نتنياهو يتهم إيران ببرنامج {سري} لتطوير أسلحة نووية

تحدث عن اختراق استخباراتي وظريف ينفي... وترمب يقلل من أثر الانسحاب من الاتفاق مع طهران على المفاوضات الكورية

نتنياهو أثناء كلمته حول البرنامج النووي الإيراني أمس (أ.ف.ب)
نتنياهو أثناء كلمته حول البرنامج النووي الإيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يتهم إيران ببرنامج {سري} لتطوير أسلحة نووية

نتنياهو أثناء كلمته حول البرنامج النووي الإيراني أمس (أ.ف.ب)
نتنياهو أثناء كلمته حول البرنامج النووي الإيراني أمس (أ.ف.ب)

وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، أمام شاشة ذكية وستارتين لونهما أسود، خلال خطاب متلفز، للإعلان عن حصول الدولة العبرية على «أدلة قاطعة» قال إنها تؤكد «تضليل» طهران للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول عدم وجود مشاريع لتطوير رؤوس نووية، كاشفاً ما وصفه بـ«اختراق استخباراتي» وصلت بموجبه إسرائيل إلى {الأرشيف السري} للبرنامج النووي الإيراني في ضاحية طهران الجنوبية.
وبحسب نتنياهو، فإن الأرشيف الخاص تحافظ عليه إيران في موقع يدعى «شور آباد»، جنوب طهران، معتبراً أن هذه الوثائق {تقدم دليلاً قاطعاً على برنامج سري تخفيه إيران منذ سنوات عن المجتمع الدولي».
وقبل عرض {الوثائق}، قدم نتنياهو مقاطع مصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، يتحدثون خلال مناسبات منفصلة عن عدم وجود برنامج تسلح نووي إيراني.
وبدأ نتنياهو تصريحاته باتهام إيران بـ«الكذب» على المجتمع الدولي، لا سيما بعد التوصل إلى الاتفاق النووي في 2015، متهماً إياها بـ{إخفاء ملفات نووية على صلة بتطوير وإنتاج أسلحة نووية في موقع سري في ضاحية طهران، خلال عام 2017}.
وقال نتنياهو إن الموقع {يحتوي على أرشيف للأسلحة النووية، مخزن في صناديق محكمة الإغلاق»، مشيراً إلى أن إسرائيل حققت «إنجازاً استخباراتياً»، أدى إلى اكتشافها «معلومات تشير إلى تخزين إيران نسبة من المواد داخل الصناديق»، ثم أزاح بيده ستارتين تخفيان خلفهما مجموعة ملفات قال إنها تضم 55 ألف صفحة من الوثائق، إضافة إلى 55 ملفاً مخزناً في 183 قرصاً مدمجاً.
وأضاف نتنياهو أن {الوثائق نسخ مطابقة لأصل النسخ الموجودة في إيران». وتابع أنها {جزء من مجموعة وثائق بحوزة إسرائيل «دل على إدانة إيران».
وكشف نتنياهو عن مشاركة محتوى الوثائق مع الولايات المتحدة، مشدداً على أنها «يمكن أن تؤكد صحتها»، كما وعد بعرض تلك الوثائق على الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وشرح نتنياهو «تفاصيل مشروع سري إيراني يدعى (آماد)، بين 1999 و2003»، مشيراً إلى أنه «مشروع شامل لتصميم وتصنيع الأسلحة النووية»، وقال إنه «يمكن أن يؤكد أن إيران تخزن مشروع (آماد) من أجل استخدامه في وقت تختاره لأجل تطوير سلاح نووي». وتطرق بعد ذلك إلى المراحل التقنية للمشروع، قائلاً إنه «يتضمن تصميم واختبار وإنتاج 5 رؤوس حربية، الواحد منها يزن 10 أطنان من مادة (تي إن تي) من أجل تحميلها على الرؤوس النووية»، وهو ما يعادل 5 قنابل من التي ألقيت على هيروشيما، على حد تعبيره.
وبحسب رواية نتنياهو، يشتمل البرنامج على إنتاج الكعكة الصفراء، وتخصيب اليورانيوم، وأجهزة الطرد المركزي، ومحاكاة الاختبار النووي، موضحاً أن تحليل مشروع «آماد» خلص إلى أنه {يتضمن كل المقومات الخمسة لإنتاج أسلحة نووية}. كما استعرض رسوماً قال إنها «لصناعة القنبلة الإيرانية، ومحاكاة لاختبار الأسلحة النووية». كما كشف عن رسوم توضح مكونات القنبلة النووية الإيرانية.
