوفياتي.
بيد أن سالفيني لم يكمل دراسته الجامعية - على غرار لويجي دي مايو (أيار) زعيم حركة «النجوم الخمس» حليفة «الرابطة» في الحكومة الجديدة -، وتفرّغ للعمل السياسي إذ ترشّح للمرة الأولى في الانتخابات المحلية وفاز بعضوية المجلس البلدي لمدينة ميلانو عام 1993.
- من اليسار إلى اليمين
في العام 1997 كان ماتيو سالفيني ما يزال شيوعي الهوى عندما ترشّح للانتخابات عن حركة الشباب الشيوعي في بادانيا، وهو الاسم الذي يُطلق على مقاطعات الشمال الإيطالي التي كان يطالب باستقلالها حزب «رابطة الشمال» الذي أسسه قبل سنوات اومبرتو بوسّي. ومنذ ذلك التاريخ راح مسار سالفيني السياسي ينعطف نحو المطالب القومية ضد الحكم المركزي في روما ودفاعاً عن الهوية والصلاحيات المحلية، نافضاً عنه شعارات المجتمع الاشتراكي والتضامن والعدالة الاجتماعية.
لكن سالفيني لم يكتفِ بذلك الانعطاف، بل أصبح زعيماً للتيّار اليميني في «رابطة الشمال» التي - رغم تشدّدها في المطالبة بالاستقلال - كانت تنهج سياسة معتدلة إزاء الملفات الاجتماعية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ذلك التحوّل اللافت في مسار سالفيني داخل «رابطة الشمال»، الذي لم يتوقف عنده المراقبون حينذاك، أصبح موضع اهتمام وبحث في خلفياته ودوافعه بعد بروزه في صدارة المشهد السياسي محليّاً وإقليميّاً. وثمّة مراقبون يذهبون اليوم ناحية الإشارة إلى وجود «قوى خارجية» تدعم التوجّه الذي يقوده في إيطاليا، تلميحاً إلى موسكو والقوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة.
- في البرلمان الأوروبي
في العام 2004 فاز سالفيني بمقعد في البرلمان الأوروبي عن «رابطة الشمال»، وراح يتنقل من كتلة إلى أخرى... دائماً على أقصى يمين المشهد السياسي، إلى أن توثّقت علاقته بمارين لوبان زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي وخيرت فيلدرز زعيم «حزب الحرية» الهولندي المتطرف. ومع لوبان وفيلدرز شكّل سالفيني كتلة «أوروبا الأمم والحرية» عام 2014. ونشط في عدد من لجان العلاقات البرلمانية الخارجية مع الهند وكوريا وتشيلي وجنوب أفريقيا.
غير أن المنعطف الأهمّ في مسار سالفيني حتى الآن كان في العام 2013، خلال المؤتمر الفيدرالي لـ«رابطة الشمال» عندما تمكّن من استقطاب تأييد معظم القياديين التاريخيين وتغلّب على مؤسس «الرابطة» أومبرتو بوسّي الذي كان يرزح تحت وزر فضائح فساد مالي طالت عددا من أفراد أسرته وأقرب معاونيه. ولقد نال سالفيني، الذي كان أنصاره يطلقون عليه لقب «القبطان» 82 في المائة من أصوات المندوبين... وراح يقود رحلة الانحراف الكبير في مواقف «الرابطة» من الملفات الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والهجرة والسياسة المالية والتجارية.
وبعد بضعة أشهر فقط من تولّيه زعامة «الرابطة» أسقط مصطلح «الشمال» من اسمها واستعاض عن شعار «استقلال بادانيا» بشعار «الخروج من منطقة اليورو». ورغم الانتكاسة التي مُنيت بها «الرابطة» في انتخابات العام 2014، والمعارضة الشديدة داخل الحزب لسياسته الأوروبية، أصرّ سالفيني على نهجه وقرر توسيع حضور حزبه إلى مقاطعات وسط إيطاليا وجنوبها حيث كانت تتفاعل أزمة المهاجرين الذين يتدفقون بمئات الآلاف على المناطق الإيطالية التي تجاوزت نسبة البطالة فيها بين الشباب 50 في المائة. وحقاً نجح خطاب سالفيني المتطرف والعدائي في استقطاب تأييد واسع في المناطق التي كانت محظورة علـى «الرابطة» في السابق... بل كانت في مرمى سهام انتقاداتها.
