سلام لـ «الشرق الأوسط»: الاعتذار وحكومة اللون الواحد.. خياران مران

الرئيس المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية يقول إن المقاومة ليست حكرا على فئة أو طائفة

سلام لـ «الشرق الأوسط»: الاعتذار وحكومة اللون الواحد.. خياران مران
TT

سلام لـ «الشرق الأوسط»: الاعتذار وحكومة اللون الواحد.. خياران مران

سلام لـ «الشرق الأوسط»: الاعتذار وحكومة اللون الواحد.. خياران مران

عندما توالت أصوات النواب تصب في مصلحة ترشيح النائب تمام سلام لتأليف الحكومة اللبنانية، اعتقد الجميع أن «كلمة السر» الإقليمية صدرت لصالح تأليف حكومة لبنانية جامعة برئاسة ابن البيت السياسي العريق، وأن ثمة توافقا عريضا على تهدئة الوضع الداخلي اللبناني والنأي به عن أحداث سوريا، انطلاقا من 124 صوتا كلفته تشكيل الحكومة في الاستشارات النيابية الملزمة من أصل 128 نائبا هم أعضاء البرلمان.
لكن، عندما حانت لحظة التأليف، اصطدم الرئيس المكلف بالشروط، والشروط المضادة من الكتل السياسية، ما عطل تأليف الحكومة حتى ما بعد ثمانية أشهر من التكليف، بحيث أصبح الرئيس المكلف صاحب الرقم القياسي في المدة التي استغرقها تشكيل حكومته، وهو رقم مرشح للتعزيز أكثر فأكثر مع تزايد المؤشرات على صعوبة تأليف حكومة، أيا كان شكلها، وهو ما يعترف به الرئيس سلام في حواره مع «الشرق الأوسط»، لكنه ليس في وارد الاعتذار بعد، لقناعته بأن المشكلة ليست في الشخص، بل في الواقع الحالي الذي يمنع أيا كان من تشكيل الحكومة في الظرف الراهن.
أمام الرئيس المكلف، في حال استمر الفراغ، خيار من اثنين مع اقتراب موعد نهاية رئيس الجمهورية من دون ما يؤشر إلى إمكانية إجراء الانتخابات، وهما إما اعتذاره عن تأليف الحكومة، أو تأليف حكومة يراها هو مناسبة بغض النظر عن موافقة بعض الأطراف عليها، وهي ما تسمى بحكومة الأمر الواقع التي قد يوقعها الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، فتصبح حكومة تصريف الأعمال، حتى لو لم تنل ثقة البرلمان، بدلا من الحكومة الحالية بانتظار أن يجري تأليف حكومة جديدة، وهما خياران «كلاهما مر» بالنسبة إلى سلام. وفي نهاية المطاف، يبقى الأمل ضعيفا بتأليف الحكومة في المدى المنظور، إذ يجيب الرئيس المكلف على هذا السؤال، بسؤال آخر: «وهل من أمل بعد بالمطلق من تأليف حكومة؟».
في فم الرئيس المكلف، الكثير من «الماء» عندما يتعلق الأمر بحزب الله ودوره في سوريا، أو في موقفه من تشكيل الحكومة، محملا إياه من دون أن يسميه مسؤولية ضرب المحاولة الأخيرة لتأليف الحكومة وفق صيغة (9 – 9 – 6) التي تعطي الحزب وحلفاءه تسعة وزراء وتعطي قوى «14 آذار» تسعة وزراء آخرين، مقابل ستة وزراء للوسطيين، وهو إلى الرئيس المكلف، رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط. معتبرا أن الحزب «تعامل مع الآخرين بمنطق المنتصر». وفيما يأتي نص الحوار.

