طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

عاش يوما آخر ليخوض معركة أخرى

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم
TT

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

ثلاثة أسابيع فقط، منذ دخلت القوات التي أعاد تشكيلها العميد طارق صالح نجل شقيق الرئيس اليمني السابق، خط النار، في معركة الثأر لمقتل عمه، من قتلته الحوثيين، يبدو أنها كانت كافية لإثبات قدرته على نقل المعارك في جبهة الساحل الغربي، إلى طور جديد تتعاظم فيه خسائر الميليشيات الميدانية كل يوم. وعلى رغم أن الإجابة عن ماهية النتائج التي يمكن أن تتمخض في النهاية جراء دخول طارق صالح، في خضم المواجهة العسكرية ضد حلفاء الأمس وأعداء اليوم، إلا أن إلقاء الضوء على التعقيدات المتنوعة التي شكلت شخصيته المثيرة للجدل، يمكن أن يعزز من ترجيح أقرب المآلات المتوقعة.
فإلى جانب شخصيته الصارمة التي اكتسبها بحكم تكوينه العسكري وابتعاده في الأغلب عن ممارسة الأنشطة المدنية والاحتكاك بالشأن العام، يؤكد مقربون منه، أنه صاحب إصرار عنيد، فهو حين يضع في ذهنه أمرا ما، فإنه لا يتوقف عن إثبات وجهة نظره بشأنه، دون مراعاة لأي تبعات، حتى لو كان من بينها الاصطدام بأوامر عمه الرئيس صالح.
وربما كان هذا الإصرار، هو الذي جعله بعيدا عن الوقوع في أسر تلك الشخصيات التي تنكسر لخسارة المعركة الأولى، فلا تقوم لها قائمة، بل كان على النقيض من ذلك، ميالا ليكون من الطراز الذي باستطاعته أن يتسامى على جراحه المثخنة وعلى الواقع الذي رأى فيه في لحظة غير متخيلة، دماء عمه وهي تسفك وأقاربه وهم يقادون إلى المعتقلات وأفراد أسرته من النساء والأطفال وهم ينكل بهم في الأصقاع، بعد أن كانوا حكاما لصنعاء لأكثر من ثلاثة عقود.
لم يكن أمام العسكري المتمرس، والعقائدي المتدين الذي لا يفوته أن يؤدي صلواته بانتظام، كما يقول اللصيقون به، سوى أن يعيش يوما آخر، ليبدأ معركة أخرى، حيث يلقي كرة النار التي يؤمل أن تتعاظم إلى جحيم يتلقف بصلابته وروحه الثأرية ما يأفكه الحوثي، ولا يزال، من مشروع طائفي لاستنساخ التجربة الخمينية الإيرانية في لبوس يمني.
خسر «أبو عفاش» كما هي كنيته المستمدة من اسم أكبر أولاده، المعركة غير المتكافئة مع الحوثيين، في العدة والعتاد، لكنه لم يخسر الحرب حين كافح ليبقى على قيد الحياة، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يستبسل حتى النهاية لينال المصير الذي اختاره عمه صالح ورفاقه بكبرياء المحاربين الشجعان، لكنه اختار أن ينجو، أو ربما قدر له ذلك، لينهض من جديد، تدفعه روح الانتقام ودوافع الفرسان المكلومين الذين أوغرت صدورهم، حالة الهوان التي ذاقوها ومرارة الهزيمة التي تجرعوها على يد خصم متنمر، لكنهم يعرفون جيدا مكامن قوته ومنافذ ضعفه.
ويميل المحللون إلى أن روحه العنيدة، وعقيدته القتالية، هي التي حالت دون تفكيره في لزوم طريق الصمت ومغادرة المشهد بعد نجاته، وعدم الاستمرار في تحدي الجماعة المتنمرة، على الأقل، من باب الحرص على حياة أقاربه المعتقلين لديها، وفي مقدمهم نجله الأكبر عفاش، الذي أراده من خلال إطلاق هذا الاسم عليه التيمن بلقب الجد الأكبر للعائلة، وهو اللقب الذي كان أغلب العامة لا يعرفون عنه شيئا، حتى العام 2011 حين حاول خصوم عمه أن يجعلوا من إشاعته بابا للتحقير والاستنقاص وهو ما فشلوا فيه حينها، لجهة أن صالح، ابتداء، معتز بلقب عائلته والدليل هو أنه بارك إطلاقه على النجل الأكبر لطارق.
