باموك في طهران... وليل الرقابة الطويل يفسد زيارته

دور النشر تواجه خطر الإفلاس... وتراجع الشراء في معرض إيران الدولي للكتاب

باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
TT

باموك في طهران... وليل الرقابة الطويل يفسد زيارته

باموك في أحد مقاهي طهران التراثية
باموك في أحد مقاهي طهران التراثية

«على الصعيد الشخصي، بصفتي كاتباً إيرانياً، أشعر بالخجل من أسلوب التعامل مع أورهان باموك». هذا ما قاله مصطفى مستور الروائي الإيراني الأكثر قراءة، وهو واحد من قلائل الكتاب الإيرانيين الذين احتجوا على حظر فعاليات الروائي التركي الفائز بجائرة «نوبل» أورهان باموك على هامش معرض طهران الدولي للكتاب. الآخرون للأسف التزموا الصمت.
باموك الذي تحظى مؤلفاته باهتمام كبير من القارئ في إيران، تزامنت زيارته إلى طهران مع معرض الكتاب هذا العام لكي يشارك في عدد من الفعاليات؛ مثل توقيع كتبه في المعرض، وإلقاء خطاب في «بيت العلوم الإنسانية»، إضافة إلى توقيع كتبه في إحدى دور النشر وسط العاصمة.
لم يذكر المسؤولون في الجهات المعنية سببا لإلغاء الفعاليات، لكن الروائي مصطفى مستور في حسابه الرسمي عبر شبكة «إنستغرام» قال تعليقا على المنع: «بغض النظر عن أنه (المنع) غير أخلاقي وغير مدني، توضح هذه الحالة إلى أي درجة يجهل بعض المسؤولين في الأجهزة الثقافية مفاهيم مثل التنمية الثقافية والتعاون الثقافي»، مشيرا إلى وجود «نظرة أمنية» خلف ستار منع أنشطة باموك. بأيام قبل ذلك، قال أحد النواب المحافظين في البرلمان الإيراني إن باموك «ضد الدين وضد الثقافة والأمن»، مطالبا الأجهزة الاستخباراتية بملاحقة منظمي هذه الأنشطة. هنا نفهم كيف تتعامل السلطة مع الفعاليات الثقافية.
باموك ليس اسما مجهولا في الأوساط الثقافية والأدبية في إيران... كتبه المختلفة ترجمت إلى اللغة الفارسية وصدرت في عدة طبعات. من أجل ذلك، لم يكن مستغربا أن تحظى زيارته باهتمام كبيرة في إيران، سواء من جانب القراء أو وسائل الإعلام.
وتشير التقارير إلى أنه على الرغم من حظر أنشطة باموك في معرض الكتاب، فإن المئات من معجبيه وأهل الأدب طرقوا أبواب دار النشر التي استضافته؛ دار نشر «ققنوس». وعلى صعيد وسائل الإعلام، فإن ثلاثاً من أهم الصحف التي تمثل الجيل الجديد في إيران (صحف «اعتماد» و«شرق» و«سازندكي») خصصت صورة الصفحة الأولى والعنوان الرئيسي لزيارة باموك وأجرت حوارات مفصلة مع الروائي التركي.
باموك أظهر للقارئ الإيراني في الحوارات الثلاثة مدى اطلاعه الواسع على الفكر الإيراني. تحدث بإسهاب ووعي عميق عن آراء علي شريعتي وحسين نصر وداريوش شايغان وصادق هدايت، وانتقد بشدة سياسات الرقابة، معرباً عن أمله بأن تحترم السلطات الإيرانية حق التعبير.
وأورهان باموك هو الفائز الوحيد بجائزة «نوبل» للآداب الذي يزور طهران بعد الثورة الإيرانية في 1979. ومن هذا المنطلق، فإن حضوره ومنع فعالياته قد يعد أهم حدث في الدورة الحادية والثلاثين من المعرض، حتى أكثر أهمية من عدم حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني مراسم الافتتاح.
وخارج هذا الحدث، فإن المعرض، الذي ينظم بعد 31 عاما في جامع، يكشف، كما يقول ناشر كبير لـ«الشرق الأوسط»، الوضع المأساوي للكتاب في إيران.
يقول الناشر، الذي يفضل عدم ذكر اسمه، إن عددا كبيرا من أصحاب دور النشر اتجهوا لأعمال أخرى، فعدد طبعات الكتب غير الدراسية لا يتجاوز عادة 300 نسخة، مما يظهر تراجعا بنسبة 90 في المائة مقارنة بالسابق، وحتى هذا العدد القليل لا يجد طريقه للبيع. فنظرة خاطفة على نسبة القراءة تبين أنها واحدة من أقل المعدلات في العالم.
