الآلاف من الوسائد الهوائية لا تزال تشكل خطراً على الطريق

أكياس «ألفا» تسببت في 11 حالة وفاة أميركية

صورة عائلية لإحدى ضحايا أكياس الهواء غير الآمنة
صورة عائلية لإحدى ضحايا أكياس الهواء غير الآمنة
TT

الآلاف من الوسائد الهوائية لا تزال تشكل خطراً على الطريق

صورة عائلية لإحدى ضحايا أكياس الهواء غير الآمنة
صورة عائلية لإحدى ضحايا أكياس الهواء غير الآمنة

يجد ألكسندر برانغمان قدْراً من الراحة في ذكرى ابنته التي عاشت 26 سنة و11 شهراً و9 ساعات و15 دقيقة تماماً، بدلاً من ذكرى الطريقة الرهيبة وغير الضرورية التي توفيت بها.
كانت جويل برانغمان طالبة أميركية متفوقة في المدرسة الثانوية، وعلى وشك الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة ستانفورد، ولم تكن بها حاجة إلى معرفة الكثير عن السيارة المستأجرة التي كانت تستقلها شمالاً نحو لوس أنجلوس في ذلك اليوم المشمس من شهر سبتمبر (أيلول) قبل نحو 4 سنوات.
ثم وقعت حادثة اصطدام طفيفة نسبياً، إذ اصطدمت بخلفية شاحنة صغيرة، فانطلقت الحقيبة الهوائية في سيارتها برشاش مندفع من الشظايا المعدنية الشائكة التي أسفرت عن جرح قطعي في الشريان السباتي لديها. وبعد مرور 10 سنوات على أكبر عملية استرجاع لأسباب تتعلق بالسلامة تمت في تاريخ الولايات المتحدة، تقول شركة «هوندا» إن هناك أكثر من 60 ألف سيارة على طرق البلاد مجهزة بما يسميه الخبراء «القنابل الموقوتة»، وهي الأكياس الهوائية المعيبة مثل تلك التي تسببت في مقتل جويل برانغمان. وتلك الأكياس الهوائية، التي تبعد مسافة قدم واحدة عن صدر سائق السيارة، عرضة بنسبة 50 - 50% للانفجار بسبب أبسط حوادث الاصطدام الممكنة.
ومن بين أكثر الأكياس الهوائية خطورة تلك المتبقية من عمليات الاسترجاع والتي تشمل أكثر من 37 مليون سيارة من التي قامت 19 شركة من شركات صناعة السيارات بإنتاجها. وتعرض ما لا يقل عن 22 شخصاً للقتل في كل أنحاء العالم مع إصابة المئات الآخرين بالتشويه بسبب انفجار الأكياس الهوائية بالشظايا والقطع المعدنية بدلاً من وجودها لتوفير الحماية والسلامة في أثناء القيادة.
- أكياس «ألفا» الخطرة
ومن أسوأ أنواع أكياس الهواء تلك المعروفة باسم «ألفا»، وهي أكياس الهواء بجانب السائق في سيارات «هوندا» والتي لديها نسبة تصل إلى 50% بالانفجار لحظة اصطدام السيارة. وهناك نحو 62 ألفاً و307 سائقين ما زالوا يقودون سياراتهم المزودة بهذه الأكياس الهوائية المعيبة، والعديد منهم في الموديلات القديمة من السيارات والتي انتقلت من سائق لآخر مرات عديدة من الذين إما قد تجاهلوا دعوة الاسترجاع وإما لم يعلموا بها من الأساس، كما قالت شركة «هوندا».
ومع استمرار ارتفاع أعداد الوفيات والإصابات والتشوهات –كانت آخر حالة مسجلة في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي– أعادت شركات صناعة السيارات والجهات الرقابية المعنية صياغة اللوائح في محاولات التواصل مع المستهلكين، بما في ذلك نشر فرق العمل للطرْق على أبواب أصحاب سيارات «هوندا» من الذين لم يستجيبوا لنداء الاسترجاع المشار إليه مسبقاً.
