ليبيا تنتخب اليوم ثاني برلمان بعد الإطاحة بالقذافي

إجراءات أمنية مشددة.. ومخاوف من تدني نسبة الإقبال وهيمنة الإسلاميين

مسؤولان في لجنة الانتخابات يحملان صندوقا معدا للتصويت داخل مدرسة في طرابلس أمس (رويترز)
مسؤولان في لجنة الانتخابات يحملان صندوقا معدا للتصويت داخل مدرسة في طرابلس أمس (رويترز)
TT

ليبيا تنتخب اليوم ثاني برلمان بعد الإطاحة بالقذافي

مسؤولان في لجنة الانتخابات يحملان صندوقا معدا للتصويت داخل مدرسة في طرابلس أمس (رويترز)
مسؤولان في لجنة الانتخابات يحملان صندوقا معدا للتصويت داخل مدرسة في طرابلس أمس (رويترز)

تدخل ليبيا مرحلة جديدة في تقدمها السياسي، حيث من المفترض أن يتوجه في الساعات الأولى من صباح اليوم نحو مليون ونصف المليون ناخب ليبي إلى مراكز الاقتراع للمشاركة في ثاني انتخابات عامة في البلاد لاختيار الأعضاء الـ200 لمجلس النواب الجديد، الذي سيتسلم لاحقا السلطة من المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
وأعلنت الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني، حرصا منها على تأمين مشاركة شعبية واسعة، أن اليوم سيكون «عطلة رسمية» في جميع أنحاء ليبيا. وهذه هي ثاني انتخابات عامة في ليبيا منذ الإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، لكنها - وخلافا لما حدث في الانتخابات التي جرت في شهر يوليو (تموز) من عام 2012 لاختيار البرلمان الحالي - تواجه احتمالات تدني نسبة الإقبال على التصويت.
وتواجه السلطات الليبية أيضا تحديات لفتح مراكز اقتراع في بعض المناطق في شرق وجنوب البلاد، بسبب الحرب التي يشنها اللواء خليفة حفتر على الجماعات المتطرفة في مدينة بنغازي، بالإضافة إلى دعوة المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا لمقاطعة الانتخابات.
وكعلامة مبكرة على أن الإقبال على هذه الانتخابات سيكون محدودا، فقد بلغ عدد المرشحين 1628، وهو ما يقل عن عدد المتنافسين في الانتخابات السابقة بنحو ألف شخص، بينما سجل أكثر من 1.5 مليون شخص أسماءهم، وهو ما يقترب من نصف عدد من سجلوا أسماءهم في عام 2012، في أول انتخابات حرة في ليبيا منذ أكثر من 40 سنة.
وسيضم البرلمان الجديد 200 مقعد، من بينها 32 مقعدا خصصت للنساء، لكنه سيسمى مجلس النواب ليحل محل المؤتمر الوطني الذي يربطه كثير من الليبيين بالأزمة المستحكمة في البلاد. وستفتح اعتبارا من الساعة الثامنة صباح اليوم وحتى الساعة الثامنة مساء 1626 محطة اقتراع موزعة على 4468 مركزا انتخابيا في 13 دائرة انتخابية.
وتوقفت الحملة الانتخابية الضعيفة أمس بسبب حلول يوم الصمت الانتخابي، الذي منعت السلطات بموجبه أي ممارسة للدعاية من قبل المرشحين.
وحثت حكومة الثني مواطنيها على التوجه إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم. وقالت في بيان لها أمس إن «الأرض ستهتز تحت وطأة أقدام الليبيين وهم يسيرون بخطى ثابتة - رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها الوطن - في عمل ديمقراطي باهر». وعدت أن هذه المناسبة «ستكون فرصة لتصحيح أخطاء الماضي من خلال حسن الاختيار».
وأعلنت وزارة الداخلية الليبية عن خطة أمنية مشددة لضمان سلامة عملية الاقتراع، حيث أصدرت تعليمات قالت إنها ملزمة التنفيذ من كافة أعضاء الشرطة المكلفين بتأمين انتخاب مجلس النواب. وتشمل هذه التعليمات، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، منع وقوف السيارات في التقاطعات الرئيسة، وتغيير حركة المركبات خارج المدن للتخفيف من ازدحام حركة السير، بالإضافة إلى تشديد الحراسة على السجون لتفادي أي خرق أمني، وتأمين مراكز الانتخاب بقوة أمنية لا تقل عن 15 عضو هيئة شرطة لكل مركز.
وتضمنت التعليمات وقف السماح بدخول «أي من كان» إلى مراكز الانتخاب وأماكن الفرز في حالة حمله السلاح، وحظر التجول بالأسلحة النارية بالقرب من مراكز الاقتراع. كما دعت غرفة العمليات الأمنية المشتركة في العاصمة الليبية طرابلس المواطنين إلى المساعدة في استتباب الأمن وتجنب إثارة القلاقل في المراكز الانتخابية.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن عصام النعاس، مدير مكتب الإعلام بغرفة العمليات الأمنية المشتركة والناطق الرسمي باسم قوة الردع والتدخل المشتركة، قوله إن «قوة الردع والتدخل المشتركة سوف تضرب بيد من حديد كل من يحاول المساس بسير العملية الانتخابية»، موضحا أن هذا الإجراء يأتي تنفيذا للاتفاق الذي جرى بين المفوضية العليا للانتخابات وقوة الردع بشأن تأمين انتخابات مجلس النواب وتكليفها بالتدخل والمساندة لجميع مراكز الانتخابات بطرابلس.
