انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

المواجهة غير محسومة بين «صقور» تحدي واشنطن و«عمليي» التراجع التكتيكي

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو
TT

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

للوهلة الأولى، تبدو «خريطة الطريق» الجديدة لإيران التي كشف عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أشبه بوصفة لتغيير النظام في طهران. هذه النظرة وجدت صدى اتخذ شكل تعليقات مبدئية صدرت عن الاتحاد الأوروبي على قائمة بومبيو التي تضمّنت 12 مطلباً، والتي عرضها في مؤسسة «هيريتيدج فاونديشن» بواشنطن. فوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني يزعمان أنه بتخطي حدود الاتفاق النووي الإيراني المثير للجدل، قد ينفذ بومبيو أجندة خفية ضد النظام الإيراني.
هذا الزعم ليس خيالياً، فبومبيو ومستشار الرئيس الأميركي الجديد للأمن القومي جون بولتون مناديان بتغيير النظام منذ أكثر من عقدين من الزمان.
لكن نظرة أقرب على خريطة طريق بومبيو قد تكشف نهجاً أكثر تطوراً.
لقد حاول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ربط المسألة النووية مع المسألة الأوسع، وهي سلوك إيران الذي يمس مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها. وليس من الصعب تخمين السبب وراء ذلك النهج. فإن لم تكن الجمهورية الإسلامية تهدد تلك المصالح، فلن يهم ما إذا كان لديها برنامج نووي أم لا، أو حتى إن كانت تمتلك أسلحة نووية أم لا. فالمطالب الأربعة الأولى التي طرحها بومبيو تتعلق بمشروع إيران النووي، وهي بالفعل تأتي تحت غطاء الاتفاق النووي الذي صاغه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
- مطالب بومبيو
المطلب الأول يلزم إيران بإبلاغ «وكالة الطاقة الذرية» بجميع أوجه النشاطات العسكرية لمشروعها، وهو بالفعل ضمن بنود معاهدة «حظر الانتشار النووي» التي تعد إيران أحد الأطراف الموقعة عليها. وبعدم المطالبة بذلك خلال مرحلة مفاوضات الاتفاق النووي، المعروفة باسم «خطة العمل المشتركة» (JCPOA)، أسهم أوباما في إضعاف اتفاقية «حظر الانتشار النووي». ويريد بومبيو أن يصحح ذلك الخطأ ويعيد الزخم إلى الاتفاقية بعدما فقدته بسبب دبلوماسية أوباما غير الحكيمة.
كذلك فإن مطلب بومبيو الثاني بوضع حد لبرنامج تخصيب اليورانيوم ووقف بناء مفاعل جديد للبلوتونيوم، يجب أن يكون من السهل لإيران قبوله، شريطة ألا تخفي أجندة سرية بهدف إنتاج أسلحة نووية. ويشير الباحث الإيراني همايون نقيبي إلى أنه «ليس لإيران حتى الآن استخدامات لليورانيوم الذي تقوم بتخصيبه بدرجات أقل من 5 في المائة... وأن التوقف عن عمليات التخصيب كلها لن يتسبب في ضرر يذكر لأي من أوجه الاقتصاد الإيراني». وفيما يخص إنتاج البلوتونيوم، فقد أعدت إيران خططاً لإنشاء مفاعل لإنتاج الماء الثقيل ودخلت في مفاوضات مع الصين لإعادة تصميم مفاعل أراك البعيد تماماً عن أي استخدامات عسكرية. ولتأكيد ذلك، طالب بومبيو بتجميد عمل مفاعل أراك على الرغم من أن إيران تعمل على استخدامه في أغراض غير عسكرية. ومع هذا، لا يعد الوصول إلى حل وسط في شأن هذا المفاعل أمراً مستبعداً تماماً.
وبالنسبة لمطلب بومبيو الثالث المتمثل بسماح إيران لمفتشي «وكالة الطاقة الذرية» بالذهاب إلى أي مكان يرونه ضرورياً، تضمنه وتصونه قوانين الوكالة واتفاقية «حظر الانتشار النووي»، فإن بومبيو يريد أن يستعيد الشكل القانوني في التعامل مع إيران. ذلك أن أوباما كان قد خالف قوانين الوكالة ونصوص الاتفاقية، و«اخترع» صيغة رخوة يمكن من خلالها لإيران والوكالة أن توافق على المواقع الواجب تفتيشها.
