مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

حياتي دوائر مغلقة.. وأقسى الدروس تعلّمته خلال سبعة أشهر من العزلة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

الصدفة وحدها قادتني إلى لقاء البروفسور محمود شريف بسيوني، في «المعهد الدولي لتدريب القضاة» في مدينة سيراكوزا الإيطالية. صدفة فتحت لي الطريق لإجراء حوار صحافي معه، حول عمله كرئيس للجنة التحقيق في البحرين. حين التقيته، وجدت نفسي أمام رجل بسيط، دمث، شديد التواضع، على وجهه الذي تظلّله ابتسامة لا تفارقه، ملامح طفل، على الرغم من بلوغه السادسة والسبعين من العمر.
تحدثنا طويلا، وكان حديث بسيوني الشيق والممتع، يعكس حماسا قويا للمشروعات الكثيرة التي يخطط لها أو تلك التي يديرها. وبدا ملما بتفاصيل كل الأعمال التي تجري من حوله، على الرغم من وجود منفذيها في أميركا وأوروبا وعدد من البلدان العربية.
وكما «شاءت الأقدار»، كما يقول بسيوني ويكرر، أن نلتقي من أجل حوار، «شاءت» دهشتي به وانشدادي إلى شخصيته، أن يدفعاني إلى سؤاله بعفوية، أن يسمح لي باقتحام ماضيه، والذهاب بعيدا من الحوار الصحافي إلى دواخله، ومسارات حياته الشخصية.
قلت له: «أريد أن أتعرف على بسيوني (الآخر)، بسيوني الإنسان، العادي، في حياته اليومية».
رحب البروفسور بالفكرة. وبعد مراسلات عدة، التقيته في سيراكوزا من أجل الاتفاق، مبدئيا، على إجراء سلسلة من المقابلات. وافق البروفسور بسيوني، والتقينا في شيكاغو في حوار امتد أسبوعين، وكانت حصيلته، عشر حلقات من السرد الممتع.
هنا الحلقة الأولى من مذكرات محمود بسيوني.

فكرت كثيرا كيف أبدأ حديثي، فتبادر إلى ذهني أن أقول ما يعن لي. لذلك أقول:
ولدت عام 1937 ابنا وحيدا لعائلتي. كان أبي دبلوماسيا من عائلة مرموقة، وكذلك كانت والدتي. وهكذا نشأت في بيئة عائلية يسود حياتها الاطمئنان الاقتصادي وتتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة. ومع ذلك، لم تخل تربية والدتي لي من الشدة، لكنها علمتني ووالدي وأجدادي معنى الحياة والمثابرة والجدية في العمل.
كنا في البيت ثلاثة: والدي ووالدتي وأنا. وكان لدينا طاقم من خمسة أفراد، يعمل في تدبير الشؤون المنزلية، تعودت على احترام جميع أفراده. ومنذ بلغت الخامسة من العمر، لم يتوقف والدي عن تذكيري بضرورة احترام الآخرين، أيا كانوا، وأهمية ذلك في حياتنا. وكانت والدتي تقول لي: «قبل أن تطلب خدمة من أي شخص يعمل لدينا، عليك أن تسبق طلبك بقول: من فضلك. وحين تلبى حاجتك أو يتحقق ما طلبته، لا تنس أن تشكر من قام به».
