أميركا تفتتح سفارتها في القدس... وترمب يتمسك بعملية السلام

وسط احتجاجات فلسطينية واسعة

سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان يصفق لجاريد كوشنر في احتفال افتتاح السفارة في القدس أمس (أ.ف.ب)
سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان يصفق لجاريد كوشنر في احتفال افتتاح السفارة في القدس أمس (أ.ف.ب)
TT

أميركا تفتتح سفارتها في القدس... وترمب يتمسك بعملية السلام

سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان يصفق لجاريد كوشنر في احتفال افتتاح السفارة في القدس أمس (أ.ف.ب)
سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان يصفق لجاريد كوشنر في احتفال افتتاح السفارة في القدس أمس (أ.ف.ب)

في وقت انفجرت فيه صدامات واسعة سقط خلالها عشرات القتلى ومئات الجرحى الفلسطينيين برصاص الجنود الإسرائيليين في مناطق مختلفة من فلسطين لا سيما على حدود قطاع غزة، أقيم في القدس الغربية أمس احتفال كبير بمناسبة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب. واعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومبعوثوه إلى الحفل هذا الحدث «بداية لعملية السلام»، فيما اعتبره الفلسطينيون «تدميراً لعملية السلام».
وأقيم الاحتفال بافتتاح السفارة الأميركية في القدس الغربية وسط تدابير أمنية مشددة، انتشر بموجبها آلاف من رجال الشرطة والمخابرات والقناصة في أحياء المدينة وتم خلالها إغلاق عشرات الشوارع والأحياء. وأقامت لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب في إسرائيل بمشاركة رئيس وأعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) من القائمة المشتركة إضافة إلى ممثلين عن القوى الوطنية الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة وبعض قوى اليسار اليهود من إسرائيل والولايات المتحدة، مظاهرة احتجاج على مقربة من مقر السفارة الجديد. وأقامت قوى اليمين المتطرف مظاهرة أخرى مقابلها. ووقعت صدامات بين الطرفين، وانضمت الشرطة الإسرائيلية إلى متظاهري اليمين واعتدت على عدد من المتظاهرين العرب واعتقلت تسعة منهم.
وقالت عايدة توما، عضو الكنيست عن القائمة المشتركة، إن «الشرطة قمعت المظاهرة لأنها لا تريد أن يسمع العالم صوتاً آخر في إسرائيل ضد نقل السفارة». وقال أحد المتظاهرين: «جئنا هنا عرباً وإسرائيليين وأميركيين لنتظاهر ضد قرار ترمب بنقل السفارة، فهو قرار سياسي أعدم آمال حل الدولتين». وأضاف: «القدس يجب أن تكون عاصمة لدولتين: فلسطين وإسرائيل».
وفي باحة السفارة الجديدة أقيم الاحتفال بحضور 300 أميركي و500 مدعو إسرائيلي. وكان في مقدمة المشاركين الأميركيين وزير الخزانة، ستيف منوتشين، وصهر الرئيس الأميركي مستشاره الخاص جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترمب، ونائب وزير الخارجية، جون سوليفان، والقس روبرت جيفرس، وكذلك شلدون أدلسون، صاحب الكازينوهات الداعم لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والذي يصدر له صحيفة يومية بالعبرية في تل أبيب. وبرز غياب أي عضو كونغرس من الحزب الديمقراطي الأميركي، ولا حتى أي من أعضائه اليهود. وبرز في الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى نتنياهو، كل من رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، وجميع الوزراء إضافة لمسؤولين كبار بينهم مفتش الشرطة العام، روني الشيخ، ورئيس الموساد، يوسي كوهن، كما برز حضور قادة اليمين المتطرف ورؤساء المستوطنات.
وبرز غياب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، وغيره من قادة الجيش، الذين وجدوا في الوقت نفسه على الحدود مع قطاع غزة لمتابعة التطورات. وفرضت أحداث غزة نفسها على الحضور، الذين شوهدوا وهم يتابعون الأحداث بواسطة الهواتف النقالة.
وترأس الحفل السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، الذي أضفى عليه طابعاً دينياً يهودياً، فقال إن «القدس هي أورشليم عاصمة الشعب اليهودي منذ 3000 عام». وقال إن هذا الحفل يعتبر حدثاً تاريخياً يؤكد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل. وقال نائب وزير الخارجية الأميركي، جون سوليفان، خلال الحفل، إن نقل السفارة الأميركية إلى القدس سيحسن فرص السلام. وأضاف: «أولئك الذين يحاولون زعزعة أمن إسرائيل هم جزء من المشكلة وليس الحل». وقال: «الولايات المتحدة ملتزمة بإسرائيل. نحن ملتزمون بتحالفنا. ونحن ملتزمون ببناء مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً معاً».
وفي كلمة مسجلة بشريط فيديو، هنأ الرئيس ترمب إسرائيل بنقل السفارة مردداً أقوال فريدمان بأن «القدس هي عاصمة الشعب اليهودي منذ القدم». وأبدى تفاؤلاً بعقد مفاوضات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قائلاً: «نحن نمد يد الصداقة لإسرائيل وللفلسطينيين ولجميع جيرانهم حتى يكون هناك سلام». وقال: «ستكون الولايات المتحدة دوماً صديقاً عظيماً لإسرائيل».
وكانت الكلمة الأميركية الرئيسية في الاحتفال لمستشار ترمب صهره جاريد كوشنر الذي قال: «إنني فخور جداً بأن أكون هنا اليوم في القدس، القلب الأبدي للشعب اليهودي، التي نعترف بها عاصمة ولذلك نقلنا إليها السفارة». وأضاف: «في الوقت الذي تراجع فيه جميع الرؤساء الأميركيين السابقين عن وعودهم بنقل السفارة، فعل ذلك الرئيس ترمب، لأن الرئيس ترمب يعد ويفي». وتابع: «إسرائيل هي أمة ذات سيادة ولديها الحق في تحديد عاصمتها، وهو حق أي دولة أخرى في العالم».
وتناول كوشنر في كلمته أيضاً الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015. ووصفه بأنه «خطير ومعيب ومنحاز»، مما أثار تصفيقاً حاداً من الزعماء السياسيين والدينيين الذين كانوا يحضرون مراسم افتتاح السفارة، بحسب ما سجّلت وكالة الأنباء الألمانية. ووصف كوشنر القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران بأنه طريقة «لمواجهة التهديدات المشتركة التي أتاحت فرصاً وشراكات لم يكن من الممكن تصورها من قبل». وقال إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب أقر الأسبوع الماضي بحقيقة أخرى والتزم بوعد آخر، عندما أعلن اعتزامه الانسحاب من الاتفاق الخطير والمعيب والمنحاز مع إيران». وأشار إلى أنه «من خلال مواجهة التهديدات المشتركة والسعي إلى تحقيق المصالح المشتركة، تبدأ في الظهور فرص وتحالفات لم يكن من الممكن تصورها من قبل».
وعبّر ريفلين عن شكره لترمب على نقل السفارة وقال: «نأمل ونتوقع أنه على أعقابك ستسير دول أخرى في طريقك». أما نتنياهو فقال في كلمته: «هذا يوم عظيم. يوم عظيم للقدس. يوم عظيم لدولة إسرائيل. يوم سيحفر في ذاكرتنا الوطنية لأجيال». ووجه نتنياهو الشكر للرئيس الأميركي لـ«شجاعته» على الوفاء بوعده بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. واختتم نتنياهو كلمته قائلاً إن القدس ستبقى «العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل»، مشيراً إلى أن «ليس لدينا صديقة أفضل في العالم (من أميركا). أنتم تقفون إلى جانب إسرائيل والقدس. تذكروا هذه اللحظة. إنها تاريخية. وباعتراف بالتاريخ صنع الرئيس ترمب تاريخاً».
ووزعت وزارة الخارجية الأميركية بياناً للوزير مايك بومبيو قال فيه: «أشعر بالفخر اليوم للاحتفال بافتتاح سفارة الولايات المتحدة لدى إسرائيل في القدس. يفي هذا الحدث الهام بوعد الرئيس ترمب (...) ما زلنا ملتزمين بالدفع قدماً بسلام دائم وشامل بين إسرائيل والفلسطينيين».

