جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

مسيرة 52 عاماً من توثيق النزاعات ولقاء الزعماء عبر شاشة «بي بي سي»

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
TT

جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)

قادتني النادلة في مقهى فندق «اللاندمارك» بحي «مارليبون» اللندني إلى طاولته المعتادة في الزاوية. سبعيني إنجليزي أنيق. فاجأني جهاز «ماك بوك» على الطاولة أمامه. كان يطالع مقالاً ما. استقبلني بابتسامة. بعد التحية، تقمص دور المحاور تلقائياً وبكل عفوية متناسياً أنني أنا من جئت أطرح الأسئلة عليه. ثم تنبه وقال، أفضّل إدارة المقابلات فقصص الناس وتوثيق الحقائق شغفي.
بالنسبة لجون سيمبسون، الصحافة ليست مهنة، بل هي تلبية نداء. فعندما كان في سن الـ15، قرأ رواية «1984» لجورج أورويل، واتخذ قراراً بأن يكون دوما في معسكر الذكريات، يكتب الحقيقة والتاريخ في السجلات العامة.
منذ انطلاقته، ارتبط اسمه بهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». مسيرة 52 عاماً عاش خلالها مغامرات في أكثر من 120 دولة، وطل على الشاشة لتغطية 47 حربا. كادت أن تباغته المنية 10 مرات، ومات أحد أفراد طاقمه أمام عينيه في تفجير بالعراق. كلما تقدم بالسن، كره الحرب أكثر. إلا أنه يرفض أن تحكمه تجاربه المفجعة وتأسر ذكرياته.
روى لي حادثة تسلله متخفيا وراء شادور إلى أفغانستان، وأطلعني على تفاصيل اكتشافه لمجزرة صبرا وشاتيلا. وعندما استرجع محاولة زائفة لإعدامه في ضواحي بيروت، شعرت بأنني كنت هناك. سألته عن لقاءاته وحواراته مع قادة العالم فتغزل بمانديلا، وأشاد بالملك حسين، وهجا الخميني، وشخّص القذافي بالجنون.
لا يمكن اختصار مسيرة المراسل الدبلوماسي وصحافي القضايا الشائكة بأرقام وأحجيات، إلا أن حوارا معه سمح لي بنافذة إلى صحافة أهمها أنسنة السياسة. وفيما يلي نص الحوار:

> غطّيت عشرات الحروب، وأصبحت من أهم المراسلين الحربيين بريطانيا وعالميا. هل كان هذا هدفك؟
- لا أعتبر نفسي مراسلا حربيا. أنا مراسل دبلوماسي، ويحدث أن أضل طريقي إلى الحروب. عملت مع «بي بي سي» 52 سنة، غطّيت خلالها 47 حربا. أرى نفسي شخصا يهتم بالسياسة كثيراً. والحروب أبغض أشكال السياسة، ولهذا أغطيها. لا يحبذ كثيرون من الصحافيين تغطيتها، ولكنني لا أمانع ذلك. أنا ومارتن بيل (مراسل حربي بريطاني) وآخرون، قبلنا بالتكليفات. مهمّتي تغطية أي حدث كان، من حرب إلى ثورة.
> المراسلة الحربية البريطانية الراحلة كلير هولينغوورث لم تكن تصطحب معها في حقيبة ظهرها إلى الحروب، إلا جوارب وفرشاة أسنان. فماذا تأخذ معك؟
- كلير أكثر ترتيبا مني. كمّية الأمتعة التي أحزمها كثيرة. أحرص دائماً على أخذ مشغل للموسيقى وكتاب ضخم. فالمراسل لا يعرف ما ينتظره، قد يُعتقل أو يتوقّف، وإن لم يكن لديك كتاب تقرأه، سيكون الأمر مروعا. غالباً ما أنسى فرشاة أسناني وحتى الجوارب، ولكن من المستحيل أن أنسى الموسيقى أو الكتاب.
> في كتابك الأخير «اخترنا الحديث عن الحرب والنزاع» تُصنّف الحروب إلى حروب قذرة، وحروب بالوصاية، وغيرها. برأيك، هل تغيّر مفهوم الحرب اليوم؟
- في زمن كلير هولينغوورث ومارثا غيلهورن (مراسلة حربية نشطت في القرن العشرين)، كان النّزاع بين القوى الكبرى. والأمر لا يزال ملموسا في سوريا وغيرها، حيث تتنازع القوى الكبرى وتقوم بتمويل الجهات المتنازعة وتسليحها لدعم آيديولوجية ما أو فكر ديني أو أجندة سياسية معينة في أراض ليست لها. أعتقد أنّ مفهوم الحروب المباشرة بين القوى قد تلاشى، وآخر مثال حي على ذلك، كان هجوم الرئيس العراقي الرّاحل صدام حسين على إيران في عام 1980.