يقول ريك شوستك، نائب المدير التنفيذي لشركة «هوندا أميركا الشمالية»: «إننا نملك خبرات جيدة في إصلاح السيارات. ولكن العثور على أصحاب الموديلات القديمة وإقناعهم باستكمال عملية الاسترجاع أثبت أنه من التحديات المرهقة للغاية».
وكانت السيارة التي استأجرتها جويل برانغمان من مكتب «صن - ست لتأجير السيارات» سيارة «هوندا سيفيك» موديل عام 2001، وقد ابتاعت الشركة الصغيرة السيارة من أحد المزادات قبل 3 سنوات أو نحوها، بعدما كانت قد تعرضت لحادثة اصطدام سابقة وصدر تقرير من شركة التأمين بأن السيارة في حالة خسارة فادحة. وعلى الرغم من أن السيارة كانت قيد الاسترجاع منذ عام 2009، قالت شركة «هوندا» إنها أرسلت 4 إخطارات باسترجاع السيارة من دون الحصول على أي استجابة في المقابل.
- شركة «تاكاتا» اليابانية
كانت حادثة اصطدام جويل برانغمان مثالاً بارزاً على حوادث الاصطدام البسيطة، إذ إنها اصطدمت بشاحنة خفيفة من الخلف، وألحقت الضرر بمصد الشاحنة وبسيارتها أيضاً، وتسببت في اعوجاج غطاء سيارتها الأمامي.
وقال والدها عن ذلك: «كانت الأضرار طفيفة. وكان من المشكوك فيه إلى حد كبير أن يتسبب اصطدام كهذا في انفجار الكيس الهوائي على الإطلاق. لقد كانت حادثة يمكن لابنتي المرور منها بسلام». بدلاً من ذلك، كما قال ألكسندر برانغمان: «دخلت إلى مركز علاج الصدمات في مستشفى جامعة جنوب كاليفورنيا، وكان ما رأيته مريعاً للغاية: هناك ابنتي الوحيدة الجميلة متصلة بجهاز الإنعاش القاسي للغاية»، ولقد أخبره الأطباء أنها تعاني من وفاة دماغية مبكرة.
وعلم ألكسندر برانغمان بعد ذلك أن ابنته كانت تقود سيارة مستأجرة منذ 3 أسابيع مزودة بكيس هوائي مجهز بالمصنع من طراز «ألفا». وأدى انحرافٌ ما في عملية التصنيع إلى جعل الكيس الهوائي (ألفا) هو الأكثر فتكاً بين مختلف الموديلات.
وكانت عملية الاسترجاع الهائلة لأكياس الهواء المعيبة قد تمت بواسطة شركة «تاكاتا» اليابانية لتصنيع قطع غيار السيارات –التي يقال إنها تعمدت إخفاء الاختبارات التي تكشف عن العيب في الأكياس الهوائية– والتي يواجه 3 من مسؤوليها التنفيذيين جملة من الاتهامات الفيدرالية الأميركية. وهذه الشركة معروفة جيداً لدى الكونغرس الأميركي ولدى ملايين من المواطنين الأميركيين الأكثر عرضة للمخاطر بسبب منتجاتها. ولكن هناك عشرات الآلاف من السائقين الأميركيين الأكثر عرضة للأخطار غافلون عن الجهود المضنية المبذولة من جانب شركات صناعة السيارات والإدارة الوطنية للسلامة على الطرق السريعة.
يقول السيناتور بيل نيلسون من فلوريدا، وهو من أبرز الأعضاء الديمقراطيين في لجنة التجارة والعلوم والتكنولوجيا في الكونغرس: «إن جلسة الاستماع الأخيرة بشأن الفشل المستمر من جانب شركة «تاكاتا» تعد من الأدلة على أن الإدارة الوطنية للسلامة على الطرق السريعة تفتقر إلى الدقة والتوجيه. وتعكس آخر البيانات التي حصلت عليها اللجنة من شركات صناعة السيارات أن معدلات استكمال الاسترجاع من إحدى شركات السيارات كانت في كل مكان، وأن الملايين من المواطنين لا يزالون على قوائم الانتظار لاستبدال الأكياس الهوائية المعيبة في سياراتهم.