وأفاد نتنياهو بأن الوثائق تكشف عن 5 خرائط لـ5 مواقع مفترضة لاختبار الأسلحة النووية في شرق إيران، مضيفاً أنه «يملك كثيراً من الوثائق حول ذلك».
ودعم نتنياهو أدلة تشير إلى إصرار إيران على تطوير الصواريخ الباليستية من ألف كيلومتر إلى نحو ألفي كيلومتر، وقال إنها تهدد مناطق عدة في الإقليم وخارجه. وأضاف أن {الوثائق تظهر الكذب السافر من إيران بشأن الأسلحة النووية».
وعن دخول برنامج إيران مرحلة السرية، قال إنه بدأ حين كان علي شمخاني وزيراً للدفاع، قبل تعيينه في منصب أمين عام مجلس الأمن القومي. وحسب مزاعم نتنياهو، فمنذ ذلك الحين، انقسم البرنامج النووي الإيراني إلى شقين: سري ومعلن.
وفي هذا الصدد، أشار إلى شخص يدعى محسن فخري زاده، معتبراً إياه مسؤولاً عن مواصلة العمل على مشروع «آماد»، الذي يهدف للتوصل إلى إنتاج قنبلة نووية. وقال إن إيران واصلت المشروع «عملياً من خلال بعض المؤسسات، وهذا العمل يتواصل بيد مؤسسة تحمل اسم (سبند)، من داخل وزارة الدفاع، يديرها فخري زاده».
واعتبر أن {هذا كله يظهر أن إيران تواصل العمل على أعلى مستويات للحصول على أسلحة نووية، تحت تسميات مختلفة باستخدام الموظفين أنفسهم}.
كما قدم نتنياهو أمثلة أخرى عن مشروع «آماد»، قائلاً إن «منشآت تخصيب اليورانيوم أنشأتها إيران تحت الجبال، وهي لا تعمل لإنتاج الأدوية، إنما لإنتاج الأسلحة النووية. والوثائق تظهر أن الأماكن صممت لتخزين الأسلحة النووية، كجزء من مشروع (آماد)»، لافتاً إلى أن إيران {تواصل العمل بشكل سري تحت الجبال».
وانتقد نتنياهو الاتفاق النووي، وقال إنه «سمح لها بفعل ذلك، في حين أنها كانت مطالبة من الوكالة بأن تقول كل شيء حول برنامجها النووي، وهو من بين الشروط الأساسية قبل تنفيذ الاتفاق»، وأضاف أنه «كان عليها ألا تكذب، والوكالة الدولية نشرت تقييمها في ديسمبر (كانون الأول) 2015»، متهماً إيران بالتستر على مشروع «آماد».
وامتدت اتهامات نتنياهو إلى مخالفة طهران قواعد الوكالة الدولية، في ما يتعلق باختبار أجهزة في تقنية «إم بي آي»، وقال إن «إيران كذبت حول عدم قيامها باختبار أجهزة تستخدم في السلاح النووي، في حين أن الوثائق تثبت خلاف ذلك».
واستنتج نتنياهو في النهاية أن إيران فضلاً عن «الكذب» حول الشق العسكري في برنامجها النووي، واصلت الحفاظ والتوسع في الخبرة لاستخدام تلك التكنولوجيا السرية في المستقبل. وفي الاستنتاج الثالث، قال إنها «كذبت على الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول حقيقة مشروعها النووي». وخلص في استنتاجه الرابع إلى أن «الاتفاق النووي قائم على الأكاذيب والتضليل الإيراني»، مضيفاً أن «مائة ألف وثيقة تدل على كذب إيران».
وشرح نتنياهو أن «الاتفاق النووي يمنح إيران طريقاً واضحة لإنتاج الأسلحة النووية، لأنه يعطيها العناصر الثلاثة لليورانيوم المخصب، وهم يخططون ليكون لديهم 700 جهاز طرد مركزي تحت الأرض. وثانياً، الاتفاق النووي لم يتضمن برنامج تطوير الأسلحة النووية، فضلاً عن تصميم الرؤوس النووية».
وقال نتنياهو إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «سيتخذ قراره حول ما سيفعله حول الاتفاق النووي»، مضيفاً أنه «سيتخذ القرار الصائب لأميركا ولإسرائيل».
وبدوره، قال الرئيس الأميركي أمس إن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران لن يكون له أي تأثير سلبي على محادثاته النووية القادمة مع كوريا الشمالية وأضاف أنه مستعد للتفاوض بشأن اتفاق نووي جديد مع طهران.
وقال ترمب في مؤتمر صحافي عندما سئل إن كان الانسحاب من الاتفاق مع إيران سيرسل بإشارة خاطئة إلى بيونغ يانغ: «أعتقد أنه يبعث بالرسالة الصحيحة... تعرفون أن هذا الاتفاق سينتهي سريانه خلال سبعة أعوام وسيكون لإيران مطلق الحرية في المضي قدما وإنتاج أسلحة نووية».