> أطلقت حلقة خاصة في برنامج «بانوراما» في «بي بي سي» عام 2016. وقدمت توقعاتك تجاه أميركا منعزلة بقيادة الرئيس دونالد ترمب. ما تقييمك للمشهد اليوم علما بأن مؤتمر ميونيخ الأمني مطلع العام الجاري، أستنتج أنّ الدبلوماسية قد ماتت؟
- أعتقد أنّ هذا الاستنتاج عن الدبلوماسية خاطئ. فهي كل ما نملك، إنّها حبل الإنقاذ الذي يجنّبنا الكوارث. في بعض الأحيان قد تصمت أصوات الدبلوماسية، ولكنّها لا تختفي. بعد تغطيتي لـ47 حرباً على مدار 52 سنة، باتت الحروب تثير غضبي. وزاد هذا الغضب مع تقدّمي بالسن، كما زادت كراهيتي للحروب. لم يكن هذا الغضب بهذه الحدة في سنوات عملي السابقة.
> كم من مرة واجهت الموت؟
- قمت بتوثيقها. في عام 2016، أُدخلت إلى المستشفى بسبب فشل كلوي، وكنت محظوظا أنني تعافيت. أمضيت أياما على سرير المرض، ومن غرفتي في المستشفى فكرت بعدد المرات التي كادت تودي بحياتي. الفشل الكلوي كان المرة العاشرة. الموت فعلا لمسني. لم تكن الرصاصة التي طارت من هنا وهناك، بل الطلقة التي اخترقت حائطا بجانبي. ولم يكن رصاصا حيا فقط، بل قنابل وسكاكين واعتداء جسديا من قبل جماعات إما في آيرلندا الشمالية أو في إيران، وثلاث مرات في لبنان، وغيرها. أعي تماما شعور رؤية المنية بعيوني، صراحة، الشعور ليس بدرجة الإرباك والخوف التي يتوقعها المرء.
> إذن هل تعتبر خسارة أحد أفراد طاقمك أكثر فجعة؟
- بالتأكيد، وبشدة. عندما قتل مترجمي الشاب في عام 2003 خلال غزو العراق، لم أعد أرى أي سبب لاستمرار حياتي، بعدما خسر هو حياته. كان واقفا على مقربة مني، وقتها اخترقت شظايا القنبلة جسده السفلي باترة قدميه ومنهية حياته، بينما اخترقت شظية قدمي لكنّها لم تود بحياتي. ما حصل لم يكن عادلا.
> هل تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؟
- لا. لا أعتقد ذلك. لدي أصدقاء عانوا منه، لذا أعرف أنّه مرض حقيقي، ولا أنكره، لكنّه لم يصبني. لا أنكر أنّني مررت بتجارب صعبة، وكان لها تأثير علي بالتأكيد، لكن، لا أؤمن بالسماح لها باستنزافي. تعود بي أحيانا مواقف معينة مررت بها، ولكنّها ليست مؤذية بل هي ذكريات. من أقوى التجارب التي أتذكّرها بتفاصيلها إلى اليوم، هي عندما خضعت إلى إعدام زائف في ضواحي بيروت خلال الحرب الأهلية في ثمانينات القرن الماضي. كنت متأكدا حينها أنّ المسدس كان فارغا، ولكنّها كانت تجربة أشعرتني بالموت. أجبروني وقتها على الركوع، بينما وجه شاب المسدس إلى عنقي. أتذكر التجربة بتفاصيلها. تركز نظري على الأرض الرملية التي تناثرت فوقها أعقاب السجائر. المنظر الكئيب هذا كان آخر مشهد ستراه عيناي. وفي لحظتها، ضغط على الزناد وبالفعل كان المسدس فارغا. ضحك جميع من كانوا حولي فشعرت بالغضب. لا أخفي أنّ تلك الذكريات حفرت في ذهني لكنّها لا تتحكم بي ولا تحكمني، وهذا هو المهم.
> هل تفضل أن يقابلك أحد، أو أن تُجري أنت الحوار؟
- أفضل أن أقابل وأطرح الأسئلة، لا أحب الإجابة أنا.