كان جدي يملك أراضي زراعية كبيرة، أورثها لوالدي، وتوليت أنا تدبير شؤونها لاحقا. حين كان جني المحاصيل ينتهي، وينقل إلى «القرن»، أي المخزن، كنت أوزع حصة منه على العاملين في المزرعة، وعلى الفقراء، حتى قبل أن تأخذ العائلة نصيبها أو تبيع شيئا منه. كانت الأولوية دائما للعاملين والفقراء. أما جدي لأبي، فقد علمني في صغري الكثير. كان محمود بسيوني رئيسا لمجلس الشيوخ في مصر. وكان يعمل محاميا في أسيوط. كان رجلا متواضعا ويحظى بتقدير ومحبة كبيرين بين الناس. كان يقول لي، ولغيري أيضا، إن نصف من كان يقدم خدمات قانونية لهم، كانوا من الأغنياء. وكان يرى أنهم يدفعون للنصف الثاني من زبائنه أي الفقراء. وبهذا كان نصف ما يقوم به في عمله القانوني من خدمات، وكان أساسا في ميدان العمل الجنائي، دفاعا عن الفقراء ومن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لقد منحهم جدي، خمسين في المائة من وقته وعمله. ولهذا انتخب عضوا في مجلس الشيوخ في أول برلمان مصري تشكل عام 1923، ثم انتخب رئيسا لمجلس الشيوخ نفسه، ثم رئيسا لنقابة المحامين المصريين. وقد حقق فوزا كاسحا. فقد أيده في ذلك الحين، أقباط أسيوط ومنحوه مائة في المائة من أصواتهم، ولم تتمكن شخصيات قبطية من التفوق عليه. ففي انتخابات رئاسة نقابة المحامين، واجه جدي منافسا قبطيا يحظى بشهرة كبيرة جدا، وتغلب عليه بأصوات الأقباط أنفسهم. كان شعاره مثل قوله الذي لا يكفّ عنه: إن الوطن للجميع والدين لكل فرد، ولكل فرد علاقته الدينية بربه، ولا علاقة للوطن والحكومة بما يقتنع به شخص ما أو بطقوسه وديانته. لذلك كان محبوبا من قبل الجميع. كان بسيوني الجد، يحترم الفقراء على الدوام. كان يصحبني وأنا طفل، في جولات على الأرض الزراعية. وحين كنا نمر بين المزارعين والعاملين الآخرين، كان يتلقى دعوات كثيرة لتناول الشاي معهم، أو مع أحدهم. وكان جدي (الباشا رئيس مجلس الشيوخ)، يتوقف وأقف إلى جانبه. ثم ويجلس أرضا مع الفلاحين. يتبادل معهم الحديث، ويحدثهم عن سنوات الأربعينات، بينما يتناول كوبه من الشاي.

* مع غاندي ونهرو

* هكذا رافقتني صورة جدي وكلماته ونصائحه منذ وقت مبكر، فأصبح بمرور الوقت قدوة لي. فهو بالإضافة إلى كل ما ذكرت، قاد ثورة 1919 في صعيد مصر. وكان رئيس الثورة فيما يسمى بوجه قبلي، في زمن سعد زغلول ومصطفى النحاس. كان ضد العنف بفطرته، ولم يكن يؤمن به أبدا. لذلك كان يقود المظاهرات في أنحاء الصعيد كله، أي في مناطق تمتد على مساحة 800 كلم، من القاهرة إلى أسوان. ويتقدم خلال المظاهرات إلى نقاط الشرطة والمواقع العسكرية البريطانية. وكانت هذه، تطلق النار على المتظاهرين. لم يحمل سلاحا قط، ولم يدع إلى حمله. وكان سلاحه الدائم الذي لا يتخلى عنه أبدا، عبارة عن شمسية (مظلة) بيضاء صارت جزءا من شخصيته.
ذات يوم من أيام 1936، سمع جدي، وكان عضوا في مجلس الشيوخ، عن شخصية مثيرة في الهند تدعى غاندي، تقود ثورة سلمية ضد البريطانيين، وتدعو إلى نبذ العنف. أجرى اتصالات بشخصيات عدة، وخصوصا بعض الدبلوماسيين الأجانب، لمعرفة الطريق إلى غاندي. وعلم أن غاندي يعمل على مقربة من مدينة اسمها مومباي. اختار ثلاثة من أصدقائه، من بين أعضاء حزب الوفد، وذهبوا جميعا إلى السويس. ومن هناك استقلوا مركبا أخذهم إلى مومباي. هبط جدي ورفاقه على شواطئ مومباي وكان يعتمر طربوشه الأحمر، الذي كان رمزا للوطنية المصرية آنذاك. وقد أمضى ثلاثة أسابيع في البحث عن غاندي، إلى أن تمكن من معرفة مكانه والتقى به، وكان يعمل لديه مساعدا في ذلك الحين، شاب صغير يدعى نهرو. وما زلت أحتفظ بصور التقطت لجدي مع الزعيم الهندي في تلك الزيارة، التي أمضى جدي خلالها أسبوعا كاملا مع غاندي، يتنقلان في المنطقة التي التقاه فيها. كما رافقه في مظاهرات انطلقت هناك، على الرغم من أنه لم يكن يتحدث اللغة الإنجليزية. وقد استعان وقتذاك، بمحمود أبو الفتح، رحمه الله، الذي أسس مجلة «المصور» في مصر، وكان ضمن من رافقوا جدي في رحلته، فقد كان يتحدث الإنجليزية؛ وتولى الترجمة بين الطرفين.