* من يتحمل مسؤولية تأخير ولادة الحكومة اللبنانية بعد ثمانية أشهر على التأليف، وهل من فرصة لقيام حكومة في لبنان في الوضع الراهن محليا وإقليميا؟
- إذا كان هناك من فرصة لشيء ما، فهي من خلال شخصية معتدلة، وطنية، وشخصية شفافة، ليست شخصية متهورة ومغامرة، إنما حرصها على الوطن وتقدمه يفوق كل شيء آخر. ما زال هناك أناس متفائلون، وفي المقابل هناك قوى سياسية تتناحر وتتبارز ليلا ونهارا، ولا تقف عند شيء في هذا التناحر أو المبارزة. وهذا هو الأمر الذي يقلق الناس، فإذا اطلعت على بعض استفتاءات الرأي، تجد أن نسبة تحميل الناس مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة لغير الرئيس المكلف هي عالية جدا. وهي وصلت إلى نسبة 80 في المائة. وقد اعتبر 42 في المائة أن المسؤولية تقع على القوى السياسية، و38 في المائة حملوا القوى الخارجية المسؤولية، وفي المقابل 19 في المائة اعتبروا الرئيس المكلف هو المسؤول. بالتالي هذا ما يمنعني من التنازل عن الأمانة، أو أن أغامر بها ويجعلني أصبر وأتمسك بهذا التكليف الذي قام على شبه إجماع والذي أعطى أملا للبلد بأن الأمور تمشي بشكل إيجابي، لكن تبين فيما بعد أن النزاع السياسي ما زال قويا، وعندما طرأت عليه عوامل من العيار الثقيل خارجيا، مثال تورط قوى سياسية كبيرة في البلد في الحرب السورية بشكل كبير ومستمر ومتفاقم، أخل بالتوازنات الداخلية بشكل مباشر، خصوصا أنه إذا كان هناك مآخذ على تورط بعض الأشخاص أو المجموعات، فهذا تورط عفوي وعلى مستوى ضعيف، وقد دفعوا ثمنه لأنهم غير مهيئين ولا محميين من أي جهة، أما هذا الآخر الذي ورط نفسه بهذا الاستحقاق فهو يورط بلدا بكامله.
كل هذا لم يساعد حتى اليوم في تسهيل تشكيل حكومة، رغم المرونة التي تحليت بها في الثمانية أشهر الماضية، عبر طرح تشكيلات وتصورات معينة، وكان آخرها ما جرى طرحه وتفاعلت معه إلى حد ما، صيغة «6 - 9 - 9» (9 وزراء لـ(8 آذار) و9 لـ(14 آذار) و6 للمستقلين) لكن جاءت مواقف بعض الجهات متعالية على ذلك، أو إملائيا في هذا الاتجاه، الأمر الذي لم يرح جهات أخرى، وبالتالي تعثرت الأمور. أنا ما زلت أسعى وأحمل الأمانة بكثير من الشفافية والإخلاص. أردت تحصين هذه الأمانة كي لا تهدر ويتعاطى معها أحد بشكل خفيف. لذلك كنت حريصا دائما أن أقول، إن الرئيس المكلف يجب أن يأخذ بعين الاعتبار رغبات القوى السياسية والتواصل مع هذه القوى للتأليف، وفي المقابل لا يستطيع أحد بالنتيجة أن يلغي دور الرئيس المكلف. ويمكنني القول إنني لا أجد تعاونا من القوى السياسية، لكن هناك تعاونا كبيرا من قبل رئيس الجمهورية، وهذا عامل مهم جدا، لأنه إذا كانت العلاقة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف معطلة أو غير مريحة سوف يكن الأمر أسوأ بكثير. فمواكبة رئيس الجمهورية لي في عملية التأليف يساعد كثيرا.