> هل يعود السبب لأنّك تفضل سماع القصص عوضا عن رواية تجاربك؟
- نعم. لا أحب الحديث كثيراً. وعندما أجلس بحضرة أشخاص يسهبون في الحديث، أترك لهم مجال السرد وأستمع إليهم.
> من مقولاتك: «الصحافة ليست مهنة بل هي تلبية نداء». لماذا إذن أصبحت صحافيا؟
- الصحافة ليست منظمة كفاية لتكون مهنة. اخترت أن أصبح صحافيا لأسباب نبيلة، مع أنني أرى السخرية في وضع مصطلحي «صحافة» و«نبل» في جملة واحدة. عندما كنت في سن الـ15 قرأت «1984» لجورج أورويل وكان كتابا رائعا. أخذني مبدأ أنّه بإمكاننا أن نمحو الحقيقة عن طريق إتلاف الوثائق والجرائد والذكريات. لذا تأكدت أنني، من خلال أي طريق أسلكه، سأكون دوما في معسكر الذكريات، وليس مع الذين يحاولون منعها. الأهم هو توثيق الحقائق والأحداث في سجل العامة، وإفادة الناس بالحقائق كما هي. المثال على ذلك يقبع في الصين، حيث حاولت حكومة بكين على مدار العقود أن تنكر المجزرة التي وقعت في ميدان تيانانمن. كنت هناك حينها، ورأيت المذبحة بأم عيني. ولذا، كلما التقيت سياسيا صينيا سألته عن المذبحة، حتى لو شكل السؤال بعض الحرج أو المضايقة له. لا يجب أن نسمح لأنفسنا بنسيان الحقيقة.
> في كتابك الأخير، تذكر أن نيلسون مانديلا كان أطيب شخص قابلته. حدثنا عن تلك المقابلة.
- نيلسون مانديلا أعظم شخص قابلته، قد يكون رأيي مبتذلا، ولكنّها الحقيقة. عظمته أتت من تواضعه وإنسانيته. كان طبيعيا، وفتح لي المجال لأطرح عليه كل ما يخطر على بالي من دون أن يهان. سألته عن الفساد في جنوب أفريقيا. موضوع حساس لكنّه تطرق إليه بوضوح. كان صريحا وصادقا متقبلا أن بعض وزرائه في ذلك الحين كانوا فاسدين. في معظم الأحيان، لا نرى هذه السمات في الحكام.
> من من الآخرين الذين قابلتهم رسخوا في ذاكرتك؟
- قابلت الكثير من الناس خلال السنين. بعضهم كان مذهلا، وآخرون لا. بالنسبة لي، تهمني علاقة الشخص مع الحقيقة. هذه العلاقة هي التي تفرّق ما بين الشخصية الجادة والسياسي المهتم فقط بالدفاع عن نفسه. خلال فترتها في رئاسة الوزراء ببريطانيا، كنت أقابل الراحلة مارغريت ثاتشر كثيرا. كانت شخصية صعبة للحوار. وكانت حادة الذكاء ومطلعة جدا. ومعها لم يكن هناك حيز للخطأ، لأنّها كانت تُصحّح لك. لم أحبها كثيرا كإنسانة، ولكنّني كنت معجبا بها. قابلت الكثير من القادة العرب على مدار السنوات منهم بشار الأسد.
> ما كان رأيك ببشار الأسد؟
- قابلته عام 2006، أي قبل الحرب بسنوات. في تلك الفترة بدأ لي طبيب عيون من شمال لندن أكثر من كونه رئيسا سوريا. طرحت عليه العديد من الأسئلة الصعبة، وأجاب عليها كلّها. كان فريق عملي والمنتج تحديداً، قلقين جداً من جرأة الأسئلة خصوصا عندما سألته عن الرجل الأول في سوريا الذي يدير البلاد إن كان هو أو شقيقه أو عمه. لو قابلت بشار الأسد اليوم سيكون الحوار مختلفا وسأسأله عن الاختراقات الشنيعة التي ارتكبها بقوانين الحرب، وسلسلة من أسوأ أمثلة الاعتداءات على المواطنين في التاريخ الحديث. يحمل بشار عبء ذنب ذلك.