شاءت الظروف، وسبحان الله، كل شيء في حياتي ينتهي بدائرة، أن يذهب أبي عام 1950 إلى الهند، سفيرا لبلاده مصر فيها. كان نهرو وقتها، يترأس الحكومة الهندية. وقد التقاه أبي حيث رحب به الزعيم الهندي كثيرا. وشاءت الظروف، أن تلقي الشرطة الفرنسية القبض علي عام 1957، حين كنت في البلاد، بسبب الدور الذي لعبته لصالح الثورة الجزائرية. فبعد انتهاء معركة بورسعيد، وكنت حينها ضابطا في فدائيي الحرس الوطني برتبة قائد فصيلة، أي ملازما ثانيا، شاءت الظروف، أن تُسند إلى مهمة سرية، هي تدريب 220 ضابطا جزائريا ينتمون إلى جبهة التحرير الوطنية (إف إل إن)، تتراوح أعمارهم بين 24 و65 عاما، جاءوا إلى مصر في ديسمبر (كانون الأول) 1956. وكانوا سياسيين تحولوا إلى ضباط عسكريين. وبعد أن عادوا إلى الجزائر، حارب كثير منهم في معركة مدينة الجزائر. لقد اتضح أن هؤلاء الجزائريين لا يجيدون اللغة العربية. وكان العثور على ضباط مصريين يتقنون الفرنسية أمرا صعبا. كنت طالب بعثة في فرنسا في سنتي الثانية. وفي أغسطس (آب) من عام 1956، في أعقاب تأميم قناة السويس، توصّلت إلى أنه لا جدوى من البقاء في فرنسا. عدت إلى مصر، وتطوعت مع فدائيي الحرس الوطني في حرب 1956. وأسندت إلي بعدها، مهمة تدريب الجزائريين من دون علمي. ولما انتهى تكليفنا في الحرس الوطني، في نهاية يناير (كانون الثاني) 1957، عدت إلى فرنسا لاستكمال دراستي، وطبعا من دون أي وعي أو فهم للأمور السياسية، لأنني لم أكن ناضجا سياسيا آنذاك.
رحت أتحدث مع الجميع عما حدث. وكانت الحكومة الفرنسية تقول دائما، إن الجيش المصري هُزم. وكنت أحاول الدفاع عن شجاعة الشعب المصري وبسالته، لأن الجيش لم يهزم.. هزم فعلا سنة 1956، ليس لأنه لم يكن قادرا على المواجهة، ولكن بسبب عجز ضباطه في القيادة العسكرية، وخصوصا عبد الحكيم عامر الذي لم يكن مؤهلا ليكون قائدا أعلى، وأصبح كذلك، لأسباب سياسية، ونظرا لعلاقته الشخصية بجمال عبد الناصر. وقد فشل تماما في عامي 1956 و1967.
