ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

انتقل من اليسار إلى أقصى اليمين... ومن الإقليمية إلى العداء لأوروبا والإسلام والمهاجرين

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف
TT

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

«اليورو جريمة ضد الإنسانية»... قد يكفي هذا القول على لسان زعيم «الرابطة» («رابطة الشمال» سابقاً) ماتّيو سالفيني لإعطاء فكرة عن المعتقد السياسي والخطاب الصدامي للنجم الصاعد في المشهد اليميني الإيطالي، والرجل الذي يتأهب لتولّي حقيبة الداخلية في الحكومة الائتلافية الجديدة التي كان أبرز الذين وضعوا برنامجها ويقرّرون توزيع حقائبها. لكن شخصية هذا الشاب، الذي نسف المعادلات الدقيقة التي قامت عليها التوازنات السياسية التقليدية في إيطاليا منذ سبعة عقود، وأطلق صفّارات الإنذار في المحيط الأوروبي المتوجّس من عودة أشباح الماضي، أكثر تعقيداً من ذلك وأبعد تأثيراً مما يتبدّى للوهلة الأولى.
أبصر ماتيو سالفيني النور في مدينة ميلانو، عاصمة الشمال الإيطالي، عام 1973. في كنف عائلة ميسورة بعيدة عن الشواغل السياسية، التي سرعان ما جذبت اهتمام ماتّيو منذ مرحلة دراسته الثانوية. وعند التحاقه بكلية العلوم التاريخية في جامعة ميلانو كان قد برز كواحد من قادة حركة الشباب الشيوعي، عندما كان الحزب الشيوعي الإيطالي بزعامة انريكو برلينغوير أهم الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية وأبعدها عن تأثير الاتحاد السوفياتي.
بيد أن سالفيني لم يكمل دراسته الجامعية - على غرار لويجي دي مايو (أيار) زعيم حركة «النجوم الخمس» حليفة «الرابطة» في الحكومة الجديدة -، وتفرّغ للعمل السياسي إذ ترشّح للمرة الأولى في الانتخابات المحلية وفاز بعضوية المجلس البلدي لمدينة ميلانو عام 1993.
- من اليسار إلى اليمين
في العام 1997 كان ماتيو سالفيني ما يزال شيوعي الهوى عندما ترشّح للانتخابات عن حركة الشباب الشيوعي في بادانيا، وهو الاسم الذي يُطلق على مقاطعات الشمال الإيطالي التي كان يطالب باستقلالها حزب «رابطة الشمال» الذي أسسه قبل سنوات اومبرتو بوسّي. ومنذ ذلك التاريخ راح مسار سالفيني السياسي ينعطف نحو المطالب القومية ضد الحكم المركزي في روما ودفاعاً عن الهوية والصلاحيات المحلية، نافضاً عنه شعارات المجتمع الاشتراكي والتضامن والعدالة الاجتماعية.
لكن سالفيني لم يكتفِ بذلك الانعطاف، بل أصبح زعيماً للتيّار اليميني في «رابطة الشمال» التي - رغم تشدّدها في المطالبة بالاستقلال - كانت تنهج سياسة معتدلة إزاء الملفات الاجتماعية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ذلك التحوّل اللافت في مسار سالفيني داخل «رابطة الشمال»، الذي لم يتوقف عنده المراقبون حينذاك، أصبح موضع اهتمام وبحث في خلفياته ودوافعه بعد بروزه في صدارة المشهد السياسي محليّاً وإقليميّاً. وثمّة مراقبون يذهبون اليوم ناحية الإشارة إلى وجود «قوى خارجية» تدعم التوجّه الذي يقوده في إيطاليا، تلميحاً إلى موسكو والقوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة.