ونصل إلى مطلب بومبيو الرابع، وهذا المطلب هو أن تتوقف إيران عن تطوير الصواريخ الباليستية وإنتاج صواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية نووية. هنا يجب أيضاً ألا يكون الالتزام صعباً. إذ أعلنت إيران على الملأ تجميد مشروع الصواريخ التي يتخطى مداها 2400 كلم. والواقع أنه سيكون لتلك الصواريخ معنى إن كان هذا الحمل نووياً أو كيماوياً، ذلك أن حمل 675 كيلوغراماً من مادة «تي إن تي» العادية لما هو أبعد من أرض المعركة لن يكون ذا معنى من الناحية العسكرية. هنا أيضاً قرر أوباما أن ينظر في الاتجاه الآخر بأن يترك الباب مفتوحاً لكل التكهنات فيما يتعلق بنيات إيران النووية لتطوير صواريخ لها معنى فقط إذا كانت ضمن إطار الاستراتيجية النووية. وبالتالي، سيزيل مطلب بومبيو كل الغموض لما فيه صالح جميع الأطراف.
أيضاً مطلب بومبيو الخامس، الداعي للإفراج عن الرهائن الأميركيين وحلفائهم، ليس بالمطلب الغريب ولا هو صعب التنفيذ. حتى الآن هناك 32 رهينة قيد الاعتقال، لم يصدر بحق أي منهم أي اتهام ولم يدن أحدهم. و10 منهم على الأقل مواطنون أميركيون وبريطانيون كانوا من أنشط المتحمسين لإيران الخمينية في أميركا وبريطانيا. بل ومن بين هؤلاء مؤسسو «المجلس الوطني الإيراني - الأميركي» (ناياك)، وهو جماعة ضغط أسستها إيران وتمولها وهدفها الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبحسب منوشهر رضائي، وهو رجل أعمال ساعد جماعات الضغط الإيراني في الولايات المتحدة وبريطانيا، فإن «بومبيو يطالب طهران بالإفراج عن جماعات ضغطها الخاصة».
- وقف دعم حزب الله
يتعلق مطلب بومبيو السادس «بوقف الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية» مثل الفرع اللبناني لـ«حزب الله»، وجماعة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين و«حماس». وهنا أيضاً فإن اتهام الولايات المتحدة بانتهاج سلوك «إمبريالي» ليس في محله، فبومبيو يطالب ما سبق أن طالب به مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً بعدما حددوا الجماعات سالفة الذكر بالاسم «جماعات إرهابية». وحتى لو لم يقل بومبيو أي شيء في هذا الصدد، فإيران، بوصفها عضواً في الأمم المتحدة، كان من الواجب عليها التوقف عن دعم تلك الجماعات.
أما بالنسبة لمطلب بومبيو السابع فقد يكون ماضياً في سبيله للتنفيذ بفضل التطورات نفسها في العراق، وهي تطورات خارجة عن سيطرة إيران. ففي الانتخابات العامة الأخيرة، صوّت العراقيون للاستقلال، بأن ألحقوا هزيمة نكراء بالأحزاب والجماعات والشخصيات المنصاعة لإيران. وبحسب المراسل الصحافي علي جوانمردي، هرب الجنرال قاسم سليماني، الرجل المسؤول عن «تصدير الثورة» من بغداد تحت جنح الظلام بعدما فشلت مهمته في تشكيل تحالف مساند لطهران. ولخوفه على سلامته، آثر الفرار إلى السليمانية، حيث ثمة جماعة كردية مؤيدة لطهران وجد عندها الملاذ الآمن. لقد تراجعت طهران عن نهجها العدائي القديم تجاه نتائج الانتخابات العراقية التي وضعت التيار الذي يقوده مقتدى الصدر على رأس قائمة الفائزين. وفي غضون 24 ساعة، توقف الهجوم الإعلامي على الصدر، ويوم الثلاثاء قدم إيرج مسجدي، السفير الإيراني في بغداد، التحية للصدر بوصفه قائداً عظيماً يستحق الاحترام.
ومن ثم، مهما حدث لفرصة الأزمة التي خلقها بومبيو، فهناك شيء واحد مؤكد، هو أن العد التنازلي لتلاشي النفوذ الإيراني في العراق بدأ بالفعل. أما فيما يتصل بنزع أسلحة الميليشيات العراقية، فهذه ستكون إحدى المهام الأساسية للحكومة المقبلة في بغداد، لا سيما أن كل المكونات المطلوبة للتحالف المستقبلي أعلنت التزامها بها.