قبضت الشرطة الفرنسية عليّ، على أساس أنني كنت مدربا لعدد من الجزائريين الذين كانوا يقومون بحرب وطنية ضد فرنسا. وطبعا، أبلغت السفارة المصرية في فرنسا ووزارة الخارجية، التي أبلغت بدورها والدي. وكان آنذاك متقاعدا. اتصل والدي هاتفيا بنهرو، وذكّره بأنه كان سفيرا في بلاده، وبصداقته، وبجدي. فاتصل نهرو بداغ همرشيلد (ثاني أمين عام للأمم المتحدة 1953-1961- المحرر). واتصل همرشيلد، بدوره، بوزير خارجية فرنسا وقتها، كريستيان بينو، وخلال ثلاثة أيام، أفرج عنّي ورُحّلتُ إلى سويسرا.
لقد تم غلق دائرة في حياتي، هي «دائرة الهند»، التي بدأت بزيارة جدي سنة 1936، وانتهت بتدخل نهرو للإفراج عني.

* اتفاقية دولية لمنع التعذيب

* بقيت في سويسرا مدة قصيرة، بدأت فيها الدراسة من جديد. ثم عدت إلى مصر في أغسطس (آب) 1957، لقضاء الإجازة الصيفية. اقترب مني بعض الضباط، على أساس أحاديث جرت عن تعييني في رئاسة الجمهورية، كضابط من الضباط الصغار الذين يعملون فيما كان يسمى «هيئة الرئاسة»، التي كانت تعد آنذاك، السلطة الحقيقية للدولة. كانوا يأخذون الشباب الذين يتأملون فيهم خيرا. ولم أكن أعلم بذلك، لفترة ما على الأقل، خاصة أن علامة استفهام وضعت حولي في وقت من الأوقات، على اعتبار أنني أنتمي لعائلة وفدية (نسبة إلى حزب الوفد المصري - المحرر) عريقة، كما كانوا يقولون. وأن جدي كان رئيسا لمجلس الشيوخ، وبالتالي طرحت تساؤلات كثيرة في تلك الفترة التي كانت ثورية، اشتراكية. وكان أي شخص ينتمي إلى عائلة مرموقة، تثار شكوك حوله. وكان مصطلح «العائلات الإقطاعية» مثلا، من بين مصطلحات كثيرة استخدمت في تلك الفترة، وقصد به، علاقة هذه العائلات بالأسرة الملكية أو بأسر أخرى، على الرغم من أن عائلتنا لم تكن ضمن هذا المكان أو المجال. وبغض النظر عن الشخصيات المعنية، فقد كانت المسألة وقتها آيديولوجية أكثر من أي شيء آخر.
مع هذا تواصل الحديث معي حول المهمة. كنت أتردد على الرئاسة حين اتصل بي بعض الضباط، ولم أكن أعلم أن اتصالهم لم يكن بغرض الصداقة، كما كنت أتصور لصغر سني وعدم معرفتي بالسياسة، بل كان الغرض التقرب مني للتعرف علي وما إذا كنت شخصا يمكن ائتمانه والاطمئنان إليه. وبالطبع، كان معروفا وقتها، أن من يعمل مع جهاز الدولة، لا بد أن يكون أهلا للثقة. فقد كان مطلوبا «أهل ثقة» لا «أهل خبرة»، على أن يتحلى أهل الثقة بالطاعة، أي أن يطيع ولا يسأل أي شيء. لكن تكويني وتعليمي، سواء ما تلقيته منه في مصر أو في فرنسا، على العكس من ذلك تماما حيث تعودت على أن أسأل. كنت مستعدا لطاعة الأمر إن كنت مقتنعا بسلامة ذلك الأمر، ولم يكن هذا يتماشى مع ما يريدون طبعا.
وفي يوم ما، شاءت الظروف أن يعرض علي أحدهم مشاهدة صورة شخصية. ولم أكن أعلم إن كانت الصورة حقيقية أم مركبة، لكن الغرض منها، كان إثارة مشاعري واختباري. كانت الصورة لشخص، حول رأسه من أعلى، أي على جبينه، طوق حديدي ملفوف إلى الخلف ومربوط بقوة، وبدت جمجمته متفجرة ومفتوحة، ويتصاعد من مخه الدخان.
