أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

ارتفاع جنوني في الأسعار والبنك المركزي يحدد سقفاً للسحب من البنوك... وشح في العملات الصعبة

TT

أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

إلى أين تتجه الأمور في السودان؟ سؤال بدأ يتردد على شفاه المواطنين المحاطين بسلسلة أزمات تمتد من الرواتب إلى شح السيولة النقدية، وانعدام المحروقات، وجنون الأسعار الذي بات بلا أفق.
وتفاقمت الأزمة المعيشية والاقتصادية في السودان، وزادت حدتها خلال الأشهر المنصرمة من العام الجاري، وبلغت ذروتها بشكوى وزير الخارجية السابق إبراهيم غندور للبرلمان، من فشل الحكومة في تسديد مستحقات الدبلوماسيين، وإيجارات سفارات السودان في الخارج لسبعة أشهر متتالية.
فبعد أقل من يومين من شكواه، أصدر الرئيس عمر البشير قراراً رئاسياً «مقتضباً» أقال بموجبه وزير الخارجية دون إبداء أسباب؛ لكن تكهنات وتحليلات صحافية موالية للحكومة أرجعت الإقالة إلى أن الوزير «كشف للعالم والناس إفلاس الحكومة»، فيما أكدت تقارير أخرى مناوئة أن الغندور لم يفعل أكثر من كشف ما يعيشه الناس، بإزاحة ستار السرية ونقله للعلن.
الدبلوماسيون ليسوا وحدهم من تأخرت رواتبهم، فالمعلمون في الخرطوم نظموا وقفة احتجاجية على تأخير صرف مرتباتهم في 12 أبريل (نيسان) الجاري، وقالت لجنة المعلمين في بيان، إن الرواتب على قلتها وعدم كفايتها تأخر صرفها لأكثر من 45 يوماً، ومثلهم معلمون في ولايات أخرى من البلاد.
وعاد بنك السودان للاعتراف ضمناً بوجود أزمة رواتب، للدبلوماسيين في الخارج، بعد تكذيبها أول من أمس. وأكد البنك أنه يعمل حالياً على مراجعة متأخرات وزاره الخارجية، التي قدرها بـ29 مليون دولار من ميزانيتها، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
وبجانب أزمة الرواتب، تشهد البلاد أيضاً أزمات كبيرة في المحروقات وغاز الطهي، فمنذ فترة تقارب الشهر، يعاني المواطنون من انعدام غاز الطهي، فيما تتراص في صفوف طويلة مئات السيارات والشاحنات والناقلات في محطات الخدمة، للحصول على حصتها من الوقود. بل وتكررت أزمة المحروقات مرتين خلال شهر، على الرغم من الإنكار الرسمي لوجودها، فبعد أن انفرجت الأزمة في العاصمة الخرطوم الأسبوع الماضي، عادت للتفاقم مجدداً، بينما تشكو معظم ولايات البلاد من انعدام كلي لوقود الديزل والبنزين، ويباع في بعضها بالسوق السوداء بأسعار خيالية بلغت 250 جنيهاً للجالون، وسعره الرسمي 26 جنيهاً، فيما تخشى الولايات الزراعية من خسائر في الموسم الزراعي بسبب ندرة الوقود.
لمواجهة أزمات صرف الرواتب والمعيشة، اضطرت الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات تقشفية عنيفة، ترتب عليها تدهور مريع في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وانعكس على أسعار السلع الغذائية الرئيسية، إذ بلغ سعر قطعة الخبز الواحدة جنيهاً بعد أن كان سعرها نصف جنيه، وارتفع سعر سلعة السكر الاستراتيجية 26 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، بعد أن كان سعره لا يتجاوز 14 جنيهاً، وتنطبق هذه الزيادات على السلع الأخرى كافة.
وأثار هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار غضباً شعبياً واسعاً، نتجت عنه الاحتجاجات الشهيرة مطلع العام الجاري، التي عرفت باحتجاجات الخبز؛ لكن السلطات واجهتها بعنف لافت، وألقت القبض على مئات النشطاء والقادة السياسيين، ثم أفرجت عنهم بقرار رئاسي مطلع الشهر الجاري؛ لكن أسباب الاحتجاج والتظاهر لا تزال تتفاقم في البلاد؛ بل إن موجة سخرية لافتة من القرارات الحكومية احتلت وسائط التواصل الاجتماعي وأحاديث الناس؛ لكن اندلاع احتجاجات جديدة متوقع في كل لحظة.
وكانت لجنة رئاسية مكونة من محافظ بنك السودان ووزراء القطاع الاقتصادي، قد اتخذت في فبراير (شباط) الماضي، قرارات لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار السلع، ولوقف تدهور سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، عن طريق امتصاص السيولة وتحجيم الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي.