- الموضوع اليمني
مطلب بومبيو الثامن، هو وضع حد نهاية لدعم المتمردين الحوثيين في اليمن. ويلقى هذا المطلب الدعم في إيران نفسها. وبحسب مصادر في إيران وفي الاتحاد الأوروبي، فإن تقليص الدعم للحوثيين كان أحد المغريات التي قدمها وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى نظرائه في الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماع الذي عقد بداية الشهر الحالي في بروكسل. فـ«الخطة» الإيرانية المقترحة تعتمد جزئياً على خطة أعدها وزير الخارجية البريطاني السير آلان دانكان والكويت على مدار عام مضى.
- الانسحاب من سوريا
مطلب بومبيو التاسع هو أن تبادر إيران إلى سحب قواتها من سوريا، وهو المطلب الذي يلقى حالياً الدعم من روسيا - على الأقل ضمنياً - وستجد دول الاتحاد الأوروبي صعوبة في معارضته. وقد تعترف إيران في مرحلة ما بأن «مشروعها الكبير» لسوريا لن يتحقق، وأن لا فائدة ترجى من الإبقاء على تلك القوات، حيث الهيمنة دون غطاء جوي، وإلا ستكون صيداً سهلاً لأي هجوم جوي. لقد كان مطلب الانسحاب من سوريا أحد أكثر الشعارات شعبية التي تغنى بها ملايين المحتجين المناهضين للنظام في أكثر من 150 مدينة إيرانية منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبالتالي، بالرحيل عن سوريا، فإن المؤسسة الخمينية ستتمكن من نزع سلاح بعض المنتقدين داخل إيران. ثم إن نقص المال عنصر متنامي الأهمية في هذا الشأن، إذ تجد إيران مصاعب متزايدة بتحمل أكلاف الإبقاء على 80 ألف مقاتل ميليشياوي ومرتزق من لبنان وأفغانستان وباكستان في لعبة تتحكم فيها روسيا والولايات المتحدة.
- المطلبان الأخيران
المطلبان الأخيران اللذان قدمهما بومبيو غامضان وعموميان، وليس من الصعب الالتفاف حولهما. فإن مساندة إيران لطالبان في أفغانستان كانت مؤقتة ومتقطعة. وآخر عملياتها في منطقة فراه الأفغانية المتاخمة لإيران هدفت إلى إثارة القلاقل رداً على قرار كابل تقليص حصة إيران من الماء الوارد إليها من نهر هلمند. وهناك أيضاً مطلب توقف إيران عن تهديد إسرائيل بالإبادة والكف عن شن الهجمات الصاروخية (عبر الحوثيين) على المملكة العربية السعودية. وأيضاً مطلب تهدئة الهجوم الإعلامي على إسرائيل، وهو ليس بالمطلب الصعب، وتكرر في كثير من المناسبات في الماضي. أما بخصوص الهجمات الصاروخية على السعودية، فإن قرار وقف مساندة الحوثيين سيحقق ذلك الهدف.
- الموقف من إيران نفسها
ولكن، الأخبار السارة بالنسبة للمؤسسة الخمينية والسيئة لخصومهم داخل إيران هي أن قائمة أمنيات بومبيو لم تذكر شيئاً عن حقوق الإنسان، أو حتى نهاية للقمع داخل إيران. ويظهر هذا، على النقيض من كل المزاعم، أن بومبيو حقاً يسعى إلى تغيير سلوك طهران فيما يخص عدداً من قضايا السياسة الخارجية، ولا يهدف إلى تغيير النظام. وهو بتنفيذ ذلك، فإنه ينهي سياسة أوباما الداعمة بقوة للنظام في إيران ولكن من دون أن يعد بتدخل أميركي مباشر في صراع القوى في إيران. ومع بعض الفوارق، فإن هذا بالضبط ما قدّمه الرئيس دونالد ترمب إلى الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. ولقد كان كيم حكيماً، أو على الأقل حسن الصرف، في قبوله العرض. ولذلك دعونا ننتظر لنرى ما سيفعله المرشد الأعلى علي خامنئي، المعجب بكوريا الشمالية، بعد تلقيه العرض نفسه.
التخمين الأفضل للوضع الراهن هو أن يحاول علي خامنئي تهدئة خاطر الأميركيين وتبريد الأمور هذه الفترة بدلاً من اللجوء إلى الاستفزاز ودفعهم باتجاه اتخاذ خطوة أشد ضد نظامه. وهذا ما يلوح لدى مراجعة عدد من البيانات والتعليقات الرسمية رداً على تحدي بومبيو ونقاطه الـ12.