تملكتني قشعريرة، فأخبرني الضابط أن الشخص الذي في الصورة، كان من المعارضين للنظام، ومن الأشخاص الخطرين تماما، وأنهم اضطروا إلى تعذيبه للاعتراف بما كان سيقوم به من أعمال خطيرة ضد الدولة، لكنه لم يعترف، فاضطروا إلى أن يصعدوا التعذيب حتى الوصول إلى هذه الدرجة وقد مات. والسؤال هو: هل لو أعطي لك مثل هذا الأمر كنت تطيعه دون أي سؤال؟
أجبت: بالتأكيد لن أستطيع أن أقوم بهذا، أو أن أعذب أي إنسان آخر.
وتبادرت إلى ذهني وقتها الآية القرآنية التي تقول: «ولقد كرمنا بني آدم»، فقلت له إن الله خلق بني آدم وكرمه ولا يختلف تكريم الرجل عن المرأة، أو المسلم عن المسيحي أو البوذي، أو الأبيض عن الأسود؛ لأن الله سبحانه هو الخالق، لذلك حين نقوم بمثل هذا الفعل، فإننا نقوم بعمل ضد الله ونهدر ما كرمّه، ولذلك فأنا لا أستطيع القيام بهذا. واستمر الكلام، وحصلت مشادة كانت نتيجتها القبض عليّ، ووضعت فيما يسمى «الإقامة المحددة»، أو «الإقامة الجبرية» داخل شقتي، وكانت النوافذ من خشب فقاموا بتسميرها، وأزيل الهاتف من البيت وجهاز الراديو أيضا، وفصلوا الكهرباء، وكان يأتي شخص يوميا يترك لي الطعام داخل الشقة. كان الظلام تاما، وكان هناك عنصر الخوف والتعذيب النفسي والمعنوي، ومن حين لآخر كان يأتي شخص ويقول لي إنني سأنقل في يوم ما إلى مراكز التعذيب وأعذب مثلما رأيت غيري يعذب.
بالنسبة لهم، «العالم كان إما معي أو ضدي».. مع بعض الأشخاص في زمن جمال عبد الناصر، وخصوصا مع بعض الأشخاص الذين يعملون في مجال المخابرات، ثم بعد ذلك في مباحث أمن الدولة، ليس في أيام عبد الناصر فقط، بل في أيام السادات وحسني مبارك أيضا. وأعتقد أن هذا المنهج ما زال موجودا، لأنه لا يمكن أن يتوقف إلا إذا كانت هناك سيادة قانون في أي دولة، لأن سيادة القانون هي التي تحكم المواطن بغض النظر عما فعله، فالقانون هو الفارق، وليس استعمال العنف ضد أي شخص.
بقيت في هذا المأزق سبعة أشهر. ومنذ الأربعة أيام الأولى، لم أتمكن من التحرك في الشقة. وكان مكاني الوحيد غرفة النوم، ومعظم وقتي في الفراش. ولم يكن مسموحا بأية زيارات إطلاقا، ولا أي اتصال. والفكرة أساسا كانت عزلي، والعزلة النفسية في الظلام تخلق الخوف، خصوصا مع التهديد، وقتها فهمت معنى التهديد النفسي. لم يكن هناك مساس شخصي لي، ولكن استخدام الخوف يعتبر من التعذيب، التهديد بالتعذيب وإمكانية التعذيب لهذا الشخص وأنت تعيش وحدك معزولا عن الكل، وكل يوم يمر تزداد العزلة وتشعر أنك أصبحت منسيا من العالم كله، ولا صلة لك بالعالم ولا يعلم عنك أحد شيئا، وكأنك في جحر في الأرض، هذا الشعور له أثر نفسي كبير.