وفي معرض التدليل على عدم انقياد طارق وراء عواطفه وتمسكه برباطة الجأش، أفادت مصادر ضمن الدائرة القريبة منه بأن الميليشيات الحوثية أبلغته تهديدا صريحا بتصفية نجله عفاش وشقيقه الأصغر، محمد، ونجلي عمه صالح، صلاح ومدين، إذا قرر إعادة بناء قواته للمواجهة، إلا أنه - طبقا للمصادر - أبلغ الوسيط القبلي الذي نقل له التهديد، بتهديد مماثل، مفاده أن الانتقام لدم عمه صالح ورفاقه والمساهمة في معركة القضاء على الجماعة، هو بالنسبة له قرار لا رجعة فيه وسيضحي في سبيله بكل شيء حتى لو كانت أرواح أقاربه ونجله.
وبخلاف أشقائه الآخرين، لازم طارق صالح والده، منذ صغره، في ثكنات الجيش، وقوات الأمن، بحسب ما يقوله مقربون منه، لذلك كانت نشأته العسكرية وإرادته المقاتلة تتشكل بثبات، منذ نعومة أظافره، مرورا بكلية الشرطة التي تخرج منها رفقة عدد من القيادات الأمنية والعسكرية، التي برزت لاحقا، أمثال العميد عبد الله قيران، وانتهاء بتوليه قيادة الحرس الخاص لعمه صالح وكذا قيادة اللواء الثالث حرس جمهوري، وهو أحد أقوى الألوية العسكرية اليمنية حينها تسليحا وتدريبا.
وربما كان تأثره بالجانب المتدين من والده الراحل محمد عبد الله صالح، هو دافعه الآخر، للاقتراب من الجماعة السلفية، التي أشيع أنه كان يقدم لها الدعم المادي، منذ وجودهم في مركز دماج الديني الذي تأسس علي يد الشيخ الراحل مقبل الوادعي في الثمانينات من القرن الماضي في الجنوب الشرقي لمدينة صعدة، وهو الجانب الذي جعل بعض الخصوم السياسيين بمن فيهم جماعة الحوثي لاحقا يلمزونه بالقول بأنه من رعاة الجماعات المتشددة.
ولعله بسبب روح الجفاف والغلظة التي تشكلت جراء تنشئته العسكرية المبكرة، كان أقل أشقائه في القدرة على المراوغة السياسية أو المداهنة، ما جعله إبان حكم عمه صالح، أكثر أقارب الرئيس السابق، حدة ومواجهة مع الخصوم المفترضين للعائلة، لا سيما من أوساط الشخصيات المحورية المحيطة بدائرة الحكم والشريكة فيه كما كان الحال مع الجنرال علي محسن الأحمر (نائب الرئيس الحالي).
إذ تتداول الأوساط الحزبية والسياسية المطلعة على أروقة حكم صالح، قصصا عن مواقف، كان فيها طارق صالح المجابه الشديد للخصوم والمتحفز الأول في وجوه من يعتقد أنهم خطر وشيك على كرسي الحكم، لدرجة أنه بات شائعا في أوساط النخب اليمنية القول بأن طارق صالح هو السبب الحقيقي لضرب علاقات عمه الجيدة مع الشخصيات العسكرية والحزبية والقبلية، لا سيما مع الجنرال علي محسن الأحمر، الذي كان يوصف بأنه الرئيس الظل تعبيرا عن مدى نفوذه العسكري والحزبي والقبلي.
كما كانت هذه الروح المتوثبة نحو الاستقلالية، وعدم الانقياد السهل والتبعية، لدى نجل شقيق الرئيس الراحل، واحدا من المبررات التي وجد فيها الحوثيون مدخلا لاتهامه بأنه السبب الرئيسي لتوتر علاقة التحالف والشراكة بين جماعتهم وعمه صالح وحزبه «المؤتمر»، وصولا إلى جعله، لاحقا، السبب الرئيسي لانهيار العلاقة وبدء المواجهات المسلحة بين الطرفين، طبقا لما كانت تردده الآلة الإعلامية الحوثية وناشطو الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
بل صرح قياديون حوثيون بأنهم شاهدوا عناصر من السلفيين الذين كانوا طردوهم بقوة السلاح من دماج ونكلوا بهم رفقة طارق صالح في صنعاء، ضمن الجنود الذين كان يحاول أن يشكل منهم قوته الخاصة بعد أن ابتلعت الجماعة الحوثية كل مقدرات الجيش السابق وأسلحته والكثير من قياداته التي كان صالح يراهن على ولائها له.