ولم يفصح ترمب إن كانت الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق النووي قبل المهلة التي تنتهي في 12 مايو (أيار) لاتخاذ قرار قائلا: «سنرى ماذا سيحدث». لكنه عبر عن عدم رضاه إزاء الاتفاق. وقال: «هذا ليس وضعا مقبولا. إنهم لا يجلسون مكتوفي الأيدي. إنهم يطلقون صواريخ يقولون إنها لأغراض تلفزيونية. لا أعتقد ذلك» وأضاف: «هذا لا يعني أننا لن نتفاوض بشأن اتفاق حقيقي».
من جانبه، رد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي عن تطوير إيران للسلاح النووي بأنها {كاذبة وهدفها خداع الشعوب وبعض الحكومات}.
ووصف ظريف تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنها «تخرصات»، معتبراً أن {حديث نتنياهو ومن خلفه بعض الدوائر الأميركية مجرد ادعاءات كاذبة لا تلقى أي أهمية»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن وسائل إعلام إيرانية. ووصف التلفزيون الرسمي الإيراني اتهامات نتنياهو بشأن برنامج طهران النووي بـ{الدعاية}. وأضاف أن «تصريحاته ليست جديدة... مليئة باتهامات لا أساس لها... ودعاية ضد النشاط النووي الإيراني»، وفق وكالة رويترز.
جاء خطاب نتنياهو المتلفز بعد ساعات من مشاورات جرت عبر الهاتف بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب حول «الخطر الإيراني» وفقا لمصادر في تل أبيب وواشنطن.
وقال مرافق لوزير الخارجية الأميركي الجديد، مايك بومبيو، الذي غادر إسرائيل بعد زيارة لبضع ساعات، إن «ترمب لا ينسى لنتنياهو أنه أحد الزعماء القلائل في العالم الذين يؤيدونه في موقفه بضرورة تعديل أو إلغاء الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى، بينما أقرب الحلفاء في أوروبا يحاولون ثني ترمب عن موقفه. ولهذا، فهما (ترمب ونتنياهو) يحافظان على اتصال دائم للبحث في الأخطار والتبعات».
وكان الوزير بومبيو قال في ختام اجتماعه مع نتنياهو، في القدس الغربية، أمس الأحد، إن «الولايات المتحدة ملتزمة وتدعم موقف إسرائيل تجاه إيران». وقال حول الاتفاق النووي إنه «إذا لم نتمكن من تعديله فسننسحب منه، بكل بساطة». وأضاف أن الولايات المتحدة «تحاول، أيضا، معالجة مسألة الصواريخ، ويمكن للولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق ذلك معا». وقال إن بلاده تدعم «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس».
وحول الوضع في سوريا، قال بومبيو إن الهدف الأسمى لبلاده هو هزم تنظيم داعش، وردع نظام الأسد عن استخدام السلاح الكيماوي والتوصل إلى اتفاق سياسي. فيما قال نتنياهو في نهاية الاجتماع إن «أكبر تهديد للعالم ولدولتينا هو الأسلحة النووية في أيدي إيران، يجب وقف عدوانها». وأضاف نتنياهو أنه يقدر موقف ترامب وبومبيو حول هذا الموضوع.
وحال الانتهاء من الاجتماع اتصل نتنياهو بترمب في مكالمة هاتفية لم يفصح عن تفاصيلها، ولكن الطرفين أكدا أنها دارت حول الموضوع الإيراني - السوري.
وقبل ذلك، كان وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، قد اجتمع في واشنطن مع مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، ومع رئيس أركان الجيش جوزيف دنفورد، وغيرهم من كبار المسؤولين، ودارت المناقشات حول تبعات الموقف الأميركي من الاتفاق النووي وما يتوقع من تطورات في أعقاب قرار ترمب المتوقع في 12 مايو (أيار) الحالي.
وفي أعقاب هذه اللقاءات، صرح ليبرمان، خلال ندوة بمؤتمر صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية في واشنطن، بأنه في الاتفاق النووي مع إيران «موقفنا واضح للغاية... هذا اتفاق سيئ وخطأ كبير».



قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.


بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

ذكرت سفارة إيران لدى الهند في منشور على منصة «إكس» اليوم (السبت)، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن هناك حاجة إلى «وقف فوري» لما وصفه بأنه عدوان أميركي إسرائيلي، من أجل إنهاء الحرب والصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وتحدث بزشكيان هاتفياً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في وقت سابق اليوم.

وأبلغ بزشكيان مودي بضرورة وجود ضمانات لمنع تكرار مثل هذا «العدوان» في المستقبل. ودعا أيضاً الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى الاضطلاع بدور مستقل في وقف العدوان على إيران.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

وذكرت السفارة الإيرانية لدى الهند أن بزشكيان قدم اقتراحاً لإطار عمل أمني إقليمي يضم دول غرب آسيا، من أجل ضمان السلام دون تدخل أجنبي. وذكر مودي في منشور منفصل على «إكس» في وقت سابق اليوم، أنه ندد بالهجمات على البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، خلال نقاشه مع بزشكيان.

وأكد مودي أهمية ضمان حماية حرية الملاحة، وبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة.


إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً»، وفق مصدر إسرائيلي كبير، في صورة تعكس تناقضاً بين تسريع الهجمات والاستعداد لاحتمال قرار مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف القتال.

ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن المصدر أن إسرائيل ترصد ضغوطاً شديدة لإنهاء الحرب، ولا تستبعد أن يفعلها الرئيس ترمب في أي لحظة، «لكن إذا حدث ذلك فعلاً فسيخرج الإيرانيون منتصرين».

وجاء في تقرير للقناة الإسرائيلية أن تل أبيب تراقب ضغوط أطراف إقليمية لإنهاء الحرب في أعقاب الهجمات الإيرانية المتزايدة ضد بنى تحتية في المنطقة، بالتزامن مع توسع دائرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض لوقف إطلاق النار، فيما تدرس واشنطن الأمر.

وقال المصدر الإسرائيلي للقناة «12» إن «هذا السيناريو يمثل نقطة حرجة (...) إذا نجحت الضغوط في إنهاء الحرب، فسيخرج الإيرانيون منتصرين»، على حد تعبيره.