ولكن أكرمني الله من 1957 إلى نهاية 1977، وفي نهاية 1977 بداية 1978، عينت رئيسا مناوبا للجنة الخبراء لوضع اتفاقية دولية لمنع التعذيب. فكان زميلي الرئيس المناوب الآخر إنجليزيا، وكان شخصية مرموقة جدا. كان عضوا في مجلس النواب الإنجليزي ورئيسا سابقا في مجلس اتويلس. كان هذا الشخص وكان اسمه نيل مكدورمت، ترك لي صياغة هذه الاتفاقية، وقدمت المشروع الأولي، بصفتي واسمي الشخصي. وكونت لجنة لهيئة خبراء الأمم المتحدة، وكان معي طبعا نيل مكدورمت. ترأسناها بناء على هذا المشروع الذي تبنته دولة السويد وقدمته لهيئة الأمم في سنة 1978. وفي سنة 1984 أعلنت هيئة الأمم رسميا هذه الاتفاقية، وهي اتفاقية منع التعذيب التي صادقت عليها دول عربية كثيرة من بينها مصر.
رأيت أن الدائرة وصلت إلى نهايتها؛ فمن شخص معذب أصبحت أنا، بفضل الله، من أسندت إليه صياغة هذه الاتفاقية، التي في صياغتها النهائية كان نحو ثلثيها تقريبا من الصياغة التي استخدمتها في مشروعي الأساسي.
وأعود إلى مسألة ثانية، هي أنه بعد انتهاء هذه الفترة في مصر، قرروا الإفراج عني. وبعد أن خرجت من المنزل وجدت أن ممتلكات العائلة صودرت، وسحب جواز سفري، وصدر قرار بمنعي من العمل، ولا أدري من كان صاحب القرار. كنت وقتها، كلما تقدمت لجهة ما لطلب عمل جرى رفضي. كانت والدتي قد سافرت إلى أميركا سنة 1957، ووالدي كان متقاعدا ويعيش في الإسكندرية بمرتبه التقاعدي، وبقية العائلة منصرفة، وقد عانوا في هذه الفترة؛ حيث فصل عمي محمود من عمله الدبلوماسي، في ظل سياسة ما كان يسمى «التطهير». عمي الآخر، كان مقدما في القوات المسلحة، وخرج من الخدمة على أساس أنه كان من عائلة وفدية عريقة، نظرا للتطهير الذي كان ساريا على كل العائلات الكبرى. كانت العائلة مشتتة وقتها، وكان أفرادها يشعرون بالظلم، فلم أجد دعما وكنت وحيدا، بالإضافة إلى أنني كنت كلما تحدثت إلى شخص، كان هناك عناصر من المخابرات أو المباحث يسألونه عما دار بيننا من حديث، فابتعدت عن الجميع خوفا من الحرج.

* محمود شريف بسيوني.. أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر
* ألف 27 كتابا وحرر 45.. وكتب 265 مقالا في القانون

* يُشار إلى بسيوني من قبل وسائل الإعلام، على أنه «أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر»، كونه لعب دورا مركزيا في استحداث كل أداة أساسية من أدوات القانون الجنائي الدولي، على مدار الخمسين عاما المنصرمة، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب، ولائحة روما للقانون الجنائي الدولي، التي لعب فيها دورا رئيسا، وكان مرشحا للحصول على جائزة نوبل للسلام في عام 1999.
يعمل البروفسور شريف بسيوني، المولود في القاهرة بمصر عام 1937، أستاذا فخريا للقانون بجامعة دي بول في شيكاغو، وقام بتدريس القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان في الفترة من عام 1964 إلى عام 2012. وكان بسيوني عضوا مؤسسا في المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي شارك في تأسيسه عام 1990 وشغل منصب الرئيس في الفترة من عام 1990 إلى 1997، ثم رئيسا شرفيا.
في عام 1972، كان بسيوني أحد المؤسسين للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية والكائن مقره في سرقوسة بإيطاليا، حيث تولى منصب عميد المعهد بداية من عام 1972 حتى عام 1989، ثم منصب رئيس المعهد حتى وقتنا الحاضر.
تقلد بسيوني أيضا، منصب الأمين العام للجمعية الدولية لقانون العقوبات في باريس، خلال الفترة من عام 1974 إلى عام 1989. ثم شغل منصب رئيس الجمعية لثلاث ولايات، مدة كل ولاية منها خمس سنوات في الفترة من عام 1989 إلى عام 2004، حين اُختير رئيسا شرفيا.