إذ سعت افتتاحية نشرتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) يوم الأربعاء، إلى طمأنة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن القوات الإيرانية الموجودة في سوريا ولبنان، بما فيها ميليشيا حزب الله «لن تتحرك ضد أيٍ كان، ما لم تتعرض لهجوم يشن عليها». بكلام آخر، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقد مع إسرائيل بوساطة فرنسية عام 2006 ما زال ساري المفعول بما يخص إيران والميليشيات التابعة لها. ولكن من أجل تسويغ وقف إطلاق النار هذا، زعمت الافتتاحية «أن النظام الصهيوني ينزلق نحو الانهيار» وهو «زائل لا محالة في المستقبل»، وعليه لا حاجة لإيران أن تأخذ أي إجراء عسكري.
المعزوفة نفسها عزفها الجنرال يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري وكبير مستشاري خامنئي العسكريين حالياً، إذ قال في كلمة ألقاها في مدينة خرّمشهر (المحمّرة) يوم الثلاثاء الماضي: «نحن موجودون في العراق وسوريا فقط كمستشارين، ولا نشارك في أي نوع من النشاط الميداني»، وأردف: «لا تشمل مهامنا الاستراتيجية أي تحرك عدواني».
وفي الاتجاه نفسه، ولكن إزاء اليمن وأفغانستان هذه المرة، تسير صحيفة «كيهان»، المعبّرة عن مواقف خامنئي. إذ جاء في افتتاحية الصحيفة يوم الأربعاء الماضي قولها: «لقد قلنا وكررنا دائماً أن الحل في اليمن لا يمكن إلا أن يكون سياسياً. والادعاء أن إيران تدعم حركة طالبان مثير للسخرية... بكل بساطة».
ولكن من جانب آخر، هناك أصوات تحث القيادة في طهران بصورة أكثر مباشرة وصراحة على إيجاد صيغة تفاهم مع الولايات المتحدة «بدلاً من السير باتجاه فخ المواجهة». من هذه الأصوات علي رضا علوي بناه، المحلل السياسي، الذي حث خلال مقابلة أبرزتها وكالة «إرنا» على صفحتها الأولى، الرئيس روحاني، على «مراجعة جوانب من سياساتنا». ومن دون أن يسمي خامنئي بالاسم لمّح علوي بناه إلى إمكانية تجاوز المرشد الأعلى بقوله: «ليس على الرئيس طلب إذن أحد لتعديل السياسة (الإيرانية)». وفي الوقت ذاته، حذّر سعيد حجّاريان، وهو أحد كبار المنظّرين «الإصلاحيين»، من أنه إذا لم ينتهز روحاني الفرصة لإظهار وجود خيارات بديلة، فإنه سيخسر الدعم المتبقي لـ«الحركة الإصلاحية» في المجتمع. والمغزى هنا هو أنه إذا أدرك الناس تماماً حجم كلفة السياسات الحالية، بما فيها التدخل في شؤون الدول الأخرى، فإنهم سيمتنعون عن تأييد استراتيجية «تصدير الثورة» التي يرمز إليها الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري.
وبالتالي، قد تكون ثمة ملامح لتشكُّل تفاهم عريض على الحاجة لحماية النظام حتى لو كان الثمن تجرّع كأس مرة وتقبل خيبة الأمل. وهذا، في الواقع، ما عناه آية الله جعفر سبحاني عندما أكد أن «الأولوية تكمن في حماية النظام الإسلامي، وعلينا ألا نركن لوقوف الكفرة الأوروبيين مع نظامنا، ولا خوض لمعركة غير متكافئة لا نستطيع كسبها في الوقت الراهن».
وهكذا، بالنظر إلى ما تقدّم يبدو أن إحجام بومبيو عن التطرق مباشرة إلى «تغيير النظام» ساعد «العمليين» داخل النظام الإيراني، الذين يريدون اعتماد تراجع تكتيكي بانتظار إما اهتزاز رئاسة دونالد ترمب أو نهايتها. ولكن في المقابل، ما زال هناك في طهران جماعات متعطشة إلى مواجهة مع واشنطن، ما يوحي بأن الجدل المحتدم في العاصمة الإيرانية ما زال بعيداً عن الحسم.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.