* نقترب من موعد انتخابات رئاسة الجمهورية، فهل يزيد هذا الموعد من تعقيد الأمور؟
- هناك كلام كثير حول تداخل هذا الاستحقاق مع استحقاق انتخابات الرئاسة مع اقترب موعده، هل سيعرقل أكثر؟ نعم من المؤكد كلما اقتربنا من الاستحقاق الرئاسي وتأخرنا في تشكيل الحكومة ستتعثر الأمور أكثر وتصعب أكثر. كنا نعول على أن الاتفاق الإقليمي - الدولي بين إيران والولايات المتحدة والدول الكبرى، سوف يشكل مدخلا لبعض الهدوء أو بعض الاستقرار والتخفيف من التشنجات الموجودة في المنطقة التي تتمثل في الصراع القائم في سوريا، كنا نأمل في ذلك لكن سمعنا كلاما في الأيام الماضية ليس في هذا الاتجاه. اللبنانيون كانوا كلهم يأملون أن تكون هناك انعكاسات إيجابية لهذا الاتفاق تريحنا وتريح استحقاقاتنا والمنطقة بأكملها، لكن تبين أن هناك كلاما تصعيديا في ظل هذا الاتفاق، خصوصا أن هناك فريقا يعد نفسه منتصرا على فريق آخر، وجميعنا يعرف أنه في لبنان لم تستقم الأمور أو ينهض البلد يوما من الأيام من خلال فريق يغلب فريق أو لصالح فريق على حساب فريق ما. في كل مرة يحاول فريق أن يلغي فريقا آخر كان لبنان يدفع الثمن، وما زلنا أمام هذه المعادلة وأي اختلال بها سوف يعرض لبنان إلى الخطر.
وفي حال حسب فريق أنه منتصر، فالعفو عند المقدرة. لنعتبر أن هناك فريقا انتصر، فعليه أن يوظف هذا الانتصار في أن يقدم ويعطي لا أن يتكبر على الفريق الآخر أو يأخذ منه، بل عليه أن يعطيه ويطمئنه، أما إن كان المنتصر يريد إضعاف الفريق الآخر واختزاله؟ إذن كيف تبني وطنا معه؟ لا يمكن بناء وطن عبر مواقف إملائية ومواقف استعلائية واستكبارية ولو كنت منتصرا، هذا لا يفيد في لبنان، والرهان على ذلك من أي فئة في مواجهة فئة أخرى إن كانت سياسية أو دينية أو عقائدية، لم ينفع في الماضي وتعلمنا ودفعنا الثمن غاليا ولم نصل إلى نتائج إيجابية. فرقاء لبنانيون، سياسيون وطائفيون، حسبوا في بعض الفترات أن الوضع الإقليمي هو بجانبهم وبالتالي يستطيعون أن يسيطروا، لكن البلد دفع الثمن.

* السؤال اللغز، تكليف قياسي بعدد أصوات يشبه الإجماع، وعجز قياسي عن تأليف الحكومة في نفس الوقت.. أين المفارقة هنا، ما الذي جعل تكليفا بهذا الإجماع فجأة لا يجد تعاونا في تأليف الحكومة؟
- هذا سؤال كبير ويطرحه الجميع، لماذا تتفق القوى السياسية على التكليف وتختلف في التأليف.. ربما الواقع السياسي وقتها فرض هذه الفرصة في الاتفاق على التكليف، لكن عندما استفاق الفرقاء، ووجدوا نفسهم غير مستعدين إلى هذا الالتقاء حول التأليف، وصلت العراقيل إلى ما نحن فيه اليوم.

* كيف يمكن أن نصف مهمتك في الوقت الراهن؟
- مهمة صعبة، معقدة وتكاد تكون شبه مستحيلة في هذا الوقت، ويمكن أن يضطرني ذلك في وقت ما أو لحظة ما إلى اتخاذ خيار ما في اتجاه ما، انسجاما مع شفافيتي وأخلاقي وقناعتي ووطنيتي. نعم الأمر غير مريح بتاتا.

* إذا جرى التوافق كان خيرا، وإلا لديك خياران في ظل عدم التوافق، وهما حكومة ما يسمى بالأمر الواقع أو الاعتذار، أيهما أقرب إليك؟
- كلاهما مر. الخيار الأقرب إلي، هو أن يكون هناك تأليف الحكومة.

* هل أعطيت لنفسك فترة زمنية معينة لهذا القرار؟
- اعتقدت في فترة ما أني أستطيع أن ألزم نفسي بوقت معين، لكن كما قلت تحت الضغط وإلحاح الناس ومطالبتهم لي بعدم التخلي والمثابرة والصبر، وضعوني في موقف حرج ولم يساعدني ذلك على تجاوز هذا الواقع، بالتالي تجدني حيث أنا.