منذ عام 1975، عُين البروفسور بسيوني في المناصب التالية في الأمم المتحدة:
- رئيس ثم عضو بلجنة التحقيق بشأن ليبيا (في الفترة من عام 2011 إلى عام 2012).
- خبير مستقل في لجنة شؤون حقوق الإنسان في أفغانستان (خلال المدة من عام 2004 إلى عام 2006).
- خبير مستقل في مسائل الحق في الاسترداد والتعويض ورد الاعتبار لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية (في الفترة من عام 1998 إلى عام 2000).
علاوة على ذلك:
- رئيس للجنة الصياغة في المؤتمر الدبلوماسي للأمم المتحدة المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة التحضيرية التي شكلتها الجمعية العامة لإنشاء محكمة جنائية دولية (من عام 1996 إلى عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة المخصصة التابعة للجمعية العمومية لإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1995).
- عين رئيسا للجنة خبراء الأمم المتحدة التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 780 (في عام 1992) للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة (خلال المدة من عام 1993 حتى عام 1994).
- وتولى مهمة المقرر الخاص للجنة المعنية بجمع الحقائق وتحليلها (في الفترة من عام 1992 إلى عام 1993)، حيث لعب دورا مهما في عملية الاعتراف بالاعتداء الجنسي على المرأة، على أنه جريمة حرب بعد الأعمال الوحشية الفظيعة التي اُرتكبت في البوسنة في أوائل التسعينات.
وبالإضافة إلى ذلك:
- عُين بسيوني مستشارا لمؤتمر الأمم المتحدة السادس والسابع المعني بمنع الجريمة (في الفترة من عام 1980 إلى عام 1985).
- عين مستشارا للجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا (من عام 1980 إلى عام 1981).
- عين رئيسا مشاركا في لجنة الخبراء المستقلة المعنية بصياغة اتفاقية مناهضة التعذيب (في عام 1978).
- عين نائبا للرئيس الفخري لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس بشأن منع الجريمة (في عام 1975).
وعلاوة على ذلك:
- شغل بسيوني منصب رئيس اللجنة البحرينية المستقلة التي أُنيط بها التحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين عام 2011، حيث عينه الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البحرين، شخصيا، رئيسا للجنة.
وقد لعب بسيوني دورا نشطا على مدار سنوات في العديد من المحاولات لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط. وبوصفه أحد مستشاري الرئيس المصري أنور السادات، كان بسيوني واحدا من مهندسي اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل في عام 1978. وقد دعم مبادرة توجه أسطول الحرية إلى غزة في عام 2010. وفيما يخص الصراع الحالي في سوريا، طلب بسيوني من الأمم المتحدة إنشاء لجنة تحقيق لتجميع أدلة بشأن جرائم الحرب تمهيدا لإجراء محاكمات مستقبلية بشأن تلك الجرائم.
كان البروفسور بسيوني باحثا زائرا في مركز وودو ويلسون الدولي للباحثين في واشنطن العاصمة (في عام 1972)، وأستاذا زائرا للقانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك (في عام 1971) وأستاذا للقانون الجنائي الدولي في مؤسسة فولبرايت - هايز في جامعة فريبرغ في ألمانيا (في عام 1970)، وأستاذا غير متفرغ للقانون الجنائي بجامعة القاهرة في الفترة من عام 1996 إلى عام 2006. وبالإضافة إلى ذلك، عمل بسيوني محاضرا في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية والخارج.
خلال الفترة ما بين عامي 1973 و1980، تقلد بسيوني منصب مستشار بوزارتي الخارجية والعدل الأميركيتين في مشروعات تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات (في عام 1973) ومكافحة الإرهاب دوليا (في أعوام 1975 و1978 و1979) وعمل كذلك مستشارا لوزارة الخارجية الأميركية بشأن الدفاع عن رهائن الولايات المتحدة في إيران (من عام 1979 حتى عام 1980).



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.