- في البرلمان الأوروبي
في العام 2004 فاز سالفيني بمقعد في البرلمان الأوروبي عن «رابطة الشمال»، وراح يتنقل من كتلة إلى أخرى... دائماً على أقصى يمين المشهد السياسي، إلى أن توثّقت علاقته بمارين لوبان زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي وخيرت فيلدرز زعيم «حزب الحرية» الهولندي المتطرف. ومع لوبان وفيلدرز شكّل سالفيني كتلة «أوروبا الأمم والحرية» عام 2014. ونشط في عدد من لجان العلاقات البرلمانية الخارجية مع الهند وكوريا وتشيلي وجنوب أفريقيا.
غير أن المنعطف الأهمّ في مسار سالفيني حتى الآن كان في العام 2013، خلال المؤتمر الفيدرالي لـ«رابطة الشمال» عندما تمكّن من استقطاب تأييد معظم القياديين التاريخيين وتغلّب على مؤسس «الرابطة» أومبرتو بوسّي الذي كان يرزح تحت وزر فضائح فساد مالي طالت عددا من أفراد أسرته وأقرب معاونيه. ولقد نال سالفيني، الذي كان أنصاره يطلقون عليه لقب «القبطان» 82 في المائة من أصوات المندوبين... وراح يقود رحلة الانحراف الكبير في مواقف «الرابطة» من الملفات الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والهجرة والسياسة المالية والتجارية.
وبعد بضعة أشهر فقط من تولّيه زعامة «الرابطة» أسقط مصطلح «الشمال» من اسمها واستعاض عن شعار «استقلال بادانيا» بشعار «الخروج من منطقة اليورو». ورغم الانتكاسة التي مُنيت بها «الرابطة» في انتخابات العام 2014، والمعارضة الشديدة داخل الحزب لسياسته الأوروبية، أصرّ سالفيني على نهجه وقرر توسيع حضور حزبه إلى مقاطعات وسط إيطاليا وجنوبها حيث كانت تتفاعل أزمة المهاجرين الذين يتدفقون بمئات الآلاف على المناطق الإيطالية التي تجاوزت نسبة البطالة فيها بين الشباب 50 في المائة. وحقاً نجح خطاب سالفيني المتطرف والعدائي في استقطاب تأييد واسع في المناطق التي كانت محظورة علـى «الرابطة» في السابق... بل كانت في مرمى سهام انتقاداتها.
- من الانعزالية إلى التطرف
ومع ارتفاع شعبية «الرابطة» خارج المقاطعات الشمالية، بفعل المنحى السياسي الجديد وخطاب «القبطان» الملهِب، قرر ماتيو سالفيني تأسيس فرعين للحزب في إيطاليا الوسطى والجنوبية. وفي أول استحقاق انتخابي إقليمي بعد التوسّع تقدمّت «الرابطة» للمرة الأولى على حزب «فورتسا إيطاليا» اليميني بقيادة رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلوسكوني لتدخل زعامة اليمين ضمن دائرة طموحاته التي كان يمهّد لها منذ سنوات.
وفي فبراير (شباط) 2015 قاد سالفيني مظاهرة حاشدة في روما ضد الهجرة واحتجاجاً على سياسة الحكومة لمعالجتها ورفض البلدان الأوروبية الأخرى مساعدة إيطاليا على احتوائها. وبلغت حدّة خطابه درجة الانتقاد المباشر لمواقف البابا فرنسيس من قضية المهاجرين ودعواته إلى التضامن معهم ومساعدتهم في محنتهم.
لم يكترث سالفيني للمعارضة في صفوف حزبه، ولا للتحذيرات المتكررة التي وُجهت إليه من الداخل والخارج، واستمرّ في تصعيد خطابه ومواقفه من الهجرة التي كانت تداعياتها تتفاقم بسرعة، ومن الشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السياسات المالية وقوانين العمل في البلدان الأعضاء. ولعله أدرك جيّدا أن المواقف الشعبوية ذات النفس العنصري هي السبيل الذي يضمن له المزيد من التأييد ويرسّخ وجوده على امتداد الجغرافيا الإيطالية. بل هي الباب إلى موقع القيادة في الأوساط اليمينية التي بدأت منذ فترة رحلة البحث الطويلة عن خلف للملياردير العجوز برلوسكوني.