* هل شعرت في فترة من الفترات بأنك أصبحت قريبا جدا من تأليف الحكومة؟
- في ظل المناخ السائد لم أشعر بأني أصبحت قريبا أبدا من تأليف الحكومة. ولكن كنت في بعض الفترات قريبا من محاولات الوصول إلى حكومة نعم، قاربنا الأمر في عدة محطات، مرتين أو ثلاث، ولكن أحبطت المحاولات ولم يكتب لها النجاح.
> هل من أمل بعد في صيغة «6 - 9 - 9»؟
- وهل من أمل بعد بالمطلق من تأليف حكومة إن في صيغة «6 - 9 - 9» أو غيرها؟ هذا هو السؤال في الحقيقة. الدقة في توصيف هذا الأمر أو ملابسات عملية التأليف، على خلفية تشتت ومواجهات القوى السياسية، ليس من السهل، وبالتالي المقاربة التفصيلية التي قد تؤدي إلى شيء ما إلى الآن غير واضحة وغير متوفرة. ولو كانت الأمور بنسبة عالية في يدي، لربما كنت أكثر وضوحا أو أكثر مقاربة. لكن كما هو واضح كمية المنافع والمكاسب التي تسعى لها القوى السياسية وخصوصا منها ما هو اليوم في السلطة وهو مرتاح في موقعه وفي نفوذه لا تساعد.

* الفريق الموجود في السلطة اليوم يتحمل مسؤولية أكبر من غيره في عدم التأليف؟
- هذا الفريق بداية يتحمل مسؤولية إيصال البلاد إلى ما وصلت إليه، وهو اختار حكومة اللون الواحد (حكومة الرئيس نجيب ميقاتي). كانت هناك حكومة وحدة وطنية أسقطها وأحل محلها حكومة اللون الواحد. وهم يقولون اليوم إنهم لم يكونوا يريدون حكومة من لون واحد لكن الفريق الآخر لم يشارك معنا. الفريق الآخر شارك معكم في حكومة وحدة وطنية (حكومة الرئيس سعد الحريري)، فلو كنتم جديين في المشاركة مع الفريق الآخر لما جرى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية؟ لكن نعم حكومة اللون الواحد عمرها تقريبا سنتان ونصف، وهي تتعثر والبلد يتعثر معها وتتراكم السلبيات على كل مستوى، سياسيا، وأمنيا، واقتصاديا، واجتماعيا، إلى أن أصبح الناس فاقدي الأمل من أي مخرج أو حل.

* إلى أي مدى يمكن للبنان أن يستمر في ظل الواقع القائم حاليا؟
- سؤال في محله، وهنا الخوف عند الجميع، إلى متى يمكن إضعاف الدولة والشرعية والمؤسسات الرسمية، وخصوصا مؤسسات الحكم، مثل الحكومة ومجلس النواب المشلول. هذه ليست المرة الأولى التي يمر بها لبنان في هكذا ظروف صعبة، ودفع فيها أثمانا غالية في الماضي، وأصبح في آخر الدول بدلا من أن يكون في أول الدول. واليوم نعم نرى هذا التراجع ونرى بالمقابل من حولنا كيف تتقدم الدول؟ وكيف تنهض، وتنتقل إلى المستقبل ونحن نتراجع؟ صحيح أن الفرد اللبناني الموجود خارج لبنان يتقدم ويساهم في تقدم الآخرين لكن في لبنان الحال ليس كذلك، الوضع مأساوي فعلا ومزعج جدا، وأنا من أكثر الذين يعانون منه، من جراء هذا المسار الذي مضى عليه ثمانية أشهر ومليء بالإحباط والتعثر والضعف.

* عملية تهميش مؤسسات الدولة الرسمية أو مؤسسات الحكم في لبنان، هل هي عملية مبرمجة أو نتيجة الصراع القائم فقط؟
- هي نتيجة الصراع بين القوى السياسية، لكن عندما تذهب القوى السياسية إلى حدود بعيدة في تجاوزها الحدود الشرعية من خلال الدستور ومن خلال اتفاق الطائف الذي يحكمنا جميعا، نعم تصبح الأمور في مهب الريح ويصبح كأنما هناك مخطط لذلك، وكأن هناك تماديا أو انزلاقا لدى بعض القوى السياسية لخدمة نفوذها أو لخدمة تفوقها وجبروتها واستكبارها على الآخرين مع الأسف. في حالة هنا وحالة هناك وفي حادثة هنا وحادثة هناك. ويصبح تصنيف وتقيم الأحداث عندما تكون في خدمة هذه الجهة تقيم بشكل، وعندما تكون ليست في خدمتها تقيم بشكل آخر.