وقالت مفوضية الانتخابات إنها تمكنت عبر قوافل جوية وبرية من توصيل شحنات من مواد الاقتراع، تتضمن أوراق الاقتراع وبقية المواد الحساسة، ليجري توزيعها على المراكز الانتخابية بالحقول النفطية الكائنة بمناطق ليبيا. وأعلنت أنه جرى تسليم هذه المواد لعدد 19 حقلا وميناءً نفطيا، حيث يستعد الناخبون العاملون بالحقول والموانئ النفطية للمشاركة في عملية الاقتراع باستخدام أوراق اقتراع خاصة صممت على شكل مصفوفة لاستيعاب تعدد دوائر الاقتراع في المركز الواحد. وسيشارك في مراقبة هذه الانتخابات 12690، من بينهم 1387 مراقبا محليا، و204 إعلاميين محليين، بالإضافة إلى 10744 وكيل مرشح، فيما بلغ عدد المراقبين الدوليين 355.
وإلى جانب بعض أعضاء البرلمان الحالي، فقد خالف بعض أعضاء المجلس الوطني الانتقالي السابق تعهداتهم بألا يترشحوا لخوض هذه الانتخابات، فضلا عن عدد كبير من أعضاء المجالس المحلية السابقة الذين جرى تكليفهم إبان فترة ولاية المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني قبل الشروع في الانتخابات المحلية.
وتوقعت مصادر ليبية أن يشهد مجلس النواب الجديد سيطرة للتيارات الإسلامية تفوق نسبتهم في المؤتمر الوطني، مشيرة إلى أن الإسلاميين استغلوا وبشكل جيد الهجمة التي شنت على المؤتمر والتي قادتها شخصيات معارضة ليتمكنوا من تثبيت دعائم حكمهم عبر الانتخابات البلدية، التي جرت أخيرا في وقت كان فيه الشارع الليبي مشغولا بأحداث المؤتمر الوطني.
ورأى الصحافي الليبي فتحي بن عيسى أن قانون انتخاب مجلس النواب «جرى تفصيله بطريقة تسمح لمن يحصل على أقل من ألف صوت بالفوز بمقعد في البرلمان، وبالتالي سيكون نسخة أخرى من المؤتمر العام الذي كانت الغلبة فيه لمن يملك السلاح وليس لمن يملك الأغلبية الديمقراطية». وقال بن عيسى لـ«الشرق الأوسط»: «كمواطنين علينا التصويت بوعي من خلال توزيع أصواتنا على المرشحين الذين نثق بهم، ولا نركزها في شخص. وبعد ذلك علينا النضال لأجل الحد من سطوة المسلحين على مقدرات البلد».
في المقابل، حث مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء الليبية المواطنين على المشاركة الفعّالة في الانتخابات، ونصحهم في بيان له أمس باختيار المرشحين «مِن أصحاب الديانة والأمانة والكفاءة، دون النظرِ إلى قبلية أو جهوية أو قرابة أو محسوبية».
وعلى الرغم من التعزيزات الأمنية المقررة اليوم، فقد اعترفت السلطات الليبية بعجزها عن ضمان سير العملية الانتخابية في مدينة درنة التي يفترض تمثيلها داخل مجلس النواب الجديد بثلاثة مقاعد للرجال ومقعد واحد للمرأة، والتي تعد المعقل الرئيس للجماعات الإسلامية المتطرفة في شرق البلاد. وقالت وكالة الأنباء المحلية إنه تعذرت إقامة انتخابات مجلس النواب بالدائرة الفرعية درنة خوفا من استهداف المقرات الانتخابية بالتفجير على غرار ما حدث قبيل انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، التي لم تجر حتى الآن، ولا تزال مقاعد المدينة شاغرة داخل الهيئة.
وعبر نشطاء المجتمع المدني عن تخوف موظفي الانتخابات من استهدافهم أثناء إقامة الانتخابات أو بعدها من قبل الجماعات المسلحة الرافضة لترسيخ الديمقراطية لتعارضها مع أفكارهم وتوجهاتهم. كما امتنع مديرو المدارس ومراقبة التعليم بالمدينة عن تسليم المدارس كمقرات انتخابية لموظفي المفوضية بسبب مخاوفهم من تكرار الأضرار المادية الجسيمة التي لحقت بمباني المدارس عقب تفجيرها قبيل انطلاق انتخابات لجنة الستين لم تقم الدولة بصيانتها حتى الآن.
وطبقا لما أعلنته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فإن عملية الاقتراع بالخارج لانتخاب مجلس النواب، والتي جرت السبت الماضي، مرت دون أي عراقيل أو صعوبات. حيث أعلن رئيس المفوضية عماد السايح أن نسبة المشاركة بلغت 38 في المائة من إجمالي عدد المسجلين البالغ عددهم 10087 ناخبا، مشيرا إلى أن محطة اقتراع مانشستر البريطانية سجلت أكبر مشاركة بعدد 568 ناخبا، بينما سجلت محطة اقتراع لوس أنجليس الأميركية أدنى مشاركة حيث بلغ عدد المقترعين بها 43 ناخبا فقط.
في غضون ذلك، غادر مطار مصراتة الدولي في غرب ليبيا، 420 من المواطنين الأتراك تحسبا لإقدام الجيش الوطني، الذي يقوده حفتر على اعتقالهم، بعد انتهاء مهلة اليومين التي حددها لهم لمغادرة البلاد بسب اتهامات بتورط بلدهم مع قطر في دعم الإرهاب. وقال محمد إسماعيل الناطق باسم المطار إن السفارة التركية في ليبيا خصصت طائرتين لنقل الرعايا الأتراك، مشيرا إلى أن أغلب المُغادرين هم من العاملين في محطة كهرباء سرت مما يُهدد بوقف العمل في هذه المحطة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.