وتدرك إسرائيل أن الرئيس الأميركي قد يتخذ قراراً منفرداً بوقف العملية العسكرية، ما يدفعها للتأهب على المستوى العسكري إلى جانب تسريع وتيرة الهجمات لتعظيم الإنجازات.

وتعززت الشكوك في قيام ترمب «بأي شيء في هذه الحرب»، بعدما تنصل علناً من الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في إيران، رغم التنسيق معه مسبقاً وبشكل مباشر، كما تقول القناة «12».

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

«لا يفهمون ترمب تماماً»

مع ذلك، تأمل إسرائيل في أن الرئيس الأميركي لن يوقف العملية في الوقت الحالي، وأن يواصل جهوده لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام، خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إنه «قادر على إنهاء الحرب، لكنه لا يريد». وأضاف: «لا أريد وقف إطلاق نار مع إيران».

وعلق مصدر إسرائيلي بالقول إنها «علامة على تصميم ترمب على مواصلة الحرب وتحقيق الحسم».

ويوضح تقرير القناة «12» أنهم في إسرائيل «لا يفهمون ترمب تماماً، لذلك يحاولون تصعيد الهجوم»، مشيرة إلى «وضع هدف جديد للحرب يتمثل في الإطاحة بقدرات (الحرس الثوري) للسيطرة على إيران».

وقال مسؤول أمني كبير: «الجهد الرئيسي الآن هو إفشال سيطرة (الحرس الثوري)؛ لأن الانطباع بأن النظام الإيراني حصين هو صورة خاطئة، وقد تسفر الضربات القوية المستمرة عن تفتته».

وتعهد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بزيادة وتيرة الغارات على إيران بشكل كبير هذا الأسبوع.

وقال كاتس بعد اجتماع لتقييم الوضع الأمني مع كبار قادة الجيش وأجهزة الأمن في مقر وزارة الدفاع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يعتمد عليها ستزداد بشكل كبير هذا الأسبوع».

وأضاف كاتس في محاولة لتبديد الشكوك حول نية ترمب: «الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ستتواصل ولن نتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وجاءت تصريحات كاتس قبل أن يزور روضة أطفال تعرضت لأضرار في ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، وهناك عاد وقال إن القتال سيستمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن تصريحات كاتس تؤشر إلى أن القتال سيتواصل أيضاً أثناء عطلة عيد الفصح بداية الشهر القادم.

مع ذلك، ليس من الواضح بعد كيف تريد إسرائيل إحباط ما تصفه بـ«سيطرة الحرس الثوري» على إيران.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين قتلوا في الضربات الإسرائيلية يوم 28 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اغتيال المزيد...

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع «واللا» إن الجيش حاول اغتيال المزيد من قادة النظام في إيران، من دون أن يتضح إلى أي حد نجح في ذلك، مشيرة إلى «هجمات واسعة النطاق نُفذت في إيران ليلة (السبت)، استهدفت شخصيات بارزة، بانتظار أن يجمع الجيش المعلومات الاستخباراتية».

وأضافت المصادر: «في حال نجاح هذه الهجمات، فستكون ضربة أخرى للنظام الإيراني وقدرته على تبني سياسات متطرفة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والمواطنين الإيرانيين».

في هذا السياق، لا تزال إسرائيل تتعقب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رغم التقارير المتواترة التي تلقي الكثير من الغموض حول مصيره، لكن ثمة تقييماً جديداً يفيد بأنه «على قيد الحياة وإصابته ليست خطيرة».

وقالت صحيفة «يديعوت» إن الإيرانيين لا يظهرون خامنئي علناً ولا ينشرون فيديوهات له، متبعين سياسة تضليل لتعزيز الغموض.

وقالت «يديعوت» إن افتراضاً سائداً في إسرائيل يزعم أن خامنئي لا يمارس مهامه ولا يصدر تعليمات لمرؤوسيه، وأن أعضاء في «الحرس الثوري» هم من يملأون هذا الفراغ، بعدما كانوا «يعاملون مجتبى خامنئي سابقاً كدمية في أيديهم»، حسب تعبير الصحيفة.