* كيف يمكن للبنان من أن ينجو من العاصفة المحيطة به في المنطقة، ما السبيل للنجاة؟
- هو تحقيق تفاهم بالحد الأدنى، بين القيادات السياسية في البلد المسؤولة عن الموقف والخطاب والمنهج السياسي بما تمثله وتوظيف كل ذلك بمحاولات التقارب ووضع الكثير من الأمور الشائكة والمعقدة خارج الصراع. نعم المدخل العملي هو الحوار بين القوى السياسية، وهذا أمر يجب أن يقر ويعمل به الجميع وهو الحوار من دون شروط مسبقة ولا هيمنة أو تفلت. وفي هذا المجال حاول رئيس الجمهورية كثيرا أن يدفع بهذا الاتجاه كما يعلم الجميع من خلال إعلان بعبدا الذي اعتبر في وقته خشبة خلاص للبنان وكل اللبنانيين، هذا الإعلان الذي جرى التوصل إليه بمعالجة جدية وموافقة جماعية. واليوم يقولون فلنعد إلى الحوار من دون شروط. نعم، لكن ما جرى الاتفاق عليه لماذا نهجره ونتجاوزه؟ البعض يرفض الذهاب إلى الحوار من أجل الحوار فقط.. تماما، لكن الحوار على القواعد والأسس التي جرى التوصل إليها في لقاءات الحوار السابقة أمر جيد.

* هل أنت مقتنع بإمكانية نجاحك في قيادة حكومة تضم طرفين، أحدهما متورط إلى حد كبير في القتال في سوريا إلى جانب وآخر مؤيد للثورة السورية؟
- لا أحد ينكر انعكاسات ما يحصل في سوريا علينا، ولو أني لست من فريق الحكومة الحالية ولم أؤيد حكومة اللون الواحد ولكن أقول إن هناك موقفا جيدا اتخذ منذ سنتين وهو موقف النأي بالنفس. ولكن مع الأسف لم تسمح القوى السياسية حتى الموجودة في الحكومة أن يجري تنفيذه كما يجب، لكن نحن ما زالت أمامنا فرصة وحيدة، وهي الإبقاء على هذا النأي بالنفس عمليا وليس فقط رمزيا، لأن الابتعاد عما يحصل في سوريا وتحييد لبنان هو المدخل ليس لحكومة برئاستي، وإنما لأي حكومة ولأي رئيس حكومة أن يسهم ويساعد في عدم السماح في تدهور أو سقوط الوضع في لبنان. وهناك تحد في ذلك أمامي وأمام حكومتي عندما تتألف.

* حزب لله يقول إنه يقاتل في سوريا دفاعا عن لبنان، كما قالها مباشرة السيد حسن نصر لله، ولو لم يفعل ذلك كانت المئات من السيارات المفخخة دخلت لبنان، كيف تقارب وجهة النظر هذه؟
- نحن كلنا وما زلنا نردد دائما أن الأولوية للبنان ولمشكلات لبنان الداخلية، لو كنا بين بعضنا البعض متفقين موحدين أقوياء، لتحملنا الكثير من الأمور ولكانت القرارات تصدر من هذا الموقع المجسد بدولة وحكومة وقرار، ولكن عندما تكون الدولة ضعيفة وتكون القوى السياسية غير متفقة وعندما يكون البلد مشرعا لكثير من الاستهدافات، هل نزيد على ذلك في أن نذهب إلى خارج البلد؟ طبعا هذا فيه عبء كبير علينا، وإذا كان من قرار في ذلك يجب أن يصدر عن الجميع، حتى المقاومة التي نعتز بها وشرفتنا وسجلت تاريخيا موقفا كبيرا في مواجهة عدونا التاريخي وهو إسرائيل، عدونا الذي لن يستكين طالما نحن موجودون وطالما مشروعه الاستعماري التوسعي موجود. هذا جيد عندما نكون في مواجهة هذا العدو، وتكون المقاومة فنحن كلنا ندرك أهمية أن يوجه السلاح في الاتجاه الصحيح. كذلك لا بد لي أن أقول، إنه عندما يشار إلى المقاومة، فهي مقاومة أبناء الأرض التي احتلت واستبيحت وانتهكت، نعم هذه أرض لكل اللبنانيين وليست فقط للمقيم عليها والمقاومة لكل اللبنانيين، في عام 2006 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان، كل لبنان قاوم وكل لبنان دفع الثمن بكل فئاته وطوائفه من دون تردد وهذا الذي يجب الحرص عليه.
وعندما نتحدث عن مقاومة، نتحدث عن بلد مقاوم، ليس عن فئة أو طائفة مقاومة، ويجب العمل في هذا الاتجاه في كل الوسائل والطرق إن كان داخليا أو خارجيا وإذا كان هناك دعم وتعزيز للمقاومة، فهي مقاومة كل لبنان. لبنان القوي المعافى هو الذي يقاوم وليس الضعيف المشتت، وما فشلت إسرائيل في تحقيقه في حرب 2006، نجحت في تحقيقه بعد الحرب، في إيقاع الشرخ بين اللبنانيين وانقسامهم وإضعاف الوحدة الوطنية. لم تتمكن منه قبل الحرب لكن نجحت في تحقيقه بعد الحرب.

