«صراع أجنحة» يدفع عمّ الحوثي وصهره للتخلف عن مبايعة المشاط

الميليشيات تحقق بالحديدة في «خيانات مؤتمرية» سهلت اصطياد الصماد

حوثيون خرجوا في تجمع دعت إليه الجماعة في صنعاء أول من أمس (إ.ب.أ)
حوثيون خرجوا في تجمع دعت إليه الجماعة في صنعاء أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

«صراع أجنحة» يدفع عمّ الحوثي وصهره للتخلف عن مبايعة المشاط

حوثيون خرجوا في تجمع دعت إليه الجماعة في صنعاء أول من أمس (إ.ب.أ)
حوثيون خرجوا في تجمع دعت إليه الجماعة في صنعاء أول من أمس (إ.ب.أ)

في ظل حالة من الصراع المتصاعد بين أجنحة الميليشيات الحوثية، تغيب أمس قياديان كبيران من أقارب زعيم الجماعة، مع ثلاثة قادة قبليين، عن أداء يمين الولاء للرئيس الجديد لمجلس حكم الجماعة مهدي المشاط، الذي كان عينهم أعضاء في النسخة الحوثية غير الشرعية من مجلس الشورى إلى جانب 27 شخصية أخرى.
وجاء تغيب القيادي عبد الكريم الحوثي، وهو عم زعيم الجماعة ورجل الظل الحاكم لصنعاء، عن أداء اليمين أمام المشاط، في ظل وجود حالة واسعة من انهيار الثقة والتخوين المتبادل بين قادة الجماعة وبين كبار الموالين لها من التيارات الحزبية والعسكرية الأخرى على خلفية مقتل رئيس مجلس حكم الجماعة السابق صالح الصماد.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر مطلعة على تحركات الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، بأن قادة الجناح الموالي للصماد، شكلوا لجنة أمنية وعسكرية، وأمروها الأسبوع الماضي بالنزول إلى محافظة الحديدة الساحلية (غرب) للتحقيق في ملابسات مقتل الصماد وستة من مرافقيه، جراء ضربة لطيران تحالف دعم الشرعية قبل نحو أسبوعين.
وذكرت المصادر الرسمية للميليشيات الحوثية أن 27 شخصاً من الموالين للجماعة أدوا أمس في صنعاء يمين الولاء لرئيس مجلس حكم الجماعة الجديد مهدي المشاط (المجلس السياسي الأعلى)، بعد أن كان أصدر قبل أيام قراراً غير شرعي بتعيينهم في النسخة الحوثية الخاضعة للجماعة من مجلس الشورى اليمني، إلى جانب عبد الكريم الحوثي عم زعيم الجماعة، والصهر الآخر لزعيمها والقيادي في مجلسها السياسي عبد الملك العجري.
ورجحت مصادر مقربة من الجماعة، أن تغيب عم الحوثي وصهره عن أداء اليمين، جاء بسبب حالة الصراع المتصاعدة بين أجنحة الميليشيات الحوثية والقيادات المقربة من زعيمها عبد الملك الحوثي، إذ يرفض الكثير منهم الاعتراف بأحقية المشاط في خلافة الصماد على رأس المنصب الأول في حكم الجماعة الانقلابي، لجهة حداثة سنه وتهوره في اتخاذ القرارات، إلى جانب بذاءاته اللفظية التي يوجهها للمخالفين لرأيه.
وأشارت المصادر إلى وجود حديث يدور خلف كواليس الجماعة عن قيام عبد الكريم الحوثي بإبلاغ ابن أخيه، عبد الملك، رفضه للتعيين في عضوية نسخة الجماعة من مجلس الشورى، لجهة أنه يرى أن سلطته جزء من السلطة اللا محدودة لابن أخيه في زعامة الميليشيات، فضلاً عن كونه الوريث الأول المستحق لتزعمها في حال فارق ابن أخيه الحياة، لأي سبب كان.
إلى ذلك، يعد المتغيب الثاني عن حلف اليمين، وهو عبد الملك العجري، صهر زعيم الجماعة، والقيادي البارز في مكتبها السياسي، المسؤول الأول عن التنظير الفكري والثقافي والتأصيل لأحقية الجماعة في الحكم، ويرجح المراقبون أنه يرى في نفسه القيادي الأمثل لخلافة الصماد وليس المشاط.
ولم تعرف الأسباب التي جعلت ثلاثة آخرين من القيادات القبلية الموالية للجماعة تتخلف هي الأخرى عن أداء اليمين أمام المشاط، إلا أن هناك شكوكاً حول رفض أحدهم للمنصب، وهو الزعيم القبلي في مديرية كشر التابعة لمحافظة حجة، محمد صالح الزعكري، في حين ترجح مصادر قبلية إصابة الزعيم القبلي الموالي للجماعة فارس الحباري، المنتمي إلى مديرية أرحب، في غارة جوية حديثة، ولا يزال مصيره مجهولاً.