ووراء ذلك عدة أسباب؛ منها الأسعار المرتفعة للكتب، وتفاقم سعر الدولار، فالورق أغلبه مستورد. وكان وزير الثقافة الإيراني قد وعد في مراسم افتتاح المعرض بأن توفر الحكومة الورق بسعر الدولار الرسمي. قال ذلك بتفاخر. لكن الناشرين يقولون خلاف ذلك.
وفي صالة دور نشر الكتب الأجنبية، يمكن رؤية تأثير السعر على شراء الكتب بشكل أوضح. صالة تضم نحو 400 دار نشر وتعاني اليوم من تراجع الزيارات بشكل مثير للقلق. سألت البائع عن سعر رواية، فقال إنه 1.7 مليون ريال، أي ما يعادل سدس الحد الأدنى للراتب في إيران. البائع يقول سعر الكتب لم يرتفع، لكن قيمة العملة الإيرانية تراجعت.
لكن الأسعار ليست المشكلة الوحيدة. يقول ناصري، ناشر مختص بنشر كتب علم الاجتماع، إن «أصعب شيء نواجهه هو الرقابة، مما تسبب في بقاء عشرات الكتب في مخازن وزارة الثقافة لعدم حصولها على رخصة النشر لمعارضتها السياسات الرسمية».
الحكومة ورئيس الجمهورية روحاني وعدوا مرارا بحل المشكلة، لكن الوضع على ما يبدو يزداد سوءا. بحث بسيط في المطبوعات يبين أن هناك كمّاً كبيراً من الكتب لم يحصل على ترخيص بسبب قضايا فكرية مخالفة لـ«سياسة الدولة». وتكون المشكلة لافتة عندما يجاز كتاب ما، لكن السلطات تجمع الكتاب من الأسواق بعد نشره بسبب ضغوط بعض «المراكز الآيديولوجية». نموذج لهذا حدث في معرض هذا العام، فقد صادرت السلطات 35 كتابا لتعارضها مع «قوانين الجمهورية الإسلامية»؛ على الرغم من أنها كانت قد حصلت على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام للنشر، هذا فضلا عن عشرات الكتب التي صادرتها السلطات لاستخدامها تسمية «الخليج العربي».
إلهام فتاة محجبة تعمل في إحدى دور النشر المقربة من الأجهزة الدينية، تتساءل: من يقول إن الكتاب في أزمة؟ مبيعاتنا كانت جيدة.
ولكن عندما تلقي نظرة إلى كتب دار النشر التي تعمل بها إلهام تجد أن الصبغة الطاغية هي الدينية وخاصة الطائفة الشيعية. وعندما تنظر للأسعار تجدها أسعاراً معقولة. وهي تعترف أن وزارة الثقافة لديها حصة كبيرة من مبيعات دار النشر، ما يعادل 25 في المائة. وهذا يظهر أن وزارة تدعم هذا الفريق من دور النشر وهذا النوع من الكتب.
«الكتاب يجب أن يهدي الإنسان ونقيض ذلك يكون كتابا ضالا يحرم بيعه وحيازته». هذا رأي المرجع الشيعي مكارم شيرازي، المرجع المتشدد المقرب من الحكومة والذي يملك إحدى دور النشر المشاركة في المعرض. والكتاب الضال برأيه هو الكتاب الذي لا يعكس وجهة الحكومة والمؤسسات الرسمية!
هذا الدعم من الجهاز الديني كان السبب في تزايد مبيعات الكتب الدينية مقارنة بالعام الماضي، على الأقل من حيث الأعداد، إذ كانت حصيلة المبيعات في معرض كتاب طهران هذا العام 1000 مليار ريال، وهو ما يظهر ارتفاعا بنسبة 10.5 قياسا إلى نسخة العام الماضي من المعرض. وزير الثقافة يتفاخر بذلك لكنه لا يشير إلى التضخم السنوي الذي إذا حسبناه ستكون النتيجة تراجع المبيعات مقارنة بالعام الماضي؛ التضخم في مجال الكتب كان بين 15 إلى 20 في المائة.
لكن أهل الكتاب يختلفون مع الوزير. يقول كاتب: «إنهم يبيعون الكتب الدينية إلى درجة تغطي تراجع المبيعات في الحقول الأخرى».
هذا وشارك في معرض طهران للكتاب الدولي الـ31 أكثر من 2300 دار نشر من بينها 400 دار نشر أجنبية في مصلى بطهران، وهو أكبر حدث ثقافي في بلد تحولت فيه صناعة الكتاب إلى صناعة مفلسة بسبب سياسات الحكومة. ونموذج ذلك، الاختفاء اليومي للمكتبات في شارع «انقلاب» وسط طهران، القلب النابض للكتاب في البلاد، التي تحولت إلى متاجر لبيع السلع الأخرى.



أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
TT

أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

ونعت عائلته الفنان الذي توفي بسلام إثر مضاعفات إصابته بالتهاب رئوي حاد.

وجاء في البيان، الذي أصدرته ابنتاه، الممثلتان إميلي وديزي هيد: «إن حزننا يفوق كثيراً الفراغ الذي تركه خلفه، لكننا نعلم أن إرثه سيظل حياً في الأعمال التي شارك فيها، وفي قلوب الجماهير التي أحبته».

من إعلانات القهوة إلى هوليوود

تميز هيد بأسلوبه اللندني الأنيق، وصوته الباريتوني الرخيم. وبدأت رحلته الشائقة نحو النجومية من عاصمة الضباب، إذ حقق شهرة واسعة في بريطانيا خلال ثمانينات القرن الماضي عبر سلسلة إعلانات تلفزيونية شهيرة لقهوة «نسكافيه غولد بليند»، التي صيغت كقصة رومانسية متسلسلة خطفت أنظار الملايين.

ولم تلبث هذه الجاذبية التلفزيونية المبكرة أن فتحت له أبواب الدراما العالمية، حيث انتقل إلى هوليوود ليصنع حقبة ذهبية امتدت لسنوات.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

الروائي والموجّه الروحي في «بافي»

في أواخر التسعينات، رسّخ هيد مكانته كأحد الوجوه الثابتة في الذاكرة الشعبية الغربية من خلال تجسيده شخصية «روبرت جايلز» في المسلسل الأميركي الشهير «بافي قاتلة مصاصي الدماء» (Buffy the Vampire Slayer).

وقدّم في هذا العمل شخصية أمين المكتبة والموجّه الروحي ذي الطابع البريطاني الرصين والمحبب، وهو الدور الذي منحه قاعدة جماهيرية عريضة عابرة للقارات.

مرونة الأداء بين الملحمة والكوميديا المعاصرة

ولم تتوقف ديناميكية هيد الفنية مع تقدم العمر، بل نجح في تجديد جلده الفني مبرهناً على قدرة استثنائية في الانتقال بسلاسة بين الأعمال التلفزيونية المعاصرة والدراما الفانتازية الملحمية. ففي مسلسل «ميرلين»، أطل النجم الراحل على الجمهور العربي والعالمي بعباءة الملك الصارم «أوثر بنميدراغون»، مقدماً أداءً تراجيدياً وازناً لخّص صراع السلطة والمسؤولية.

وفي المقابل، تألق هيد في السنوات الأخيرة بتقديم شخصية «روبرت مانينغيون»، المالك السابق الشرير لنادي «إيه إف سي ريتشموند» في المسلسل الكوميدي الشهير «تيد لاسو». وهو الدور الذي نال عنه إشادات نقدية واسعة، نظراً لقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات ذات البعد السيكولوجي المعقد بلمسة من الخبث الساخر.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

مأساة عائلية تسبق الستار الأخير

ويأتي رحيل أنتوني هيد متأثراً بمرضه ليعمق أحزان عائلته الفنية والمقربين منه، إذ واجه النجم البريطاني شهوراً صعبة ومريرة بعد وفاة شريكته ورفيقة دربه الطويل، الناشطة في مجال الرفق بالحيوان سارة فيشر، التي غيّبها الموت في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025. ومع إسدال الستار على مسيرته الحافلة، تودع الدراما البريطانية برحيله فصلاً غنياً من فصول المسرح والتلفزيون، فصلٌ ميزه فنانٌ قدير عاش شغوفاً بمهنته، وظل مخلصاً لأدواته التعبيرية حتى رمقه الأخير.


مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني، بتل كوم عزيزة الأثري بمحافظة البحيرة، وتضمَّن الكشف مجموعةً متنوعةً من أنماط الدفن، شملت حفر دفن بسيطة للموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، بالإضافة إلى عدد من الدفنات داخل توابيت جصية ملونة، وأخرى داخل توابيت فخارية برميلية الشكل، تُعدُّ من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.

و«يعكس هذا الكشف الأثري الجديد الأهمية الكبيرة التي يتمتَّع بها موقع تل كوم عزيزة الأثري بوصفه أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا، والتي لا تقتصر أهميتها على ما تضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، بما يسهم في إثراء المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر العصور»، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار شريف فتحي، في بيان للوزارة، الجمعة.

الموقع تضمَّن أنماطاً مختلفة للدفن (وزارة السياحة والآثار)

في حين أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أنَّ الدراسة الأولية للبقايا الآدمية بالموقع كشفت عن تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل الدفنات الفردية أو الجماعية، حيث اختلفت اتجاهات الدفن، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين الوضع المضموم والمتقاطع فوق منطقة الحوض، أو حول العنق، أو في الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، فضلاً عن الوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين، الأمر الذي يعكس تعدُّد الممارسات الجنائزية وأساليب تجهيز الموتى قبل الدفن.

وأضاف، عبر البيان، أن «دراسة الطبقات الأثرية بالموقع أوضحت أنَّ الجبانة التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني أُقيمت فوق مستويات استيطان أقدم، حيث كشفت اللقى الأثرية عن شواهد تؤكد استيطان الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة، مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر، وصولاً إلى العصرَين اليوناني والروماني».

وإلى جانب الدفنات المتنوعة عثرت البعثة في الموقع على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أوانٍ فخارية وحجرية استُخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى مجموعة من الأفران وأواني التخزين. كما كشفت الحفائر عن كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، بما يلقي الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

عدد من اللقى الأثرية في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

في حين أكد المدير العام لمنطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر الأثرية، خالد عبد الغني فرحات، أنهم عثروا على دفنات كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود «ست» في المعتقدات المصرية القديمة، الأمر الذي قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه.

وأضاف أن «نتائج أعمال الحفائر تؤكد أنَّ موقع تل كوم عزيزة الأثري يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات، إذ شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم، قبل أن يتحوَّل خلال فترات لاحقة إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف. كما تؤكد الأهمية الاستثنائية للموقع، حيث إنَّه ليس فقط جبانة أثرية، بل يُعدُّ سجلاً أثرياً متكاملاً يوثِّق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة».


هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

في موقف عَدَّه البعض جاء متأخراً، ورآه آخرون ليس كافياً، قدَّم رئيس «مهرجان الإسكندرية السينمائي»، الأمير أباظة، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وذلك بعد 3 أيام من قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية بعدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقرراً إقامتها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، عقب اجتماع اللجنة برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة؛ بسبب ما وصفته اللجنة المنوط بها تقييم المهرجانات بـ«تراجع مستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة، وعدم تحقيقه الأهداف الثقافية والفنية التي تأسَّس من أجلها»، وفق بيان لها.

وأعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة الـ42، مؤكداً أنَّه ترك منصبه تغليباً للمصلحة العامة. وقال: «ليس مهماً أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى المهرجان منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية».

وقال أباظة، عبر بيان الاستقالة، إنه «تعرَّض لحملة تشهير وتشويه»، على حد تعبيره. وإنه إذا كانت المشكلة في شخصه فهو يترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار مَن يشاء لقيادة سفينة المهرجان، لافتاً إلى إنجازات حقَّقها المهرجان خلال رئاسته له على مدى 13 دورة.