- من الانعزالية إلى التطرف
ومع ارتفاع شعبية «الرابطة» خارج المقاطعات الشمالية، بفعل المنحى السياسي الجديد وخطاب «القبطان» الملهِب، قرر ماتيو سالفيني تأسيس فرعين للحزب في إيطاليا الوسطى والجنوبية. وفي أول استحقاق انتخابي إقليمي بعد التوسّع تقدمّت «الرابطة» للمرة الأولى على حزب «فورتسا إيطاليا» اليميني بقيادة رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلوسكوني لتدخل زعامة اليمين ضمن دائرة طموحاته التي كان يمهّد لها منذ سنوات.
وفي فبراير (شباط) 2015 قاد سالفيني مظاهرة حاشدة في روما ضد الهجرة واحتجاجاً على سياسة الحكومة لمعالجتها ورفض البلدان الأوروبية الأخرى مساعدة إيطاليا على احتوائها. وبلغت حدّة خطابه درجة الانتقاد المباشر لمواقف البابا فرنسيس من قضية المهاجرين ودعواته إلى التضامن معهم ومساعدتهم في محنتهم.
لم يكترث سالفيني للمعارضة في صفوف حزبه، ولا للتحذيرات المتكررة التي وُجهت إليه من الداخل والخارج، واستمرّ في تصعيد خطابه ومواقفه من الهجرة التي كانت تداعياتها تتفاقم بسرعة، ومن الشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السياسات المالية وقوانين العمل في البلدان الأعضاء. ولعله أدرك جيّدا أن المواقف الشعبوية ذات النفس العنصري هي السبيل الذي يضمن له المزيد من التأييد ويرسّخ وجوده على امتداد الجغرافيا الإيطالية. بل هي الباب إلى موقع القيادة في الأوساط اليمينية التي بدأت منذ فترة رحلة البحث الطويلة عن خلف للملياردير العجوز برلوسكوني.
وحقاً، لم يتأخر سالفيني في قطف ثمار رهانه عندما جاءت الانتخابات العامة الأخيرة يوم 4 مارس (آذار) الماضي حين حققت «الرابطة» انتصاراً كبيراً، متقدمة على حليفها برلوسكوني لتصبح القوة السياسية الثالثة في إيطاليا بعد حركة «النجوم الخمس» الشعبوية الاعتراضية والحزب الديمقراطي (يسار الوسط).
ومن ثم، في أعقاب فشل محاولات رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلاّ في إقناع الحزب الديمقراطي بالتحالف مع الحركة الشعبوية لتشكيل حكومة ائتلافية، سارع سالفيني إلى اقتناص الفرصة الأخيرة - التي يرجح أنه كان ينتظرها - وطلب من ماتّاريلاّ إمهاله بضعة أيام لمحاولة التوصل إلى تفاهم مع «النجوم الخمس»، مدركاً أن الرئيس يعجز عن رفض طلبه وطرح تشكيلته الوزارية التكنوقراطية، لأن لدى الرابطة والحركة معاً الغالبية الكافية في مجلسي النواب والشيوخ لإسقاط الحكومة.
- مفاوضات عسيرة
لم تكن سهلة المفاوضات الطويلة بين الرابطة والحركة لوضع برنامج مشترك تتشكّل الحكومة على أساسه، نظرا للتباين الكبير بين طروحات الفريقين ومواقفهما من الملفات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن ماتيو سالفيني كان متأكداً من أن هذه الفرصة الذهبية قد لا تتكرّر في القريب المنظور لكثرة تقلبات المشهد السياسي الإيطالي وزئبقيته الموصوفة. ويقول مراقبون تابعوا تلك المفاوضات عن كثب بأنها كانت «محكّ الاختبار» لزعيم الرابطة الذي برع في توجيه دفّتها لمصلحته مقابل التخلّي عن تعيين الرئيس للحركة التي نالت ضعفي الأصوات التي حصلت عليها الرابطة.
المواقف التي بنى عليها سالفيني نهجه السياسي محدودة من حيث كونها محصورة في القضايا المعيشية الملموسة، ومباشِرة مبسّطة في طروحات يستوعبها المواطن ويتفاعل معها بسهولة وعفويّة. أما خطابه السياسي فلا مواربة فيه ولا توري. فهو يستنهض الغرائز ويبتعد عن بهلوانيات السياسة الإيطالية واجترار لغتها الخشبية. خطاب يتماهى إلى حد بعيد مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما يدعو إلى أسبقية المصالح الإيطالية على أي اعتبار آخر، بما في ذلك المعاهدات المُبرمة والالتزامات المعقودة مع الأطراف الإقليمية والدولية، أو عندما يتعهد خفض الضرائب واعتماد تدابير حمائية في التجارة، أو رفض الاعتراف بزواج المثليين والطرد الفوري للمهاجرين غير الشرعيين الذين ينوف عددهم عن نصف مليون في إيطاليا. والحقيقة أن سالفيني لم يتردد في إعلان تأييده للمرشح ترمب منذ بداية حملته الانتخابية. وهو يجري اتصالات منتظمة بالمستشار السابق للرئيس الأميركي ستيف بانون، الذي يجهر بمعتقداته اليمينية المتطرفة، والذي سبق له أن أعلن تأييده للقوى المماثلة في أوروبا. كذلك يرفض زعيم «الرابطة» العقوبات التجارية المفروضة على روسيا، ويدعو إلى توثيق العلاقات معها على كل المستويات، والانفتاح على بلدان أوروبا الشرقية والشرق الأقصى، بما فيها كوريا الشمالية!