وبقيت الإدارة الوطنية للسلامة على الطرق السريعة من دون مدير مباشر لها خلال الـ15 شهراً منذ تولي الرئيس ترمب رئاسة البلاد. ولقد اقترح الرئيس مؤخراً ترقية هايدي كينغ المديرة بالإنابة في الإدارة، لتتولى منصب المدير المباشر. والسيدة كينغ، التي يستلزم تعيينها في هذا المنصب موافقة الكونغرس أولاً، أخبرت لجنة التجارة في الكونغرس الشهر الماضي بأن شركات السيارات قد أحرزت قدراً من التقدم على مسار عملية الاسترجاع لدى شركة «تاكاتا»، وأردفت تقول: «غير أن ذلك التقدم غير متساوٍ. وتعد معدلات الاسترجاع بشكل عام ليست على المستوى الذي نتوقعه أو ننشده».
وتتحلل نوافخ «تاكاتا» بمرور الوقت لأنها تتعرض للرطوبة المستمرة والتقلبات المتكررة في درجات الحرارة اليومية. ويمكن للسيارة الواحدة أن تنتقل بين مختلف السائقين خلال فترة 10 سنوات، الأمر الذي زاد من صعوبة عملية الاسترجاع، نظراً إلى أن أصحاب السيارات يتخلصون من إخطارات تاجر أو صانع السيارة بمجرد بيعها لأشخاص آخرين قبل ذلك بسنوات.
وفي حين أن أغلب نوافخ «تاكاتا» تتعرض للتلف بمرور الوقت عند تعرضها للتغيرات المستمرة في درجات الحرارة والرطوبة، فإن أكياس «ألفا» الهوائية قد تعرضت لاختبارات الرطوبة العالية في مصنع «تاكاتا» في مونكلوفا في المكسيك قبل تركيبها في السيارات.
وفي استجابتها لدعوة الكونغرس «السرية» في عام 2015، أقرت شركة «تاكاتا» بأن الجهاز الدافع للأكياس الهوائية ظل متروكاً في محطات العمل بالمصنع خلال فترة التوقف عن العمل المطولة في خط التجميع، مما عرّضها للمزيد من الرطوبة المرتفعة داخل المصنع.
- أكياس منخفضة التكاليف
وتم تركيب أكياس «ألفا» الهوائية في أكثر من مليون سيارة «هوندا أكورا» في الفترة بين عامي 2001 و2003، ولقد كانت سبباً مباشراً في 11 حالة وفاة من أصل 15 حالة وفاة أميركية عندما تنفجر نوافخ «تاكاتا».
وعلى الرغم من وجود إشارات على أن أكياس «تاكاتا» الهوائية قد تكون قاتلة –مع حالات الانفجار القاتلة التي وقعت بالفعل في عامي 2003 و2004– كانت أول عملية استرجاع في الولايات المتحدة من قبل شركة «هوندا» في عام 2008.
وكانت السنوات العشر التي تلت ذلك مفعمة بالمزاعم التي تفيد بأن شركة «تاكاتا» تجاوزت الطريق وقللت من مستويات الجودة المطلوبة، بغية تلبية الطلبات المرتفعة على المنتجات، وأن الشركة تعمدت إخفاء الاختبارات التي تكشف عن فداحة المشكلة.
ويرجع أصل عملية الاسترجاع الكبرى عندما خرجت شركة «تاكاتا» –التي كانت تعمل بالأساس في صناعة أحزمة أمان السيارات ولكنها من اللاعبين الفرعيين في مجال صناعة الأكياس الهوائية– بطريقة لصناعة الأكياس الهوائية منخفضة التكاليف.
وبعد سنوات قليلة بعد عملية تفجير أوكلاهوما سيتي الإرهابية في عام 1995، استخدمت الشركة نفس المادة التي تسببت في هذا الانفجار، وهي نترات الأمونيوم، في إطلاق نوافخ الأكياس الهوائية لحظة اصطدام السيارات.