احتجاجات فلسطينية
ومن الجهة المقابلة، في أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، تم تنظيم عشرات المسيرات لكن غالبيتها كانت صغيرة ولم تثر اهتماماً. ولكن مسيرة كبيرة نظمت في رام الله ووصلت إلى معبر الحدود مع إسرائيل شمال القدس، قمعتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد انطلقت المسيرة من «ميدان الشهيد ياسر عرفات» وسط مدينة رام الله، باتجاه حاجز قلنديا العسكر. وعندما اقترب المشاركون فيها، قمعهم جنود الاحتلال مستخدمين قنابل الغاز والرصاص المطاطي، حيث أُصيبت سيّدة بالاختناق، وأصيب ثلاثة مواطنين بجروح.
وقال نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إن افتتاح السفارة الأميركية في القدس يخلق مناخاً من التحريض والإثارة وعدم الاستقرار في المنطقة، مستبعداً استمرار واشنطن في دور الوسيط بعملية السلام في الشرق الأوسط. وأضاف أبو ردينة: «بهذه الخطوة تكون الإدارة الأميركية ألغت دورها في عملية السلام وأساءت للعالم وللشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وخلقت مناخاً من التحريض والإثارة وعدم الاستقرار». أما رئيس دائرة المفاوضات أمين عام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الدكتور صائب عريقات فقال إن السفارة الأميركية في القدس هي بمثابة «بؤرة استيطان غير شرعية على أرضنا المحتلة ويجب إزالتها».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.