> من قابلت أيضا من القادة العرب؟
- قابلت الراحل معمر القذافي عدة مرات، وفي كلّ مرّة كنت أعتقد بأنه على الأرجح مجنون. وحتى اليوم، لا أستطيع أن أفهم كيف استطاع الاستمرار كل تلك السنين. كانت آراؤه غريبة وعشوائية إلى حد الجنون. قابلت أيضا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. كان حاد الذكاء. المقابلة كانت جميلة فعلا، وبعدما انتهينا راودني شعور بالارتياح والسعادة لأنّ فرصة مقابلته تسنت لي، وقلما يترك سياسي مثل هذا الشعور داخل الصحافي. لن أنسى مقابلتي مع العاهل الأردني الملك عبد الله التي كانت رائعة. لقاءاتي المفضلة على الإطلاق ولأسباب كثيرة كانت مع الملك الراحل حسين بن طلال. كان رجلا ساحرا، وورث أبناؤه هذه الصفة عنه. تشمل القائمة أيضا الكثير من رؤساء وزراء لبنان الذين يتغيرون دائما. كما كان لدي اهتمام خاص بإيران. وللأسف اليوم، فإن خدمة «بي بي سي» الفارسية أرعبت حكومة طهران، وباتت تمنع أي صحافي منها السفر إلى هناك. لكنّني أتمنّى العودة حتى في إجازة، حيث انغمست بالحضارة وتعلمت اللغة الفارسية وقابلت الخميني.
> ما رأيك بالخميني؟
- الخميني عالق في الماضي. كل ما يهمه أحداث ولت، منها الشاه ووالده والدور الذي لعبه الغرب في إيران في ذلك الزمان. وهمه الآخر كان محاربة صدام حسين، وبعيدا عن ذلك كانت حياته فارغة. كان دوماً على مسافة مع من يحاوره، يرفض أي نوع من العلاقات. بعدها خلفه رفسنجاني، كان لديه حس فكاهة وكان أكثر وعيا بالحقائق العالمية، ومقابلته كانت أكثر إمتاعا.
> ماذا عن رؤساء الولايات المتحدة؟
- لم أكن معنيا كثيرا بتغطية الشأن الأميركي، فلدى «بي بي سي» مكتب ضخم وكادر كبير هناك، لذا لم تستدعني الحاجة للسفر إلى هناك. ولكنّني قابلت الكثير من الرؤساء منهم بيل كلينتون وجورج بوش الأب. والتقيت أوباما ورغم أنّه كان ذكيا جدا، إلا أنّه لم يكن من «الوزن الثقيل». شعرت أنّه حاول جاهدا كسب ودّي. كنت من القليلين الذين لم يتحمسوا كثيرا في بداية رئاسته. هو رجل نزيه بلا شك، لكنّه ليس رئيسا جيدا برأيي.
> عادة ما تضحي «بي بي سي» بأن تكون هي الأولى في نشر الخبر في سبيل التأكد من مصداقيته وقلما تحقق الهيئة سبقا صحافيا. ما رأيك بذلك؟
- الهيئة لا تحب نشر قصص يُحصّلها مراسل واحد لديها، وهي تشعر بنوع من الارتياح عندما ينقل الخبر من قبل جريدة أو منبر آخر. مثال على ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982. كنت أنا وزميلي في «بي بي سي» أول من اكتشفها. واستطعنا إذاعة مقاطع وصور لعشرات الجثث المرمية. لم تكن «بي بي سي» سعيدة بالانفراد بخبر المذبحة، ولكن «رويترز» سرعان ما نشرت الخبر أيضا. أؤمن برسالة الهيئة وإلحاحها على نشر أخبار دقيقة دائما، لكن حذرها الشديد يغضبني أحيانا. فعلى سبيل المثال، خلال إحدى مهماتي الأخيرة في العراق، وثّقت حالات عيوب خلقية عند أطفال في بلدة صغيرة. وأكّد الأطباء عليها، وكان الوصول إلى تلك البلدة تحديا كبيراً، فقد كانت تشهد غزوا من مقاتلي تنظيم داعش حينذاك. ولكنّنا استطعنا الوصول والتقاط الكثير من الصور للأطفال، وأثبتنا أنّ تلك العيوب الخلقية قد يكون سببها أسلحة استخدمها الجيش الأميركي قبل انسحابه من هناك. وكانت «بي بي سي» قلقة جدا من التقرير، لكنّنا نشرناه أخيرا.
> سيرتك مليئة بالمخاطر. منها في أفغانستان. حدثنا عنها.