- العداء للمسلمين
أما بالنسبة إلى موضوع وجود المسلمين في أوروبا، فإن مواقف ماتيو سالفيني لا تقلّ وضوحاً وتطرّفاً عن مواقفه من القضايا الأخرى. فهو يدعو صراحة إلى حظر بناء المساجد في إيطاليا، لا بل يدعو إلى هدم بعضها، ويعتبر «... أن لا مجال للتوفيق بين التشريعات المدنية الإيطالية وأحكام الشريعة الإسلامية». ويدعو أيضاً إلى «... إعادة النظر في صيغة التعايش مع المعتقدات الدينية الأخرى في المجتمع الإيطالي»... وهو يرفض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أو حتى فكرة التقارب معها، ويطالب بحق النقض لأي دولة أوروبية قبل إبرام أي معاهدة مع دولة خارج الاتحاد، ويحذّر من «... المخاطر التي تتهدد الأمة جراء التمازج العرقي»، ويدافع بلا مواربة عن «نقاء الأمة غير الملوّثة».
ومن ثم، تبلغ مواقف سالفيني ذروة تطرفها عندما يتعلق الأمر بالعملة الأوروبية الموّحدة والشروط التي تفرضها المفوضية على السياسات المالية في الدول الأعضاء والعقوبات التي تتخذ في حال عدم استيفائها. فهو يعتبر اليورو «عملة فاشلة وخاطئة وتجربة مدمرة»، ويرفض التخلّي عن كامل الصلاحيات الوطنية في إدارة الملفات السيادية كالدفاع والأمن والسياسة الخارجية.
زعيم «الرابطة» الذي يتأهب في إيطاليا لتنفيذ برنامج حكومي أثار حفيظة الشركاء الأوروبيين واستدعى سيلاً من التحذيرات في بروكسل (العاصمة الأوروبية)، يعرف أيضاً كيف ينحني أمام العاصفة ويطمئن المتوجّسين من هذه التجربة الأولى في الاتحاد الأوروبي التي يصعد فيها المتطرفون والشعبويّون إلى سدة الحكم على أنقاض الأحزاب التقليدية المتهاوية. وتتراجع حدة خطابه مع الاهتزازات المتتالية في أسواق المال القلقة من التكاليف الباهظة لبنود البرنامج الاقتصادي التي قد تُغرق منطقة اليورو في أزمة جديدة، ويتعهد التزام الواقعية عند الإقدام على الخطوات العملية.
إلا أن الوجه الحقيقي لمشروع سالفيني لن يُكشف قبل أن تبدأ الحكومة الجديدة مهامها في الأسابيع المقبلة، عندما يبدأ بمعالجة ملفّ الهجرة وتتضحّ معالم السياسة الاقتصادية والمالية التي تقاربت مواقف الحليفين الائتلافيين حولها بشكل لافت في الفترة الأخيرة. ذلك أن التصريحات الهادئة التي حرص «القبطان» وزعيم الحركة على تكرارها في الآونة لم تقنع أحداً، لا سيما أن كليهما مصرّ على تسليم حقيبة المالية إلى باولو سافونا الذي يُعدّ ألدّ أعداء العملة الأوروبية الموحّدة التي وصفها في آخر كتاب له نزل إلى الأسواق منذ أيام، بأنها «قفص ألماني لا بد من وضع خطة بديلة للخروج منه عند الحاجة». وأردف «إن انضمام إيطاليا إلى منطقة اليورو خطأ تاريخي... لأن برلين لم تتخلَّ عن رؤيتها لدورها في أوروبا بعد سقوط النازية، بل عمدت إلى فرضها بالاقتصاد بدل القوة العسكرية».