وحقاً، لم يتأخر سالفيني في قطف ثمار رهانه عندما جاءت الانتخابات العامة الأخيرة يوم 4 مارس (آذار) الماضي حين حققت «الرابطة» انتصاراً كبيراً، متقدمة على حليفها برلوسكوني لتصبح القوة السياسية الثالثة في إيطاليا بعد حركة «النجوم الخمس» الشعبوية الاعتراضية والحزب الديمقراطي (يسار الوسط).
ومن ثم، في أعقاب فشل محاولات رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلاّ في إقناع الحزب الديمقراطي بالتحالف مع الحركة الشعبوية لتشكيل حكومة ائتلافية، سارع سالفيني إلى اقتناص الفرصة الأخيرة - التي يرجح أنه كان ينتظرها - وطلب من ماتّاريلاّ إمهاله بضعة أيام لمحاولة التوصل إلى تفاهم مع «النجوم الخمس»، مدركاً أن الرئيس يعجز عن رفض طلبه وطرح تشكيلته الوزارية التكنوقراطية، لأن لدى الرابطة والحركة معاً الغالبية الكافية في مجلسي النواب والشيوخ لإسقاط الحكومة.
- مفاوضات عسيرة
لم تكن سهلة المفاوضات الطويلة بين الرابطة والحركة لوضع برنامج مشترك تتشكّل الحكومة على أساسه، نظرا للتباين الكبير بين طروحات الفريقين ومواقفهما من الملفات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن ماتيو سالفيني كان متأكداً من أن هذه الفرصة الذهبية قد لا تتكرّر في القريب المنظور لكثرة تقلبات المشهد السياسي الإيطالي وزئبقيته الموصوفة. ويقول مراقبون تابعوا تلك المفاوضات عن كثب بأنها كانت «محكّ الاختبار» لزعيم الرابطة الذي برع في توجيه دفّتها لمصلحته مقابل التخلّي عن تعيين الرئيس للحركة التي نالت ضعفي الأصوات التي حصلت عليها الرابطة.
المواقف التي بنى عليها سالفيني نهجه السياسي محدودة من حيث كونها محصورة في القضايا المعيشية الملموسة، ومباشِرة مبسّطة في طروحات يستوعبها المواطن ويتفاعل معها بسهولة وعفويّة. أما خطابه السياسي فلا مواربة فيه ولا توري. فهو يستنهض الغرائز ويبتعد عن بهلوانيات السياسة الإيطالية واجترار لغتها الخشبية. خطاب يتماهى إلى حد بعيد مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما يدعو إلى أسبقية المصالح الإيطالية على أي اعتبار آخر، بما في ذلك المعاهدات المُبرمة والالتزامات المعقودة مع الأطراف الإقليمية والدولية، أو عندما يتعهد خفض الضرائب واعتماد تدابير حمائية في التجارة، أو رفض الاعتراف بزواج المثليين والطرد الفوري للمهاجرين غير الشرعيين الذين ينوف عددهم عن نصف مليون في إيطاليا. والحقيقة أن سالفيني لم يتردد في إعلان تأييده للمرشح ترمب منذ بداية حملته الانتخابية. وهو يجري اتصالات منتظمة بالمستشار السابق للرئيس الأميركي ستيف بانون، الذي يجهر بمعتقداته اليمينية المتطرفة، والذي سبق له أن أعلن تأييده للقوى المماثلة في أوروبا. كذلك يرفض زعيم «الرابطة» العقوبات التجارية المفروضة على روسيا، ويدعو إلى توثيق العلاقات معها على كل المستويات، والانفتاح على بلدان أوروبا الشرقية والشرق الأقصى، بما فيها كوريا الشمالية!