- خضت مخاطر جنونية عدة في أفغانستان، بعضها لم أخطط له ولكنّه حدث. في عام 1989 عندما كانت القوات الروسية تنسحب من هناك، وتم تهريبي أنا ومصوري إلى كابل من قبل إحدى الجماعات المسلحة، لم نكن نعي مدى خطورة ذلك. وقد أُفشي أمرنا إلى الشرطة السرية وعلقنا في اشتباك مسلح. استطعنا الهروب ولكن حاوطتنا جثث عناصر الشرطة الذين هجموا على المنزل الذي كنا نختبئ به. وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، طوّقت طالبان أفغانستان كليا، وهدّدت بقتل أي صحافي يتسلل إلى البلاد. لكنّني لا أحب أن يملي علي شخص القوانين ولا أن يمنعني من فعل شيء، لذا بحثت عن طريقة لدخول أفغانستان. وبالفعل تعرفت على جماعة من مهربي البضائع من باكستان إلى أفغانستان، وقبلوا تهريبي بشرط واحد، وهو ارتداء الشادور الأفغاني، فقبلت.
> ما كان شعورك عندما ارتديت الشادور؟
- كان مروعا. الشادور انتزع مني قوتي وشعرت بنفسي مستكينة. واستغربت من سرعة تأثيرها على تصرفاتي، أصبحت أتلقّى الأوامر وأُطيعها، الأمر الذي تتعرض له النساء الأفغانيات.
> هل تشعر بأنّه يجب عليك أن تحارب داخل «بي بي سي» لتُرسل لتغطية الأحداث؟
- هذا صحيح معظم الأحيان. ففي مؤسسة ضخمة مثل «بي بي سي» لدى المرء الكثير من المنافسين، فهي بيئة تنافسية. وكان علي دائماً، أن أبذل جهدي، وأتّبع طرقا متعددة من التنمر للجوء إلى علاقاتي، الأمر الذي قلل من شعبيتي بين زملائي. أمر مؤسف، لكن هنالك أمور أكثر أهمية من الشعبية.
> كنت أول مراسل لدى «بي بي سي» توظف خدمة «الأونلاين» لنقل الأخبار. صحيح؟
- نعم. ولكن كنت سباقا في أمر يشعرني بفخر أكبر. كنت أول مراسل في العالم يخرج ببث مباشر وحي من وسط القتال، وكان هذا في أفغانستان عام 2001.
> نرى أنك تواكب التطور التكنولوجي ولديك حساب موثق ونشط على «تويتر» وأكثر من 50 ألف متابع. لماذا؟
- يجب على المرء مواكبة التغيرات. زميلي في «بي بي سي» لا يزال يعتمد على الآلة الكاتبة إلى اليوم. لكنّني أرى ضرورة التماشي مع الموجة، وعدم فعل ذلك يعرضك للنسيان. أحب «تويتر» ولكنّني لست جيدا على «فيسبوك». التكنولوجيا مهمة جداً خصوصاً في مجال صناعة التلفزيون، وعلي المواكبة. فعندما يصبح المرء في سني من السهل أن يتوقّف عن ذلك، ولكنّني أدفع نفسي للمواصلة دائما.
> ما هي أهم نصيحة توجهها للصحافيين الشباب؟
- نعيش اليوم في عالم متغير، فقد قلّت شعبية أخبار الجرائد والتلفزيون والراديو. لم يعد يطلب الناس الأخبار والمعرفة بل يفضلون البقاء في قاعاتهم لسماع صدى آرائهم عوضا عن التعرف على الآراء المختلفة. على الصحافيين الشباب بالذات، محاربة هذه الظاهرة. الصحافة ستموت إن اخترنا كتابة وبث ونقل الأخبار التي ترضي الناس. التحدث أصعب اليوم لأنّ الصحافة المؤسساتية في انحدار. ونحن بأمس الحاجة للدم الشّاب في المرحلة المقبلة. الصحافة ليست مهنة مربحة ماديا، ولن تُغني من يمتهنها. ولا بدّ على من اختارها أن يبقى صادقا لصوته وألا يصبح صوتا لأحد آخر.
> ما مشروعك المقبل؟
- قرّرت خوض عالم الخيال وأعمل حاليا على كتابة رواية عن روسيا. لكنّ عملي التلفزيوني هو الأولوية. سافرت قبل 25 سنة إلى البرازيل وعلى أطراف الأمازون عثرت على قبيلة نائية ليست على صلة بالعالم الخارجي. أريد العودة إلى هناك قريبا لأرى ما حدث لأهالي القبيلة، وآمل أنّهم لا يزالون على حالهم، ولا يرتدون قمصان «مانشستر يونايتد».

 



خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».


«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.