ويمكن لمادة نترات الأمونيوم –على العكس من مادة «تيترازول» الكيميائية المستقرة نسبياً والتي تستخدمها الشركات الأخرى– أن تكون غير مستقرة، لا سيما عندما تتعرض للرطوبة العالية.
وعثرت شركة «تاكاتا» على سوق جاهزة لأكياس الهواء الرخيصة لديها، حيث توسعت على نحو سريع لتلبية الطلب من شركات صناعة السيارات الطامعة في المزيد من الربح، بما في ذلك شركة «جنرال موتورز».
وكانت شركة «أوتوليف» السويدية هي المزود الرئيسي للأكياس الهوائية في سيارات «جنرال موتورز»، غير أن تلك الشركة خرجت من سباق المنافسة التي قدمتها شركة «تاكاتا» بسبب أنها رفضت استخدام مادة نترات الأمونيوم المتطايرة وغير المستقرة.
وتم الإبلاغ للمرة الأولى عن قرار شركة «أوتوليف» بالتخلي عن عقد «جنرال موتورز» عن طريق صحيفة «نيويورك تايمز»، كما كان يقضي السيناريو الذي أسفر في نهاية المطاف عن توجيه الاتهامات إلى 3 من المديرين التنفيذيين في شركة «تاكاتا».
وبعد انفجار الكيس الهوائي في سيارة «هوندا أكورد» في ولاية ألاباما عام 2004، أكدت شركة «تاكاتا» لشركة «هوندا» أن الحادثة عَرَضية. ولكن في الأثناء ذاتها، شرعت شركة «تاكاتا» في اختبار 50 نافخاً من نوافخ الأكياس الهوائية التي جمعتها من ساحات الخردة. ورغم تعطل اثنين من هذه النوافخ، أوقفت شركة «تاكاتا» عملية الاختبار وأمرت الفنيين بإزالة البيانات المتعلقة بالاختبار من حواسيبهم، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز». ونفت شركة «تاكاتا» أمام الكونغرس أنها قد قامت بالاختبارات من الأساس.
وبعد مرور سنوات، قالت الإدارة الوطنية للسلامة على الطرق السريعة إن شركة «تاكاتا» لم تكن تتسم بالصراحة الكاملة إزاء المعلومات المقدمة، أو بالتعاون الكامل مع التحقيقات الجارية بشأن الخلل المحتمل في السلامة. وفرضت وزارة العدل الأميركية غرامة بقيمة مليار دولار على شركة «تاكاتا» لهذا الإخفاق الواضح من جانبها.
وقالت باربارا ماكويد، المحامية العامة الأميركية لمقاطعة شرق ميشيغان، في إعلان فرض الغرامة العام الماضي: «لقد اعترفت شركة (تاكاتا) بمخطط الاحتيال على العملاء من خلال التلاعب في بيانات الاختبارات المتعلقة بأداء أكياس الهواء المنتجة لديها. لقد تعمدت الشركة تزوير البيانات والتلاعب بها نظراً إلى سعيها وراء تحقيق الأرباح بأي وسيلة».
كما كشفت السيدة باربارا ماكويد عن توجيه الاتهامات بحق 3 من المديرين التنفيذيين في شركة «تاكاتا» بشأن التلاعب في بيانات الاختبار بهدف خداع شركات صناعة السيارات بشأن سلامة الأكياس الهوائية التي تنتجها الشركة. وجاء في لائحة الاتهام أن المديرين التنفيذيين الثلاثة كانوا على علم اعتباراً من أوائل عام 2000 باحتمال انفجار الأكياس الهوائية.
والمديرون التنفيذيون الثلاثة المتهمون «شينيشي تاناكا (59 عاماً)، وهايديو ناكاجيما (51 عاماً)، وتسونيو شيكارايشي (61 عاماً)»، هم مواطنون يابانيون ولم يتم تسليمهم إلى الولايات المتحدة.