وامتدادا للصرامة نفسها التي اكتسبها عبر سنوات تنشئته، لم يكن أيضا ذلك القائد المحبوب، للعامة من جنوده، فضلا عن كون جل ثقافته العامة التي اكتسبها منحصرة في مجال اختصاصه العسكري، مبتعدا عن كل ما له علاقة النشاط المدني والسياسي أو الظهور الإعلامي أو الانخراط في العمل التجاري، كما كان الحال مع شقيقه الأكبر يحيى الذي زاوج في شخصيته بين كل تلك الصفات في آن واحد.
وفيما يتداول مقربون من عمه صالح روايات عن أن الأخير كان حريصا على نجاة نجل شقيقه طارق وقائد حراسته من بين كل أقاربه الآخرين، ربما لأنه كان يستشعر فيه تلك الصلابة والإرادة اللازمتين للإعداد لمعركة الثأر والانتقام، وهذه النقطة تحديدا، هي التي سوقها فيما بعد خصوم عائلة صالح السابقين واللاحقين، على أنها مثلبة في حق طارق الذي قالوا إنه ترك عمه لمصيره وفضل النجاة بنفسه، جبنا وخنوعا، على أنه قائد حراسته.
- إدراك متأخر لخطأ كارثي
أدرك العميد الذي طوى أربعينات عمره، كعمه متأخرا، الخطأ الكارثي الذي وقع فيه الرئيس السابق، وزعيم الحزب الأكثر شعبية وتغلغلا في مفاصل الدولة العميقة التي حكمها لأكثر من ثلاثة عقود، بتحالفه مع الميليشيات الحوثية، نكاية بخصومه الآخرين.
إذ كانت ثلاث سنوات من هيمنة الجماعة على مؤسسات الدولة ومواردها المالية وشحنها الطائفي والعقائدي واستقطابها لقيادات الجيش وزعماء القبائل بالترغيب والترهيب وإيهامهم برفع راية الدفاع عن الوطن ضد ما تزعم أنه عدوان خارجي، كفيلة بتمكين الجماعة من كل شيء، المال والسلاح والنفوذ والولاءات، لدرجة أنها باتت قادرة على التخلص من صالح ونفوذه للاستفراد بتمثيل صنعاء ومناطق سيطرتها بعيدا عن صالح وألاعيبه التي يجيدها في ميدان السياسة وأدواتها الناعمة.
حاول طارق إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن بدأت علاقة الصدام بين الحليفين تظهر إلى الواجهة، عبر السعي لإعادة بناء قوة عسكرية موالية له بعيدا عن الحوثيين، بعد أن باتت بقايا وحدات الحرس الجمهوري ومخازن أسلحته بيد الجماعة الحوثية التي صارت صاحبة الكلمة الفصل، استنادا إلى ما بيدها من قوة، وما أحدثته من تجريف عميق لولاءات صالح وتحالفاته القبلية والسياسية.
ولإنجاح هذا المسعى، استحدث طارق في العام 2017 معسكرا لتدريب جيشه الذي لم يكتمل مطلقا عليه اسم معسكر «الملصي» نسبة لضابط في الحرس الجمهوري لقي مصرعه بعد أن كانت استقطبته الجماعة لقيادة ميليشياتها على الحدود الشمالية، وربما كان الدافع وراء إطلاق الاسم هي محاولته إيهام الجماعة، أن هدفه من بناء هذه القوات التي يشرف عليها هو إعدادها للقتال على الحدود، سيرا على نهج الملصي، غبر أن الأمر لم ينطل على الجماعة التي كانت اخترقت أقرب الدوائر من صالح وباتت تحصي عليه معظم حركاته وسكناته.
وبحسب ما يرجحه المطلعون على تفاصيل العلاقة التي جمعت الحليفين اللدودين، أصبح طارق صالح ومعسكره هو الهاجس الأول لدى الميليشيات، فكان هدفا لآلتها الإعلامية وحملات ناشطيها، وبابا للتشكيك في صدق إخلاص صالح لتحالفه، معها.
فمنذ ذلك الحين الذي رفض فيه تفكيك معسكره التدريبي الواقع في منطقة ريمة حميد، جنوبي صنعاء، حيث مسقط رأس عمه وفي قلب قبيلته سنحان، كانت اتخذت الجماعة قرارها للتنكيل بصالح قبل أن تتعاظم قوة نجل شقيقه طارق عبر إعادة بناء قوات الحرس الجمهوري، وتوجيه الضربة الأولى للقضاء عليها.