وجاءت هذه التطورات في ظل أنباء متداولة في صنعاء عن قيام الميليشيات بتشديد الرقابة على تحركات رئيس الحكومة الانقلابية عبد العزيز بن حبتور وعدد من وزرائه، الذين تساور الجماعة شكوك متصاعدة بشأن ولائهم لها، إلى جانب مخاوفها من أن يقوموا بالانشقاق عنها، والفرار باتجاه مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وفي سياق آخر، أفادت مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط»، بأن لجنة التحقيق بشأن مقتل الصماد، أجرت تحقيقات مطولة مع قيادات مدنية وعسكرية، وحزبية، في مقدمهم محافظ الجماعة في الحديدة، حسن الهيج، وهو قيادي محلي في حزب «المؤتمر الشعبي» ومن أتباع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذين كانوا اختاروا البقاء بعد مقتله في مناصبهم تحت إمرة الميليشيات الحوثية.
وفي سياق متصل، ذكرت المصادر، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، أن لجنة التحقيق الحوثية التي أرسلتها إلى الحديدة، لتقصي ملابسات مقتل الصماد، توصلت إلى قناعات أسرت بها إلى قادتها في صنعاء بأن محافظها الهيج إلى جانب وزير ماليتها حسين مقبولي، هما ممن تحوم حولهما الشبهات بشأن الإدلاء بمعلومات استخباراتية، مكّنت تحالف دعم الشرعية من اصطياد الصماد ومرافقيه بعد خروجه من اجتماع معهم.
وطبقاً للتسريبات عما ورد في التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق الحوثية، فإن جثة الصماد استمرت تحترق داخل السيارة المصفحة التي كان يستقلها نحو 6 ساعات، بعد استهدافها من قبل طيران التحالف، دون أن يقوم عناصر الجماعة بالتدخل لانتشالها خشية استهدافهم.
كما ورد أن الصماد ومرافقيه كانوا متجهين في سيارتين لتناول طعام الغداء، قبل أن يقوموا بالمناورة وتغيير مسارهم المألوف في شوارع المدينة، بعد سماعهم تحليق الطيران، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل، لجهة دقة المعلومات التي كانت لدى استخبارات التحالف عن نوع سيارة الصماد ولونها.
وفي الوقت الذي شمل التحقيق الحوثي استجواب قادة أمنيين وعسكريين موالين للرئيس الراحل علي عبد الله صالح، أفادت المصادر بأن اللجنة الحوثية توصلت إلى معلومات تفيد بوجود اتصالات سرية بين هذه القيادات وبين القوات التي يقودها العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل، في الساحل الغربي جنوب الحديدة، في سياق التنسيق لطرد الميليشيات الحوثية من الحديدة، وتقديم المعلومات الاستخباراتية من قبلهم عن أماكن وجود قادة الجماعة ورصد تحركاتهم.
وأكدت المصادر أن لجنة التحقيق الحوثية أمرت باعتقال عدد من العسكريين والأمنيين الذين كانوا موالين للرئيس السابق، بعد أن اشتبهت بهم واقتادتهم إلى أماكن مجهولة، كما وضعت محافظها الهيج تحت المراقبة بعد أن تراجعت عن اعتقاله لجهة ما يمثله من نفوذ قبلي وحزبي بين أتباعه في مناطق شمال الحديدة.
وفي مسعى من قبل الهيج لنفي تهمة الخيانة التي تلمح لجنة التحقيق بإلصاقها به، قرر أمس، إقامة نصب تذكاري للصماد في مدينة الحديدة، وأمر بطباعة صور له لتعليقها في أنحاء المدينة، على إثر اجتماع عقده مع المسؤولين المحليين وبحضور عناصر من الميليشيات.
وفي سياق متصل أفادت مصادر محلية بأن الجماعة تتكتم على مصرع عدد من قادتها، لم تعرف هويتهم بعد، ويرجح أنهم سقطوا أمس في ضربات لطيران تحالف الشرعية استهدفتهم أثناء وجودهم في منطقة الكثيب شمال ساحل مدينة الحديدة.
ورغم أن النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» اعترفت بوقوع الضربات، إلا أنها اكتفت بخبر مقتضب عن حدوث ضربتين جويتين في المنطقة نفسها التي ذكرتها المصادر، دون أن تورد أي حديث عن سقوط ضحايا، وذلك على غير العادة التي يتبعها الإعلام الحوثي في محاولاته لتزوير وجود ضحايا في أوساط المدنيين.
في غضون ذلك أوردت الوكالة الحوثية خبراً أمس عن قيام الميليشيات باعتقال مواطن في الحديدة؛ قالت إنه سائق دراجة نارية متهم بتقديم معلومات ترصد تحركات الجماعة وقادتها في المدينة مقابل مبالغ مادية.
كما أوردت نبأ اعتقال خمسة أشخاص آخرين في مدينة رداع غرب محافظة البيضاء، قالت إنه تم تجنيدهم من محافظة إب للالتحاق بصفوف القوات الحكومية في مأرب، إضافة إلى اعتقال مواطن في محافظة المحويت زعمت أنه يقوم بتجنيد الشبان للالتحاق بقوات الشرعية.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.