أميركا تنقل سفارتها إلى القدس وسط توتر اليوم... وعباس يبحث خياراته

دول إسلامية وأوروبية تقاطع «الحفل»... والاحتلال يواصل الاستفزاز بإدخال 1620 مستوطناً إلى باحات الأقصى

الشرطة الإسرائيلية تقترب من فلسطينية تحمل فردتي حذائها في باحة الأقصى أمس (رويترز)
الشرطة الإسرائيلية تقترب من فلسطينية تحمل فردتي حذائها في باحة الأقصى أمس (رويترز)
TT

أميركا تنقل سفارتها إلى القدس وسط توتر اليوم... وعباس يبحث خياراته

الشرطة الإسرائيلية تقترب من فلسطينية تحمل فردتي حذائها في باحة الأقصى أمس (رويترز)
الشرطة الإسرائيلية تقترب من فلسطينية تحمل فردتي حذائها في باحة الأقصى أمس (رويترز)

يستعد الفلسطينيون ليوم طويل ومتوتر مع نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس التي تحولت إلى ثكنة عسكرية كبيرة بانتظار المراسم التي ستحضرها نحو 33 دولة من أصل 70 تقيم علاقات مع إسرائيل. وفيما يجتمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأركان القيادة الجديدة لبلورة رد على الإصرار الأميركي على نقل السفارة، أعلنت الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة يوم زحف كبير. وأعلنت القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية اليوم الاثنين «يوم الالتحام بالقدس عاصمة فلسطين الأبدية» مطالبة بالزحف نحوها لحمايتها وتأكيد عروبتها بمقدساتها الإسلامية والمسيحية. وأكدت الفصائل «رفض القرارات الأميركية التي تمثل ليس فقط انحيازا سافرا للاحتلال وتماهيا مع مخططاته العدوانية وإنما شراكة كاملة في محاولة تصفية القضية الوطنية لشعبنا». ويقابل هذا التحرك في الضفة، دعوات في غزة لمسيرة مليونية على الحدود.
وعلى وقع هذه التحركات الشعبية، يترأس الرئيس محمود عباس اجتماعا هاما للقيادة الفلسطينية لبحث واتخاذ القرارات الممكنة ردا على نقل السفارة الأميركية. ويتوقع أن تتخذ القيادة قرارات تتعلق بتحريك ملفات لدى الجنائية الدولية، والانضمام لمؤسسات ومنظمات دولية حذرت الولايات المتحدة مرارا السلطة من الانضمام إليها، وبحث إمكانية مقاضاة الولايات المتحدة، وتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي بما يشمل العمل على نقل السلطة إلى دولة ووقف الاتفاقات مع إسرائيل.
ودعت الحكومة الفلسطينية أمس، كافة دول العالم التي تؤمن بالحرية والسلام والاستقرار والحفاظ على قرارات الشرعية الدولية إلى الإعلان عن القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، في مواجهة الخروج على الشرعية والقوانين الدولية الذي يمثله استمرار الاحتلال وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب «إعطاء عاصمتنا المقدسة للاحتلال الإسرائيلي»، في أشد تصرفات رؤساء الدول غرابة وفانتازيا في التاريخ. وقال المتحدث باسم الحكومة يوسف المحمود بأن الحكومة تتطلع إلى رفض وإدانة دولية واسعة لنقل ترمب سفارة الإدارة الأميركية إلى القدس المحتلة في الذكرى المأساوية السبعين لنكبة شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية وأضاف المتحدث في بيان «قرار ترمب والتحضيرات الجارية لإقامة (حفل الجنون) أو ما يسمى تدشين القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، هو عدوان سافر على شعبنا وبلادنا وأمتنا ومقدساتنا ويمثل خطوة تشرعن الفوضى على مستوى العالم». ووصف المحمود خطوة الرئيس الأميركي بأنها تحد واعتداء واضح على قرارات الشرعية الدولية والمجتمع الدولي. وأضاف: «فقد سبق لمجلس الأمن الدولي أن رفض الاعتراف بما أصدره الكنيست الإسرائيلي اعتبار القدس عاصمة للاحتلال سنة 1980. كما أن هناك إجماعا دوليا في مجلس الأمن - وقفت ضده الولايات المتحدة فقط -، ينص على أن أي قرارات تتخذ فيما يخص وضع مدينة القدس المحتلة ليس لها أي أثر قانوني وتعد لاغية وباطلة». وتابع: «إنه من هذا المنطلق، ومن منطلق الحفاظ على مبادئ الشرعية الدولية وإحقاق الحق يتعين على المجتمع الدولي التصدي لهذا الخروج والانفلات والعداء الذي سجله الرئيس الأميركي لتلك المبادئ التي من شأن الالتزام بها جلب الأمن والسلام والاستقرار لأبناء البشرية وإبعاد شبح الحرب والخوف والدمار».