لم يكن صالح في وضعية تتيح له المناورة، إذ يقول مقربون منه إنه كان يبحث عن منفذ لاستعادة ثقة المحيط الإقليمي، ليكون مجددا فرس الرهان لوضع حد للمشروع الحوثي، في مقابل إنهاء شرعية الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي وحلفائه، إلا أنه لم يجد ذلك المنفذ أو بالأحرى، لم يكن عرضه مقنعا أو مطمئنا بالشكل الذي يمنحه ثقة المحيط العربي ودول الجوار، لذلك طال انتظاره واستنفد خياراته، وكان من الحتمي أن تكون النهاية كما حذر منها أغلب المراقبين، على ذلك النحو الذي شهدته صنعاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
قاد طارق صالح المئات من عناصره، للدفاع عن المربع الأخير للعائلة، حيث منازلها ومنطقة نفوذها، قاتلوا بضراوة، قبل أن يحشد الحوثي قواته ويستخدم الأسلحة الثقيلة، القلة ممن دربهم طارق أو استعاد تجميعهم، كانوا إلى جواره، وأغلبهم كانوا في جبهات القتال، إلى جانب الميليشيات، أو في منازلهم يفتقدون للدافع الحقيقي للاشتراك في معركة لم يخطط لها، وغير مضمونة النتائج.
ألقى صالح خطابه الأخير في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) داعيا على نحو مفاجئ إلى فض الشراكة مع الجماعة والاندفاع إلى مواجهتها في كل مكان، وفتح صفحة جديدة مع دول التحالف الداعمة للشرعية من أجل وقف الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي، وفي الرابع من الشهر نفسه أعلن مقتله مع العشرات من حراسه، وكان طارق في عداد القتلى، بالنسبة لأغلب المتابعين، باستثناء الحوثيين الذين كانوا ينقبون صنعاء بحثا عن الرجل الذي كان بالنسبة لها يفوق عمه أهمية وخطرا باعتباره القائد الميداني للانتفاضة الموؤودة.
وبينما أكد شقيقه الأكبر يحيى صالح، أنه أصيب في يده وبطنه وقدمه بشظايا حوثية وأنه يتلقى العلاج في مكان آمن، كانت قصة هروبه من البطش الحوثي، لغزا غامضا، رغم ما قيل عنه من روايات، بيد أن الرواية الدقيقة للتفاصيل لا تزال على الأرجح، حكرا على طارق نفسه مع عدد محدود جدا من أصدقائه المقربين.
كانت نجاته رغم تأكدها، لا تزال موضع تشكيك لدى البعض، لم يحسمه غير ظهوره العلني الأول في 11 يناير (كانون الثاني) في محافظة شبوة، معزيا في مقتل عارف الزوكا، وهو القيادي في حزب عمه ورفيقه الذي بات في نظر طارق وأنصار حزب «المؤتمر»، الأكثر وفاء وشجاعة لتفضيله القتال إلى جواره ولزومه حتى الموت معه في منزله المعروف بقصر الثنية في شارع حدة.
غير أن الجزء المهم في قصة نجاته في ظل إلحاح الملاحقة الحوثية والتشديد الأمني، يشي بأنه كان لا يزال يمتلك وهو في عمق النفوذ الجغرافي للجماعة بعضا من أسباب القوة والعلاقات الشخصية والولاءات المتعددة التي ساهمت في إخراجه من صنعاء، وصولا إلى غربي مأرب، حيث يرجح أنه وجد فيها الحماية القبلية لدى حلفاء عمه من آل معيلي.
- إعلان الموقف العام والإعداد لمعركة الثأر
> اختار نجل شقيق صالح مكان ظهوره الأول بعناية شديدة، رفقة زعماء قبليين شاركوه تقديم العزاء في الزوكا، بالتنسيق مع دول تحالف دعم الشرعية، حيث كانت الرسالة واضحة، بأن الانتقام من قتلته الحوثيين سيكون هو عنوانه للمرحلة اللاحقة، وهو ما أكده وسط هتافات أنصاره، باختصار، شديد وبكلمات مقتضبة: «السير على نهج عمه في وصيته الأخيرة، والتي تتلخص في نقطتين، الأولى قتال الجماعة، والثانية فتح صفحة جديدة مع دول التحالف لإنهاء الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي».
كان هذا الإعلان عن تحديد الموقف كافيا لأنصار صالح وقيادات حزبه، لكنه فتح عليه النار من قبل القوى المساندة للشرعية، التي رأت إعلانه ناقصا لأنه لم يعترف بها، ولا بشرعية الرئيس هادي، كما فعل بعض أقاربه، والكثير من القادة العسكريين والحزبيين الذين أفلتوا من قبضة الميليشيات.
في وقت قياسي استطاع، نجل شقيق صالح، بدعم من تحالف دعم الشرعية وبمباركة وتأييد من القوى الجنوبية الأكثر فاعلية في عدن، أن يعيد تجميع قوة ضاربة من أتباعه ومؤيدي عمه الراحل وحزبه، يقدرون بالآلاف ومعظمهم من عناصر الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاصة السابقة، وينتسبون لمختلف المناطق اليمنية.
ولكي يوائم بين هدفه الانتقامي من الميليشيات، في سياق المعركة ذاتها التي تخوضها القوات الحكومية التابعة للشرعية، وبين بقائه خارج نطاق الولاء لقيادة الشرعية، اتساقا كما يبدو مع موقف عمه منها ومع موقف الكثير من قيادات حزبه وأنصاره، وأقاربه، فضل أن يطلق على قواته «المقاومة الوطنية» بعيدا عن الهيكلية الرسمية لجيش الشرعية، كما أطلق على أول ثلاثة ألوية منها «حراس الجمهورية».
ومع أول ظهور لقواته على خط النار في 19 أبريل (نيسان) الماضي، كان طارق صالح مجردا من رتبه الرسمية مع كبار ضباطه، إذ أفاد مقربون منه بأنه تعهد بعدم تعليق الرتب هو وضباطه، حتى يتم تحرير صنعاء من قبضة الحوثيين، كما أمر بعدم تسليط أضواء الإعلام على أداء قواته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مفضلا العمل في صمت، وشعاره كما يقول المقربون منه «نريد أن تتحدث الإنجازات على الأرض».
ولأن الهدف المعلن لقواته التي باتت ملتحمة مع قوات «ألوية العمالقة» (المقاومة الجنوبية) ومع قوات «المقاومة التهامية» هو تحرير محافظة الحديدة، اختار نجل صالح أن يحمي ظهره قبل التقدم شمالا في الساحل الغربي، عبر تأمين مناطق غربي تعز، وقطع خطوط الإمداد التي يمكن أن يستغلها الحوثيون، للالتفاف عليه من الخلف.
وبالنظر إلى ما أنجزته القوات التي يقودها حتى الآن بمنطق التقييم العسكري المحايد، يرى مراقبون كثيرون أنها حققت في مدة وجيزة تقدما ميدانيا استراتيجيا، لجهة تأمينها مع قوات المقاومة الأخرى، تقاطعات رئيسية من طرق الإمداد، المتجهة نحو مناطق غربي تعز وجنوبها الغربي.
ففي الوقت الذي تمكنت من تأمين مناطق مفرق المخا ومعسكر خالد بن الوليد وصولا إلى مفرق الوازعية ومنطقة البرح، فإن ذلك يعني عمليا، تسهيل إنهاء جيوب الميليشيات في الوازعية وكهبوب وموزع ومقبنة، وقطع الإمدادات القادمة لها من جهة إب عبر مناطق العدين.
وعلى إثر هذه الإنجازات الميدانية أعلنت قوات طارق صالح بعد 20 يوما من العمليات أنها أنجزت مهمة تدمير النسق الأول للحوثيين ضمن الإعداد لمعركة تحرير الساحل الغربي واستعادة الحديدة، في الوقت الذي بث ناشطون صورا له من قلب الميدان، وهو يتابع ويخطط ويشرف على تحقيق انتصاره الأول في معركة الثأر الذي لا ينسى من الحليف السابق.
وفيما يأمل نجل شقيق صالح أن تسير رياح المواجهة لمصلحة قواته في قادم الأيام، نقل عنه مقربون استياءه من إذكاء أي نار للصراع السياسي في التوقيت الراهن بين القوى اليمنية المناهضة للميليشيات، وتأكيده أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد كل الجهود وتنسيقها، من أجل تخليص البلاد من شر الجماعة الحوثية.
وبحسب ما يرجحه كثير من المراقبين، فإن نجل شقيق صالح، وضع نفسه أمام اختبار وجودي، إن شاءت الأقدار أن تمنحه، فرصة النجاح فيه، فلا يستبعد أن يكون هذا العسكري الصلب والمقاتل العنيد، هو الجسر المتين لعودة عائلة الرئيس اليمني السابق وحزبه (المؤتمر الشعبي) مجددا إلى صدارة الواجهة السياسية والعسكرية في البلاد.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».