- خدمة «واشنطن بوست»



النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.


صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
TT

صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)

يواصل صندوق التنمية الزراعية السعودي خطواته المتسارعة لتعزيز الأمن الغذائي، واستدامة القطاع الزراعي في المملكة، عبر رفع معدلات الاكتفاء الذاتي وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية شاملة توازن بين تمويل الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد، وبين البرامج الخارجية لاستيراد المنتجات المستهدفة والاستثمار الزراعي العابر للحدود.

وقال المتحدث الرسمي لصندوق التنمية الزراعية، حبيب الشمري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يقوم به الصندوق يأتي ضمن استراتيجيته المتوافقة مع الاستراتيجية الوطنية للزراعة واستراتيجية الأمن الغذائي، موضحاً أن الصندوق يواصل دعمه وتشجيعه لاستخدام التقنيات الحديثة في مشاريع القطاع الزراعي، للحفاظ على الموارد الطبيعية وتحسين الإنتاجية الزراعية.

وأضاف الشمري أن التقنيات تسهم في توفير الاحتياجات في قطاعات البيئة والطاقة والمياه؛ إذ صرف صندوق التنمية الزراعية في 2024 أكثر من 1.2 مليار ريال (300 مليون دولار) للمشاريع التي تستخدم التقنيات الحديثة؛ حيث ساهمت في الحفاظ على الموارد المائية بتوفير ما يقارب 4 ملايين متر مكعب من المياه، وساهم في خفض استهلاك الطاقة بنحو 330 ألف ميغاواط/ ساعة.

ومن مزايا التقنية المستخدمة في قطاع الزراعة، وفقاً للشمري، تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، من خلال تحسين كفاءة الاستهلاك، وذلك ضمن «مبادرة السعودية الخضراء»؛ إذ موَّل الصندوق مشاريع زراعية بما قيمته 26.6 مليون ريال (7.1 مليون دولار) لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي، كاشفاً أن الصندوق ساهم في حماية التنوع الحيوي والبيولوجي للبيئة، من خلال تمويل برامج تدعم تطوير تربية النحل وإنتاج العسل، وتنمية زراعة الورد والمحاصيل البعلية، إضافة إلى قروض تجاوزت قيمتها 12 مليون ريال لتمويل مشاتل مركزية.

وبلغت موافقات القروض التي قدَّمها الصندوق حتى نهاية عام 2025 نحو 6.47 مليار ريال (1.72 مليار دولار)، حسب المتحدث الرسمي الذي أشار إلى أنه جرى خلال العام المنصرم توقيع مذكرة تفاهم مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في روما، بهدف دعم التنمية الريفية الزراعية المستدامة، وتبادل الخبرات، بما يسهم في رفع كفاءة العمل التنموي وتحقيق الاستدامة في القطاع الزراعي.

ولفت الشمري إلى أهمية هذه الاتفاقيات التي تنعكس على القطاع الزراعي، ومنها عدد من الاتفاقيات مع بعض الجهات المحلية، مثل مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، وذلك بهدف تعزيز التكامل في مجال الفرص الاستثمارية في القطاع الغذائي، وتعظيم الاستفادة من البرامج التي يقدمها الصندوق للمستثمرين والمزارعين، في سبيل تعزيز وتحقيق الأمن الغذائي.

كما قام الصندوق بإبرام اتفاقية مع المركز الوطني للنخيل والتمور، لتعزيز واستدامة قطاع النخيل والتمور والصناعات التحويلية، من خلال تمويل التكاليف التشغيلية لشراء التمور، وتوفير حلول تمويلية مبتكرة تناسب احتياجات القطاع، وكذلك مع هيئة تطوير محمية الإمام عبد العزيز بن محمد الملكية، بهدف التعاون المشترك في مجالات تنمية الغطاء النباتي، واستدامة الأنظمة البيئية، ودعم المجتمعات المحلية داخل نطاق المحمية.

وفي خطوة لتعزيز قطاع الثروة الحيوانية، أبرم الصندوق اتفاقية مع شركة «الراعي الوطنية للمواشي» لتمويل مشروع تربية أغنام في منطقة حائل بقيمة تبلغ 1.106 مليار ريال (295 مليون دولار)، وبتكلفة استثمارية إجمالية تصل إلى مليارَي ريال (533 مليون دولار). كما وقَّع اتفاقية مع مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) لتنظيم آليات بيع العقارات المحجوزة وتسخير الخبرات المتاحة بين الجانبين.