إردوغان يعلن برنامجه الرئاسي ويعد بالاستمرار في المفاوضات الأوروبية

دميرتاش اعتبر إجراء انتخابات نزيهة في ظل الطوارئ «مستحيلا»

أنصار إردوغان يرفعون الأعلام التركية في إسطنبول أمس (أ.ب)
أنصار إردوغان يرفعون الأعلام التركية في إسطنبول أمس (أ.ب)
TT

إردوغان يعلن برنامجه الرئاسي ويعد بالاستمرار في المفاوضات الأوروبية

أنصار إردوغان يرفعون الأعلام التركية في إسطنبول أمس (أ.ب)
أنصار إردوغان يرفعون الأعلام التركية في إسطنبول أمس (أ.ب)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي وصل عدد منافسيه على منصب الرئاسة إلى 6 مرشحين، إن الشعب سيوجّه «صفعة عثمانية» إلى الجهات التي تسعى إلى تقسيم تركيا، متحدثا عن «جهات شر» سعت للإضرار بالاقتصاد التركي خلال الفترة الماضية.
وأضاف إردوغان خلال استعراضه البيان الانتخابي لحزبه (العدالة والتنمية) الخاص بانتخابات الرئاسة في إسطنبول أمس، أن بلاده ستمضي قدما في مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ولن تتنازل عن عضويته، كما ستواصل مكافحة الإرهاب داخل وخارج حدودها. واعتبر الرئيس التركي، الذي ترشح مجددا لسباق الرئاسة عن «تحالف الشعب» الذي يضم أحزاب العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية والوحدة الكبرى لخوض انتخابات مبكرة في 24 يونيو (حزيران) المقبل، أن حزب العدالة والتنمية ساند منذ انطلاق مسيرته في عام 2002. الديمقراطية والحرية والعدالة وسوف يبقى على هذا النهج في المستقبل، وسيعمل على زيادة قوة تركيا والحفاظ على سيادتها.
وتعهد إردوغان بأن تتجاوز تركيا معايير الحضارات المتقدمة مع إحلال النظام الرئاسي الجديد، قائلا إن «الاستقلال» و«المصالح الوطنية» و«الأمن القومي» و«المواقف التي تحتكم إلى الضمير» ستبقى هي المبادئ الأساسية في سياستنا الخارجية، ولن نتعامل بتعالٍ مع الآخرين، كما لن نسمح لأحد بالتعامل بتعالٍ معنا.
وشدد على أن تركيا لم تتخلّ عن هدفها المتعلق بالانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، لافتا إلى أن وجود إرادة قوية في تركيا أحبط عمليات رسم الحدود ونصب «المكائد القذرة» وفرض الأمر الواقع في المنطقة. وأشار إلى أن العمليات العسكرية وراء الحدود مكّنت بلاده من تحطيم ممر الإرهاب في شمال سوريا، وتحييد الإرهابيين في أوكارهم، قائلا إن عملية «غصن الزيتون» العسكرية التي تنفذها تركيا وفصائل موالية لها من الجيش السوري الحر منذ 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، أدت إلى تحييد 4 آلاف و415 من مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية، مؤكدا أن تركيا ستواصل عملياتها حتى تأمين حدودها بشكل كامل.
وعلى صعيد آخر، قال إردوغان إن حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة حققت أرقاماً قياسية في الاقتصاد: «رغم تحرك جبهات الشر ضدنا، لكننا حافظنا على الأمانة التي وضعها شعبنا في أعناقنا، وأفشلنا خطط الخونة، وأسسنا نهضة تركيا بالفضيلة والإرادة والشجاعة»، على حد قوله.
وأضاف أن المشاريع المتعلقة بمجالات صناعة السيارات والصناعات الدفاعية المحلية ستشهد سرعة في التنفيذ، وستصبح تركيا رافدا للعالم بالعلامات التجارية، معتبرا أن النظام الرئاسي سيزيد الدخل القومي وسينتشر بشكل أسرع على المستويات الأدنى، ونتيجة لذلك ستتقلص الفروق في الدخل بشكل سريع، كما ستكون الممتلكات الشخصية وحرية ممارسة التجارة تحت ضمانة دولة القانون في هذا النظام. وتابع إردوغان: «سنستمر في إنتاج أسلحتنا المحلية كي نكون قوة عالمية، وسنزيد قدرات صناعاتنا الدفاعية، وهدفنا الرئيسي هو الوصول إلى أنظمة دفاعية محلية تماماً».
وعن النظام الرئاسي، الذي وافق عليه الناخبون بأغلبية بسيطة في الاستفتاء الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 والذي سيدخل حيز التنفيذ عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في يونيو، قال إردوغان إن تركيا في طريقها لأن تكون من أهم القوى في هذه المنطقة، وفي المرحلة الجديدة ستكون قوة عالمية وبلداً رائداً، والنظام الرئاسي سيقضي تماما على نظام الوصاية وحكم الأقلية.
وأضاف: عبر الاستقلالية التامة للسلطات خلال المرحلة المقبلة، سيعمل البرلمان على سن القوانين ومراقبة عمل الحكومة، التي ستكون مكلفة بتنفيذ الإجراءات العملية، بينما سيركز جهاز القضاء على نشر العدالة بكل حيادية، وسيشكل النظام الرئاسي الجديد دفعة لاقتصادنا من خلال سرعة اتخاذ القرارات والإدارة الفعالة ومأسسة السياسة الديمقراطية، وسيحمل تركيا بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافها المنشودة لأعوام 2023. و2053، و2071.
وفي ملف آخر، قال إردوغان إن الإساءة إلى المرأة والعنف ضدها والتحرش بها جرائم كبرى ضد الإنسانية، وسوف نستمر ببذل جميع الجهود للقضاء على هذه العيوب الاجتماعية. وفي خطاب سبق إعلان بيان الحزب الانتخابي، خاطب إردوغان مئات من أنصار حزبه أمام صالون رياضي في إسطنبول قائلا إن الشعب التركي سيوجه من جديد، صفعة «عثمانية» كبيرة في انتخابات 24 يونيو للجهات التي تسعى لتقسيم تركيا. واعتبر أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، ستكون بمثابة بداية جديدة، وأنّ هذه البداية ستتحقق بمساعي الجميع. وأشار إردوغان إلى أنه سيعلن لاحقا من العاصمة أنقرة البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وما يحتويه من إنجازات ومشاريع مستقبلية.
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في تركيا لا تشبه الانتخابات التي جرت في السابق، قائلا إن «قوى الشر في الداخل والخارج» اجتمعت هذه المرة لعرقلة نهضة تركيا وتقدّمها.
وأضاف يلدريم، في خطاب أمام حشد من أنصار حزب العدالة والتنمية بمدينة إسطنبول، أمس أنّ ما سماه «الجهات المعادية لتركيا في الداخل والخارج»، والتي لم يحددها، لا تستطيع أن تتقبّل تطوّر تركيا وتقدّمها، وامتلاكها القرار في المنطقة، وأن الحكومة التركية ماضية قدما لتحقيق أهدافها المنشودة لعام 2023، وتعمل جاهدة لتعزيز مكانة تركيا في المحافل الدولية.
في السياق ذاته، قدمت الأحزاب السياسية التركية أسماء 7 مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية التركية المقررة الشهر المقبل، مع ختام المهلة القانونية لتقديم الطلبات مساء أول من أمس السبت، حيث كان باب الترشيح فتح اعتبارا من الأول من مايو (أيار) الجاري.
وإلى جانب إردوغان، وهو مرشح تحالف الشعب الذي يضم أحزاب العدالة والتنمية والحركة القومية والوحدة الكبرى، رشح حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، النائب عن مدينة يالوفا (شمال غرب) محرم إينجة، كما ترشحت ميرال أكشينار رئيسة الحزب الجيد وتمال كرم الله أوغلو رئيس حزب السعادة الإسلامي لخوض السباق الرئاسي.
ورشح حزب الشعوب الديمقراطي (الموالي للأكراد) رئيسه المشارك السابق السجين على ذمة الكثير من القضايا تتعلق بدعم الإرهاب، ورشح حزب الوطن (يساري متشدد) رئيسه دوغو برينتشيك وحزب «العدالة» رئيسه وجدت أوز للرئاسة.
في السياق ذاته، استبعد صلاح الدين دميرتاش مرشح حزب الشعوب الديمقراطي إجراء انتخابات نزيهة في 24 يونيو المقبل معتبرا ذلك «أمرا مستحيلا» في ظل حالة الطوارئ المطبقة في البلاد.
وقال دميرتاش في رده على أسئلة لوكالة (رويترز) أرسلت له في محبسه، إن أحزاب المعارضة ستواجه عقبات كبرى خلال حملاتها الانتخابية، لافتا إلى أن التجمعات محظورة والحديث ممنوع وانتقاد الحكومة محظور وحتى الدفاع عن السلام يعتبر دعاية إرهابية.
وأضاف أن المئات من الصحافيين المعارضين اعتقلوا أو فصلوا وأغلقت عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعية، ومن المستحيل إجراء انتخابات نزيهة في مناخ كهذا.
وصلاح الدين دميرتاش مسجون منذ عام ونصف العام بتهم تصل عقوباتها إلى السجن لمدة تصل إلى 142 عاما إذا تمت إدانته.
ومع إعلان ترشيحه نشر الحزب صورا له من داخل السجن، الواقع في إقليم أدرنة بشمال غربي البلاد، وهو يرتدي قميصاً أبيض وبنطالاً أسود وبدا عليه نقص الوزن. وتتهم السلطات دميرتاش، محامي حقوق الإنسان السابق وأحد أشهر الساسة الأتراك، بأنه ومئات آخرون من المعتقلين من حزبه، على صلة بحزب العمال الكردستاني المحظور الذين يشن حرباً مسلحة منذ عشرات السنين في جنوب شرقي تركيا الذي تقطنه غالبية كردية. ونفى حزب الشعوب الديمقراطي الاتهامات وقال دميرتاش إنه سُجن ظلماً.
وشدد دميرتاش على أنه لا توجد أي عقبات قانونية أمام ترشحه للرئاسة لأنه ليس مدانا مضيفا أنها ستكون فضيحة وجريمة إذا صدر حكم قضائي يدينه وبالتالي يمنع ترشحه.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...