- العداء للمسلمين
أما بالنسبة إلى موضوع وجود المسلمين في أوروبا، فإن مواقف ماتيو سالفيني لا تقلّ وضوحاً وتطرّفاً عن مواقفه من القضايا الأخرى. فهو يدعو صراحة إلى حظر بناء المساجد في إيطاليا، لا بل يدعو إلى هدم بعضها، ويعتبر «... أن لا مجال للتوفيق بين التشريعات المدنية الإيطالية وأحكام الشريعة الإسلامية». ويدعو أيضاً إلى «... إعادة النظر في صيغة التعايش مع المعتقدات الدينية الأخرى في المجتمع الإيطالي»... وهو يرفض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أو حتى فكرة التقارب معها، ويطالب بحق النقض لأي دولة أوروبية قبل إبرام أي معاهدة مع دولة خارج الاتحاد، ويحذّر من «... المخاطر التي تتهدد الأمة جراء التمازج العرقي»، ويدافع بلا مواربة عن «نقاء الأمة غير الملوّثة».
ومن ثم، تبلغ مواقف سالفيني ذروة تطرفها عندما يتعلق الأمر بالعملة الأوروبية الموّحدة والشروط التي تفرضها المفوضية على السياسات المالية في الدول الأعضاء والعقوبات التي تتخذ في حال عدم استيفائها. فهو يعتبر اليورو «عملة فاشلة وخاطئة وتجربة مدمرة»، ويرفض التخلّي عن كامل الصلاحيات الوطنية في إدارة الملفات السيادية كالدفاع والأمن والسياسة الخارجية.
زعيم «الرابطة» الذي يتأهب في إيطاليا لتنفيذ برنامج حكومي أثار حفيظة الشركاء الأوروبيين واستدعى سيلاً من التحذيرات في بروكسل (العاصمة الأوروبية)، يعرف أيضاً كيف ينحني أمام العاصفة ويطمئن المتوجّسين من هذه التجربة الأولى في الاتحاد الأوروبي التي يصعد فيها المتطرفون والشعبويّون إلى سدة الحكم على أنقاض الأحزاب التقليدية المتهاوية. وتتراجع حدة خطابه مع الاهتزازات المتتالية في أسواق المال القلقة من التكاليف الباهظة لبنود البرنامج الاقتصادي التي قد تُغرق منطقة اليورو في أزمة جديدة، ويتعهد التزام الواقعية عند الإقدام على الخطوات العملية.
إلا أن الوجه الحقيقي لمشروع سالفيني لن يُكشف قبل أن تبدأ الحكومة الجديدة مهامها في الأسابيع المقبلة، عندما يبدأ بمعالجة ملفّ الهجرة وتتضحّ معالم السياسة الاقتصادية والمالية التي تقاربت مواقف الحليفين الائتلافيين حولها بشكل لافت في الفترة الأخيرة. ذلك أن التصريحات الهادئة التي حرص «القبطان» وزعيم الحركة على تكرارها في الآونة لم تقنع أحداً، لا سيما أن كليهما مصرّ على تسليم حقيبة المالية إلى باولو سافونا الذي يُعدّ ألدّ أعداء العملة الأوروبية الموحّدة التي وصفها في آخر كتاب له نزل إلى الأسواق منذ أيام، بأنها «قفص ألماني لا بد من وضع خطة بديلة للخروج منه عند الحاجة». وأردف «إن انضمام إيطاليا إلى منطقة اليورو خطأ تاريخي... لأن برلين لم تتخلَّ عن رؤيتها لدورها في أوروبا بعد سقوط النازية، بل عمدت إلى فرضها بالاقتصاد بدل القوة العسكرية».
- «الرابطة»... حكاية تحوّل من الانفصالية إلى الشعبوية المتطرفة
> أسس حزب «رابطة الشمال» اليميني المتطرف على يد أومبرتو بوسّي عام 1991 كاتحاد يضمّ مجموعة من الأحزاب الصغيرة في المقاطعات الإيطالية الشمالية والوسطى، وجاء تأسيسه تعبيراً عن الاستياء الذي كان يعمّ تلك المناطق من أداء مؤسسات الحكم المركزي في روما والفساد المستشري فيها، وإهدار الموارد المالية التي يُحصَّل معظمها في مقاطعات الشمال الصناعية على مشاريع فاشلة أو وهميّة في المناطق الجنوبية حيث توطّنت المحسوبيات وتسلطت المنظمات الإجرامية و«المافيا» أمام تقاعس الدولة أو تواطؤها.