وتنفيذاً لتلك القرارات، وجه بنك السودان المركزي البنوك العاملة في البلاد «سراً» بتحديد حجم السحب من حسابات العملاء، وشنت الأجهزة الأمنية حملة واسعة على تجار العملات في السوق الموازية، بهدف وقف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، إذ بلغ أدنى مستوياته في التاريخ، فقد كان يباع وقتها بسعر 45 جنيها للدولار الواحد، واضطر إلى رفع السعر الرسمي للدولار من 18 إلى 28 جنيهاً.
وخلقت تلك القرارات أزمة سيولة حادة في البلاد، بيد أنها أوقفت جزئياً تدهور سعر العملة الوطنية، فارتفع سعر صرف الجنيه إلى 34 جنيهاً للدولار، بعد أن كان 45 جنيهاً. لكن متعاملين في النقد الأجنبي ومحللين يقولون إن سعر صرف الجنيه ارتفع؛ لكنه ارتفاع غير حقيقي، وإن سعر الصرف سيعود للارتفاع مجدداً متى ما رفعت قيود السحب من حسابات المتعاملين مع البنوك.
الحكومة رغم الأزمة التي أثرت في كل حياة الناس، لا تعترف علناً بعجزها عن مواجهة التردي الاقتصادي، ولا تتجه إلى أسبابه الفعلية بحسب محللين، ولهذا كذب بنك السودان وزير الخارجية ببيان صدر مطلع هذا الأسبوع وقال إنه سدد ما قيمته 92 في المائة من مطالبات وزارة الخارجية؛ لكن تقارير صحافية نشرت في الصحف المحلية ذكرت أمس أن الرئاسة في اجتماع مع محافظ بنك السودان حازم عبد القادر، ووزير الخارجية المكلف محمد عبد الله إدريس، دعت لمراجعة متأخرات وزاره الخارجية، واعترفت بعد يوم واحد من تكذيب الوزير، بعجز قدره 29 مليون دولار من ميزانية الخارجية، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
ونقلت صحيفة «الأخبار» المستقلة أمس، أن بنك السودان بعد أن راجع الحسابات المشتركة بشأن ميزانيه الخارجية، أعلن التزامه أمام رئاسة الجمهورية بالبدء فوراً في سداد متأخرات الخارجية، وبالفعل شرع في سداد الدفعة الأولى منذ الخميس الماضي.
ويقول الخبراء إن أزمة الاقتصاد السوداني ذات الطبيعة الهيكلية، أطلت بعد انفصال جنوب السودان، وذهاب البترول جنوباً، وفقدانه لأكثر من 80 في المائة من إيراداته النفطية، و90 في المائة من مصادر عائداته من العملات الأجنبية.
ودرجت الحكومة على إرجاع تعثر الاقتصاد إلى العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد؛ لكن بعد قرار الرئيس دونالد ترمب برفعها كلياً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برزت أزمة الاقتصاد بشكل لافت، وفقدت الخرطوم «شماعة» كانت تعلق عليها إخفاقها الاقتصادي.
وأدت سياسة تحجيم الكتلة النقدية إلى شح لافت في السيولة، ويلاحظ المراقب تكدس أعداد كبيرة من المواطنين أمام البنوك وداخلها، محاولين سحب أموالهم؛ لكن البنوك ترفض تجاوز السقف غير المعلن للسحب في حدود 2000 جنيه يومياً على وجه التقريب، كل هذا والبنك المركزي ينفي إصدار منشور بتحجيم السيولة، وتسبب انعدام السيولة في نشوء «تجارة الشيكات»، وتُسيل فيها الشيكات من قبل تجار بنسبة تقارب 10 في المائة من قيمة الشيك.
ودفعت سياسة امتصاص السيولة ووقف السحب عدداً كبيراً من المواطنين إلى محاولة سحب أموالهم، وتحويل أرصدتهم إلى عملات أجنبية، فيما أصرت البنوك على تحجيم حتى السحب من ماكينات الصرف الآلي، ويلاحظ المراقب صفوفاً متراصة من المواطنين حول تلك الآلات التي توجد بها نقود، وهو ما دفع مصدر مصرفي للقول إن 90 في المائة من أموال المودعين ستصبح خارج البنوك إذا فتح باب السحب؛ بل ويقول مراقبون إن «تجارة وتصنيع الخزن» لقيت رواجاً كبيراً في الأسواق خلال الفترة الماضية، فالكل يريد حفظ أمواله السائلة بخزينة داخل منزله بدلاً من إيداعها البنوك.
ونتيجة لتلك السياسات ارتفع معدل التضخم في البلاد إلى 55.6 في المائة، في مارس (آذار) الماضي، بعد أن كان في حدود 54.34 في المائة في فبراير، وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء، على الرغم من أن السياسات كانت تهدف لخفض التضخم إلى 19.5 في المائة بنهاية عام 2018، بما ينعكس في ارتفاع متواصل في أسعار السلع، وتدهور في سعر صرف الجنيه، دون أفق واضح لحل ناجز.
ولم يعد أمام المواطنين خيار سوى مواجهة ما يشهدونه ولا يملكون له تغييراً من تردٍ في معاشهم ومعيشتهم، سوى اللجوء إلى السخرية والطرفة. تقول ربة منزل إنها درجت على السؤال بشكل يومي عن سعر أي سلعة تنوي أن تشتريها من المتجر القريب؛ «لأن الأسعار تتغير بشكل يومي».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.