وفتحت استقالة رئيس المهرجان الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية استئناف نشاط المهرجان وإقامة دورته لهذا العام، مع اختيار رئيس جديد لها بالتوافق مع اللجنة العليا للمهرجانات ووزارة الثقافة.

وترى الناقدة ماجدة خير الله أن «استقالة أباظة لا بد أن تُمهِّد لاستئناف المهرجان نشاطه وعقد دورته المقبلة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ وجود الأمير أباظة كان يمثِّل مشكلةً للبعض، لكن قرار إيقاف المهرجان كان متعجلاً، فلماذا نضحي بمهرجان عريق لمشكلة فردية، ولطالما واجه المهرجان نفسه مشكلات ولم يتوقَّف»، مشدِّدة على أنه «من المهم عقد الدورة المقبلة في موعدها بعد اختيار مجلس الإدارة لرئيس جديد للمهرجان».

وأكدت ماجدة أن «جمعية كتاب ونقاد السينما التي تنظِّم المهرجان تضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة تصلح لرئاسة المهرجان، وهم أقدر على إنقاذ هذه الدورة»، مبدية مخاوفها من أن «وقف المهرجان ولو لدورة واحدة ليس في صالحه، وقد يفقده ثقة صناع الأفلام ويؤثر على سمعته، وقد يغري هذا التوقف جهات بوقفه إلى الأبد، مضحين بالمكانة التي حقَّقها المهرجان على مدى سنوات انعقاده الطويلة»، وفق تعبيرها.

في حين وصفت الناقدة ميرفت عمر، عضوة مجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما والمدير الفني للمهرجان، استقالة أباظة بأنها «جاءت متأخرة، ولو كان طَرَحَها من البداية لكان لها تقدير كبير، ولجَنَّبت المهرجان ما وصل إليه، لكنها الآن ليس لها أي مردود، فهو يعلن استقالته من دورة توقَّفت بقرار وزاري، كمَن يعتذر عن منصب لم يعد فيه».

ليلى علوي خلال تكريمها في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ اللجنة العليا للمهرجانات أصدرت قراراً نهائياً ولا رجعة فيه بالنسبة لعدم عقد دورته الـ42، وأنَّ استقالة رئيس المهرجان الآن لن تغيِّر من الأمر شيئاً»، مؤكدة أنَّها طلبت إعفاءها من منصبها منذ بدء تراجع مستوى المهرجان وعدم الاهتمام بصناع الأفلام، قائلة: «كانت هناك وعود واتفاقات براقة لإنقاذ المهرجان وتجاوز أخطائه، لكنها لا تنفَّذ على أرض الواقع»، ولفتت إلى أنَّها تقدَّمت وزميلها محمد شكر بمذكرات لوزارتَي الثقافة والتضامن؛ لبحث كثير من الأسئلة التي لم يجدا لها إجابات لدى المهرجان تتعلق بدورتيه السابقتين.

ويرى الناقد الفني المصري سمير شحاتة أنَّه «بعد استقالة الأمير أباظة يحتاج المهرجان لهيئة تديره بمعطيات تلائم العصر الحالي وليس بالطريقة التي كانت تدار بها المهرجانات منذ 20 عاماً»، مستبعداً عقد المهرجان هذا العام وفقاً لقرار اللجنة العليا للمهرجانات، لافتاً إلى أنه «من الصعب تقديم دورة ناجحة سوى بتوافق بين الجمعية ووزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصلاح لا بد أن يكون من الداخل، وأن اللجنة العليا للمهرجانات طالبت قبل ذلك بحل مشكلات المهرجان ولم تجد استجابة، بل كانت المشكلات تتفاقم». وأوضح أنه «من ضمن مشكلات المهرجان عدم وجود صف ثانٍ لقياداته، وعدم خروجه للجمهور السكندري».

وكان شحاتة قد اعتذر عن عدم تولي منصب مدير عام المهرجان «بعد أيام من إسناده له، وبعدما تقدَّم بورقة بإصلاحات مطلوبة ولمس صعوبة تحقيقها»، وفق قوله.

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط عام 1979 ولعب على مدى عقود دوراً مهماً في تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط.