فحص الحمض النووي... لقياس الذكاء

طروحات علمية مثيرة للجدل تستهوي شركات الاختبارات الجينية

فحص الحمض النووي... لقياس الذكاء
TT

فحص الحمض النووي... لقياس الذكاء

فحص الحمض النووي... لقياس الذكاء

ربط كثير من العلماء مئات الجينات بالذكاء، ولكن واحدا من علماء النفس قال إن الوقت حان لاختبار ذكاء الأطفال في المدارس.
هل أنتم جاهزون لاختبار للحمض النووي «دي إن إيه» تكلفته 50 دولارا، تتمثل وظيفته في التكهّن باحتمالات حيازتكم على شهادة دكتوراه، أو التوقّع باسم الطفل الذي سيدخل إلى روضة متميزة؟ يؤكّد روبرت بلومين، الخبير المتخصص بعلم الوراثة السلوكي أنّ هذا التحليل في طريقه إلينا.

دراسات الذكاء
عمل الباحثون المتخصصون بعلم الوراثة لعقود على تحديد العناصر الوراثية الكامنة خلف الذكاء، إلا أن الحظّ لم يحالفهم. ولكن الدراسات الجينية توصّلت اليوم أخيراً إلى معلومات كافية ودامغة لتحديد النسخ الجينية المرتبطة بمعامل أو نسبة الذكاء IQ.
ونسبة الذكاء - بالإنجليزية Intelligence Quotient أو IQ - هي النتيجة التي يتم الحصول عليها من اختبارات لقياس درجة الذكاء. وتتحدد نسبة الذكاء بقسمة «العمر العقلي» للشخص (بعد إجرائه الاختبارات)، على العمر الزمني له، وتضرب بـ100. ويعتبر الرقم 100 هو متوسط الذكاء عند الإنسان، وكلما زادت النتيجة اعتبر الشخص عبقرياً.
قبل عام، لم يكن العلماء يربطون بين أي جين مع قوة الأداء في الاختبارات الخاصة بنسبة الذكاء. ولكن منذ ذلك الوقت، تمّ تحديد 500 جين على صلة بالأداء من خلال دراسات جينية شملت 200 ألف مشارك في الاختبار. وبذلك، أصبحت نتائج الاختبارات التي تربط بين الحمض النووي لمليون شخص وبين نجاحهم الأكاديمي متاحة في أي وقت.
يشير بلومين، وهو باحث أميركي يعمل في جامعة «كينغز كوليدج» في لندن، حيث يجري دراسة طويلة الأمد تشمل 13 ألف توأم بريطاني، إلى أن هذه الاكتشافات تعني أنه أصبح بإمكاننا أن نقرأ الحمض النووي الخاص بالأطفال الصغار للحصول على فكرة عن درجة الذكاء التي قد يتمتع بها كلّ واحد منهم في المستقبل.
تحدّث بلومين عن فكرة اختبار معدّل الذكاء في ورقة بحثية صدرت في يناير (كانون الثاني) بعنوان «علم الوراثة الجديد الخاص بالذكاء»، موضحاً أنّه بإمكان الآباء والأمهات أن يستخدموا هذه الاختبارات المتاحة للمستهلكين بهدف وضع توقّعات حول قدرات أولادهم الفكرية واتخاذ القرارات المرتبطة بحياتهم المدرسية، في إطار مفهوم أسماه التعليم الدقيق.
في الوقت الحالي، يمكن القول إن التوقعات لن تكون شديدة الدقّة، لأن متغيّرات الحمض النووي التي تمّ ربطها بنتائج الاختبار تشرح أقل من 10 في المائة من اختلافات الذكاء بين أبناء الأطفال البريطانيين الذين خضعوا للدراسة.

محاذير اجتماعية
ولكنّ النشرة الصادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا اعتبرت أن جوانب من اختبار ببلومين بدأت تُطبق فعلياً. فقد باشرت ثلاث خدمات على الأقل، بينها «جين بلازا»، و«دي إن إي لاند»، بتوفير وسيلة اختبار يحدّد معدّل الذكاء الجيني بواسطة عينة من اللعاب.
في المقابل، فضّل آخرون الانتظار، وصرّحت «23 أند مي»، واحدة من أكبر الشركات التي تقدّم تقارير صحية استهلاكية تعتمد على الحمض النووي أنّها لن تقدّم للناس حساباً لمعدّل ذكائهم خوفاّ من ألا تكون المعلومات المتلقاة وافية ودقيقة.
تفاعل كثير من الباحثين بريبة مع التطورات الجديدة، محذرين من أنّ اختبارات الحمض النووي يجب ألا تستخدم لتقييم آفاق الأولاد الأكاديمية. وقالت الباحثة الاجتماعية كاثرين بليس، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وصاحبة كتاب يناقش استخدام علم الجينات في العلوم الاجتماعية: «الفكرة هي أننا سنحصل على هذه المعلومات في كلّ مكان نذهب إليه، وكأنّها رقاقات لتحديد الهوية بموجات الراديو، أي أنّ الجميع سيعرف من أنتم، وما أنتم عليه، وبالنسبة لي، هذا الأمر مخيف جداً».وتقول بليس: «إنّ الحياة في عالم يُصنّف فيه الناس بالاعتماد على قدراتهم التي لم تولد بعد هو أمر معقّد. هذا ما يُعرف بعلم تحسين النسل».

دور الجينات
من وجهة نظر علماء النفس، يقيس اختبار نسبة الذكاء ما يعرف بالـ«g»، العنصر العام للذكاء general factor of intelligence، أي أنّ الأشخاص المتفوقين في الرياضيات، والمنطق المكاني، والقدرات الكلامية، وغيرها من المهارات سيحصلون في هذا القياس على مقدار أعلى من «g».
وهذا ليس كلّ شيء، إذ إن عامل «g» يرتبط بشكل كبير بالدّخل، والسعادة، والصحة، وأمد الحياة، أي أنّ ارتفاع الـ«g» يحمل معه الكثير من الأمور الإيجابية... ويعتبر بلومين أن هذا العامل «متغيّر كلّي القدرة» في الحياة.
كما أنّه وراثي بنسبة كبيرة. فقد أظهرت المقارنات التي أجريت بين التوائم، المتطابقة والأخوية، والتوائم التي انفصلت عن بعضها عند الولادة أو تربّت مع بعضها، أنّ الجينات الوراثية تحدّد أكثر من نصف الذكاء، أي أنّ الجينات لها تأثير هائل. أمّا الباقي، فيعتمد على المدارس والأنظمة الغذائية وغيرها من العناصر البيئية.
ولكن ما هي الجينات المسؤولة؟ لم تذهب الدراسة في بدايتها بعيداً في هذا الأمر، فقد فشل بلومين في اكتشاف أي روابط أثناء بحث شمل 7900 طفلا في 2010. ثمّ تورّط بعدها في مغامرة فاشلة مع «بي جي آي»، شركة صينية متخصصة بدراسة التسلسل الوراثي، زوّدها بالحمض النووي لأكثر من ألف عبقري أميركي. فخرجت الدراسة عن مسارها بعد تقارير إخبارية اتهمت الشركة الصينية بنصب فخّ لإنتاج ذرية من «الأطفال العباقرة».
تحقّق الهدف في تحديد الجين المنشود أخيراً في مايو (أيار) 2017. فقد أظهرت دراسة ألمانية أن البنية الجينية لـ78308 أشخاص خضعوا للاختبارات (يضمون 2825 من التوائم الذين استعان بهم بلومين) استقرت على متغيرات وراثية في 22 جيناً مرتبطاً بنتائج معدل الذكاء. في مارس (آذار)، ارتفع العدد سريعاً إلى 199 ألف شخص و500 جين. ويقول بلومين إن تقريراً مرتقباً سيوضح الروابط القائمة بألف جين.
يحتوي كلّ متغيّر جيني عُثر عليه حتى الآن على تأثير طفيف، يلعب دوراً لا يذكر إمّا في رفع مستوى الذكاء أو خفضه. ولكن ما هي الحيلة المعتمدة لتحويل نتائج البحث إلى اختبار لمعدل ذكاء يعتمد على الحمض النووي؟ يكفي أن نضيف علامات الإيجاب والسلب التي نعثر عليها في جينوم شخص محدّد.
تُعرف هذه الأنواع من التقييمات بالـ«نتائج متعددة الجينات». تكتسب هذه التقييمات سريعاً أهمية متزايدة، لأنها تجرى لسمات كثيرة تجاوزت الألفين حتى اليوم، من بينها أمراض القلب والسكري والفصام.
سارع بلومين فوراً إلى الخضوع للاختبار، فقدّم العام الماضي عينة من لعابه في أنبوب وتمّ احتساب نتائج حمضه النووي في مركز بحثه الخاص، التي يستعرضها اليوم خلال المحادثات. بيّنت هذه النتائج أنّ عالم النفس يواجه مخاطر كبيرة بالإصابة بالتهاب المفاصل، واحتمال 94 في المائة بالمعاناة من زيادة الوزن، مقابل احتمال طفيف بالإصابة بالاكتئاب.
بالنسبة لبلومين، الذي يقارب وزنه أحيانا الـ108 كيلوغرامات (240 رطلا)، يشرح طالعه الجيني أنّ المعركة الأكبر في حياتك هي مع النشويات والسكريات. يقول بلومين: «سيقول الناس: لا يمكنك أن تفعل شيئاً حيال هذا الأمر، لأنك سمين بالوراثة. ولكنّه في الواقع سيساعدني في معرفة هذه الحقيقة، لأعيش معركة مستمرة مع السمنة».
وأخيرا اعتبر بلومين تصنيفه المئوي الخاص بالأداء الأكاديمي والذي بلغ 99 نقطة، محرجاً.

بين الذكاء والغباوة
صرح بعض العلماء بأنهم لا يعتقدون أنّ اختبارات نسبة الذكاء ستقدم للناس أي معلومات مفيدة، ولا يعرفون السبب الذي يدفع بلومين للقول إنها ستفعل.
يقول دانيال بوستوما، الذي قاد دراسة كبيرة حول نسبة الذكاء عام 2017: «لن نتمكّن يوماً من النظر إلى حمض أحدهم النووي وإعلامه بأن معدّل ذكائه سيكون 120. إن استخدامه بهذا الشكل لن يكون منطقياً. أنا شخصياً سأكتفي بإعطاء الناس اختباراً لمعدّل ذكائهم». وتلفت بوستوما إلى أن اهتمامها الأساسي هو اكتشاف كيف يعمل الدماغ في مستوى عادي، حيث يمكن للعثور على جينات مرتبطة بالذكاء أن يكون مفيداً.
ولكن بلومين يشير إلى أن اختبارات نسبة الذكاء التي تعتمد على مكعبات ملونة، بالكاد تعطي نتائج مع الأطفال الصغار، وتفشل في التوصل إلى أرقام دقيقة في اختباراتهم المستقبلية. ولكن لا بدّ من التذكير بأنّ حمض الإنسان النووي موجود من لحظة ولادته، ولا يشهد أي تغيّر لاحق. يقول بلومين إنه وفي أولى مراحل حياة الإنسان، قد يلعب الحمض النووي دوراً في تقديم توقعات حول الذكاء أفضل من أي اختبار آخر.
ولكن المشكلة الأساسية هي الدقّة أو عدمها. حالياً، ترصد النتائج متعددة الجينات جزءا فقط من المحددات الجينية للذكاء وليس المحيطية منها، مما يعني أن التوقعات لا تزال ضبابية.
ويبدو هذا الأمر، أي قلة الدقة، جليّاً في بيانات بلومين نفسها وذلك بعد أن احتسب مركز أبحاثه النتائج الجينية المتعددة لمئات التوائم الذين تابعهم منذ ولادتهم، والذي يحتفظ بعينة من حمضهم النووي في ملفات. ثم وبعدها، قارن نتائج الجينات مع أداء التوائم (الذين أصبحوا اليوم في العشرينات) في اختبار أجري في أرجاء المملكة المتحدة، خضع له الجميع خلال مرحلة المراهقة.



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».