* في ظل التوتر الطائفي القائم في المنطقة وفي لبنان، هل تخشى الفتنة السنية – الشيعية، وما تداعياتها على لبنان؟
- نعم هي من أرذل وألعن وأسوأ ما يمكن أن نصل له، الفتن المذهبية في أي طائفة، كل المواجهات الدينية والمذهبية في العالم لم يجن منها إلا الدمار والخراب البشع في كافة مستوياته وأبعاده. الفتنة السنية الشيعية هي الفوز والانتصار الأكبر لإسرائيل وهي التي عملت عليها عقودا، وتراها اليوم وهي أسعد الناس. والذين يخوضونها والذين يقعون فيها لا يدركون ذلك، ويعتقد البعض أنه يمكن أن يواجه الفتنة أكثر من غيره أو يتجنب الفتنة عن غيره. الفتنة لن تقف عند حدود، ستطال الجميع المسلح وغير المسلح، الفتنة تدخل في كل بيت وأسرة وفي الحياة اليومية للإنسان، وبالتالي هي أمر مزعج ونأمل ألا تكون هي الحال السائدة في العالم العربي والشرق الأوسط. ونأمل أن يكون هناك وعي كبير عند الجميع، بأن التوجه لاستعمال العنف وتحريك الغرائز وتسعير الصدامات بين الناس والمجتمعات والطوائف والمذاهب، لن يحصد منه أحد إلا الضرر الكثير والعميم.

* ما المطلوب من إيران بعد الاتفاق الدولي حول برنامجها النووي؟
- السلم والتآخي والمحبة يمكن أن تكون معاني بدلا من العنف والدمار والخراب. وأعود وأقول العفو عند المقدرة. وإذا كان اليوم من دور تستكمله إيران على واقع الاتفاق الدولي معها في شأن الموضوع النووي، فيجب أن يستكمل بالانفتاح والتعاطي الإيجابي والبناء مع العرب كل العرب.
العرب لم يذهبوا إلى إيران، ولم يحاولوا أن يغيروا شيئا في إيران أو يفرضوا على الإيرانيين سياستهم أو أسلوب تعاطيهم، فلماذا لا تقوم أيضا إيران بالاعتناء بوجودها وتمددها في العالم العربي، وتسعى لإيجاد التوازن في علاقتها مع العرب وليس إخلال التوازن، ولمصلحة من؟ إسرائيل التي تضحك علينا طوال الوقت من جراء مواجهة من هذا النوع. نعم قد يؤخذ على المملكة العربية السعودية أنها لا تقاتل ولا تحارب، نعم فهي لم تساهم يوما في لبنان في تقديم رصاصة واحدة لجهة أو فئة، لأنها لا تؤمن بالعنف، بل تتلقى وتعالج وتتصدى للعنف إن كان داخل المملكة أو إن كان في خارجها. هي دائما في موقع التصدي للعنف وليس في موقع افتعاله، وهذا أمر يجب أن يعم على الجميع في رأيي، وإيران لديها المقدرة اليوم، طالما أعلنت، وهذا إعلان تاريخي في رأيي، بأنها ليست راغبة بسلاح نووي وأنها لا تؤمن بأسلحة الدمار الشامل، وبالتالي هذا منحى إيجابي وبناء، فلتجري متابعته على كل المستويات الأخرى، في إزالة كل مواقع أو بؤر التصادم مع العرب أو الصدام معهم، إن كان في سوريا أو العراق أو السعودية أو أي بلد عربي آخر. هذا يريح المجتمعات ويوحد بينها مذهبيا وطائفيا وسياسيا، في مواجهة أكبر قوة عنصرية في هذه المنطقة التي هي إسرائيل.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.