ومتحدياً مشاعر الفلسطينيين والعرب، يلقي ترمب، عبر الفيديو، اليوم خطابا أثناء حقل نقل السفارة الذي يحضره عدد من المسؤولين الأميركيين من بينهم إيفانكا ترمب، وهي ابنة ترمب ومستشارة في البيت الأبيض. وحسب الخطة المرسومة ستضم السفارة المؤقتة في منطقة أرنونا مساحة مكتبية للسفير (ديفيد فريدمان) وطاقما صغيرا من الموظفين يضم في المرحلة الأولى 50 شخصا بينهم السفير ذاته ومستشاروه ومستخدمو القنصلية. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتم استكمال بناء المساحة المكتبية الإضافية في المجمع في أرنونا والتي ستوفر للسفير وفريقه سعة موسعة مؤقتة، فيما يواصل معظم موظفي السفارة العيش والعمل في تل أبيب خلال هذه الفترة حتى بناء سفارة جديدة في القدس.
ويتوقع المسؤولون الإسرائيليون أن تستغرق عملية اختيار الموقع والتصميم والتخطيط والحصول على تصاريح وبناء سفارة دائمة سنوات إضافية. ونقل السفارة الأميركية يأتي لاحقا لقرار ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو القرار الذي رفضه الفلسطينيون بشدة وقاد إلى قطيعة بين السلطة والإدارة الأميركية.
وبينما تقاطع غالبية الدول الإسلامية وكذا دول أوروبا الغربية حفل افتتاح السفارة، كان لافتاً أن قائمة الدول المشاركة تضم في معظمها بلداناً من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فإن الدول المشاركة في حفل الافتتاح هي: النمسا وجمهورية التشيك والمجر وصربيا وألبانيا ورومانيا وأوكرانيا ومقدونيا وجورجيا ونيجيريا وأنغولا والكاميرون وجمهورية الكونغو والكونغو الديمقراطية وساحل العاج وإثيوبيا وكينيا وتنزانيا وزامبيا ورواندا وجنوب السودان وميانمار والفلبين وتايلاند وفيتنام وغواتيمالا وهندوراس وجمهورية الدومينيك والسلفادور وبنما وبيرو وباراغواي.
وبإصرار ترمب على نقل السفارة، في هذا الوقت، يثبت أنه غير مهتم للرفض الدولي والعربي والفلسطيني لنقل السفارة، وغير آبه للتداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة، والتي قد تتسبب في تصعيد ميداني كبير، خصوصا مع إصرار الفلسطينيين على رفض الخطوة الأميركية التي تتزامن مع قرار بإحياء ذكرى النكبة بمسيرات ضخمة وكبيرة واحتجاجات واسعة.
وفي القدس، اختلطت التحضيرات الإسرائيلية لافتتاح السفارة الأميركية، مع الاحتفالات الضخمة التي تجريها الحكومة والمؤسسات والأحزاب الإسرائيلية على اختلافها وتنوعها بمناسبة ما يسمونه «تحرير وتوحيد أورشليم»، وهو ذكرى احتلال القدس العربية سنة 1967. ومع الإعلان أن الرئيس ترمب، سيشارك في هذا الافتتاح عبر خطاب يبث بالفيديو مباشرة من واشنطن، أغلقت الشرطة، أمس، شوارع المدينة بشقيها الغربي والشرقي ونشرت عدة آلاف من الجنود ونصبت القناصة على أسطح المنازل والعمارات. ونظم المستوطنون مسيرات استفزازية في قلب الأحياء العربية. وقامت الشرطة بإدخال 1620 مستوطنا إلى باحات المسجد الأقصى المبارك وهم يلوحون بأعلام إسرائيل، فاشتبكوا مع المصلين الفلسطينيين. وسادت أجواء توتر طيلة اليوم. فيما عقدت الحكومة جلستها في متحف التوراة في القدس. وأصدرت الشرطة أمرا بمنع رفع الأذان في مساجد القدس طيلة اليوم الاثنين.
وقد بدأ السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، الاحتفالات بافتتاح مكتبه الجديد في مبنى القنصلية الأميركية في القدس الغربية، أمس، ببث شريط يؤكد أنه سيصبح مبنى القنصلية والسفارة، من خلال تركيب لافتة لشعار السفارة الرسمي على بابها. وكشف أن الرئيس ترمب سيأذن بانطلاق مراسم تدشين السفارة في القدس الثلاثاء المقبل، وسيلقي كلمته في هذه المناسبة عبر الفيديو. وقال السفير: «إننا في غاية السرور وننتظر بفارغ الصبر المشاركة في هذا الحدث التاريخي». وأضاف فريدمان: «نحن مقتنعون بأن هذا القرار يخلق على المدى الطويل فرصة لتقدم السلام استنادا إلى وقائع وليس إلى تخيّلات، ونحن متفائلون نسبيا بأن هذه العملية ستؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من الاستقرار». وذكر أنه سينوب عن ترمب إلى هذه المراسم مساعد وزير الخارجية جون سوليفان، الذي سترافقه إيفانكا ترمب وزوجها جاريد كوشنر مستشار البيت الأبيض.
ووصل غالبية الوفد الأميركي، ويضم 800 شخصية، بينهم وزير الخزانة، وعشرات أعضاء الكونغرس ومعظم السفراء الأميركيين الذين خدموا في الماضي في تل أبيب، وقادة الجاليات اليهودية وأعضاء جمعية الصداقة والغرف التجارية ورجال الأعمال. وأقامت الحكومة الإسرائيلية حفلا كبيرا على شرف المناسبة، بمشاركة الوفد الأميركي، ورئيس الدولة العبرية، رؤوبين رفلين، ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو. وقال نتنياهو، في مستهل الجلسة التي عقدتها حكومته في متحف القدس التوراتي، إن هذا الحدث تاريخي.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».