- «الرابطة»... حكاية تحوّل من الانفصالية إلى الشعبوية المتطرفة
> أسس حزب «رابطة الشمال» اليميني المتطرف على يد أومبرتو بوسّي عام 1991 كاتحاد يضمّ مجموعة من الأحزاب الصغيرة في المقاطعات الإيطالية الشمالية والوسطى، وجاء تأسيسه تعبيراً عن الاستياء الذي كان يعمّ تلك المناطق من أداء مؤسسات الحكم المركزي في روما والفساد المستشري فيها، وإهدار الموارد المالية التي يُحصَّل معظمها في مقاطعات الشمال الصناعية على مشاريع فاشلة أو وهميّة في المناطق الجنوبية حيث توطّنت المحسوبيات وتسلطت المنظمات الإجرامية و«المافيا» أمام تقاعس الدولة أو تواطؤها.
الاسم الأول للحزب كان «الرابطة البادانية» La Lega Padana نسبة إلى منطقة بادانيا التي يعبرها نهر Po (بادوس باللاتينية)، وتبلغ مساحتها 120 ألف كيلومتر مربع ويعيش فيها نحو 27 مليون نسمة. المطالب التأسيسية للرابطة كانت الاستقلال التام (كان مألوفاً أن تستقبل الزائر إلى تلك المقاطعات لافتة كُتب عليها: لست في إيطاليا!) الذي أعلنه بوسّي في 15 سبتمبر (أيلول) 1996 أمام جمهور حاشد في مهرجان رمزي في مدينة البندقية.
في ذلك المهرجان دعا بوسي إلى تشكيل «حكومة ظلّ» في ذروة المواجهة مع روما، بعدما حققت «الرابطة» فوزاً لافتاً في الانتخابات العامة.
ولكن سرعان ما بدأت «الرابطة» تتراجع عن مطالبها الانفصالية أمام إجماع القوى السياسية على معارضتها وتحذيرات الدولة من أنها ستقمع بالقوة أي محاولة انفصالية، واكتفت بالمطالبة بمزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية لمؤسسات الحكم المحلي في المقاطعات الشمالية.
- صعود برلوسكوني
في أواخر تسعينات القرن الماضي بدأ نجم رجل الأعمال الملياردير سيلفيو برلوسكوني بالصعود في المشهد السياسي الإيطالي بعد قراره «النزول إلى المعترك»، كما يحلو له أن يكرر، منطلقا من ميلانو، العاصمة الإدارية للشمال والمعقل الرئيسي لـ«الرابطة».
وبعد مرحلة من التجاذبات الشديدة بلغت توجيه اتهامات لبرلوسكوني، الذي حكم على رأس حزبه «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا) بالتواطؤ مع «المافيا»، قررت الرابطة الدخول في تحالف انتخابي مع زعيم «فورتسا إيطاليا» الذي تولى أربع مرات رئاسة الحكومة الإيطالية حتى العام 2001. ولقد أتاح ذلك التحالف لـ«الرابطة» أن تتولّى دائما حقائب وزارية مهمة في حكومات برلوسكوني وصلت إلى أربع حقائب عام 2008.
- نكسة 2012
غير أن «الرابطة» تعرضت 2012 لنكسة قاسية عندما انكشفت فضائح فساد إداري ومالي طالت مـؤسسها بوسي وعددا من أفراد أسرته ومعاونيه. تلك كانت الفرصة التي انقضّ عليها القيادي الشعبوي ماتّيو سالفيني، بكل طاقاته، ونجح في حشد تأييد الزعامات التقليدية التي كانت عازمة على التخلّص من عبء بوسّي. وفي المؤتمر الفيدرالي الذي عقدته الرابطة أواخر العام 2013 طوت نهائيا صفحة مؤسسها الذي انهزم أمام سالفيني بأغلبية ساحقة.
وتحت قيادة سالفيني أسقطت «الرابطة» مصطلح «الشمال» من اسمها، وبدأت مرحلة الانتشار الواسع في إيطاليا والتحالفات مع القوى السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا. وفي الانتخابات العامة التي أجريت في مطلع مارس (آذار) الماضي حققت «الرابطة» أفضل النتائج في تاريخها السياسي إذ نالت 17 في المائة من الأصوات لتصبح القوة الثالثة في مجلسي الشيوخ والنواب في الدولة التي أعلنت استقلالها عنها قبل 20 سنة. وها هي اليوم تتأهب لقيادة أول تجربة حكومية مشتركة بين اليمين المتطرف والشعبويين في الاتحاد الأوروبي... مدشّنة فصل القلق الكبير من عودة الغيوم السوداء نفسها التي تلبدّت بها السماء الأوروبية في أربعينات القرن الماضي.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.