الاسم الأول للحزب كان «الرابطة البادانية» La Lega Padana نسبة إلى منطقة بادانيا التي يعبرها نهر Po (بادوس باللاتينية)، وتبلغ مساحتها 120 ألف كيلومتر مربع ويعيش فيها نحو 27 مليون نسمة. المطالب التأسيسية للرابطة كانت الاستقلال التام (كان مألوفاً أن تستقبل الزائر إلى تلك المقاطعات لافتة كُتب عليها: لست في إيطاليا!) الذي أعلنه بوسّي في 15 سبتمبر (أيلول) 1996 أمام جمهور حاشد في مهرجان رمزي في مدينة البندقية.
في ذلك المهرجان دعا بوسي إلى تشكيل «حكومة ظلّ» في ذروة المواجهة مع روما، بعدما حققت «الرابطة» فوزاً لافتاً في الانتخابات العامة.
ولكن سرعان ما بدأت «الرابطة» تتراجع عن مطالبها الانفصالية أمام إجماع القوى السياسية على معارضتها وتحذيرات الدولة من أنها ستقمع بالقوة أي محاولة انفصالية، واكتفت بالمطالبة بمزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية لمؤسسات الحكم المحلي في المقاطعات الشمالية.
- صعود برلوسكوني
في أواخر تسعينات القرن الماضي بدأ نجم رجل الأعمال الملياردير سيلفيو برلوسكوني بالصعود في المشهد السياسي الإيطالي بعد قراره «النزول إلى المعترك»، كما يحلو له أن يكرر، منطلقا من ميلانو، العاصمة الإدارية للشمال والمعقل الرئيسي لـ«الرابطة».
وبعد مرحلة من التجاذبات الشديدة بلغت توجيه اتهامات لبرلوسكوني، الذي حكم على رأس حزبه «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا) بالتواطؤ مع «المافيا»، قررت الرابطة الدخول في تحالف انتخابي مع زعيم «فورتسا إيطاليا» الذي تولى أربع مرات رئاسة الحكومة الإيطالية حتى العام 2001. ولقد أتاح ذلك التحالف لـ«الرابطة» أن تتولّى دائما حقائب وزارية مهمة في حكومات برلوسكوني وصلت إلى أربع حقائب عام 2008.
- نكسة 2012
غير أن «الرابطة» تعرضت 2012 لنكسة قاسية عندما انكشفت فضائح فساد إداري ومالي طالت مـؤسسها بوسي وعددا من أفراد أسرته ومعاونيه. تلك كانت الفرصة التي انقضّ عليها القيادي الشعبوي ماتّيو سالفيني، بكل طاقاته، ونجح في حشد تأييد الزعامات التقليدية التي كانت عازمة على التخلّص من عبء بوسّي. وفي المؤتمر الفيدرالي الذي عقدته الرابطة أواخر العام 2013 طوت نهائيا صفحة مؤسسها الذي انهزم أمام سالفيني بأغلبية ساحقة.
وتحت قيادة سالفيني أسقطت «الرابطة» مصطلح «الشمال» من اسمها، وبدأت مرحلة الانتشار الواسع في إيطاليا والتحالفات مع القوى السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا. وفي الانتخابات العامة التي أجريت في مطلع مارس (آذار) الماضي حققت «الرابطة» أفضل النتائج في تاريخها السياسي إذ نالت 17 في المائة من الأصوات لتصبح القوة الثالثة في مجلسي الشيوخ والنواب في الدولة التي أعلنت استقلالها عنها قبل 20 سنة. وها هي اليوم تتأهب لقيادة أول تجربة حكومية مشتركة بين اليمين المتطرف والشعبويين في الاتحاد الأوروبي... مدشّنة فصل القلق الكبير من عودة الغيوم السوداء نفسها التي تلبدّت بها السماء الأوروبية في أربعينات القرن الماضي.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.