بافيزي... شاعر الفاجعة الإنسانية

إيطاليا تحتفي بالذكرى الـ110 لميلاد أحد أبرز كتابها

تشيزارا بافيزي
تشيزارا بافيزي
TT

بافيزي... شاعر الفاجعة الإنسانية

تشيزارا بافيزي
تشيزارا بافيزي

تحتفل الأوساط الثقافية الإيطالية بالذكرى الـ110 على ميلاد الكاتب والشاعر تشيزارا بافيزي، الذي يعتبر واحداً من أهم كتّاب وشعراء إيطاليا في القرن العشرين، على الرغم من أن شهرته تضاعفت بعد موته. كانت مسيرته متنوعة وغنيّة على الرغم من أن حياته كانت قصيرة نسبياً؛ فقد جعل من حركة الشعر الحديث خلاصة فنية لكل الحركات التي سبقته، وطليعة متميزة لمن أتوا بعده، كما جعل من قضية الموت في كل نتاجاته الروائية والشعرية معادلاً للحياة، عكس من خلالها تمزق الإنسان.
وظل بافيزي متوارياً وراء قصيدته، يتفيأ في ظل الموت الذي كان يرتقبه ويحاوره، ويحمله بداخل روحه حتى لحظة المواجهة الدموية التي جسدها في انتحاره عام 1950 في غرفة بأحد فنادق مدينة تورينو بشمال إيطاليا.
عاش بافيزي السنوات المضطربة التي شهدت أوج نهاية أحد أبرز الأنظمة الديكتاتورية في العالم، والتي تحكمت في مصير إيطاليا طيلة عشرين عاماً، كما شهدت إيطاليا في تلك الفترة هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية، فحملت تلك الأحداث زمن الشاعر مأسوراً بالغضب والخوف حتى أصبح الموت مصير كل شيء، ومبدأ كل شيء. وقد تجسد ذلك في كيانه كله وكلماته.
في بلدة سانتو ستيفانو بلبو في منطقة لانكا بمقاطعة بيومونتا الشمالية التي شكلت لحمة قصائده ورواياته، بدأ منذ مطلع شبابه يتردد إلى الأندية الفكرية التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً وسياسياً مرموقاً، حيث كان عدد من المثقفين قد أسسوا مجلة «الثقافة»، التي ساهمت في إعادة الأدب إلى أتون الحياة، فشهد حركة دائمة من التحول باتجاه سيطرة الإنسان الإيطالي على مصيره أمام واقع التفتت الذي أحدثته الهزائم المتتالية على الواقع الإيطالي.
تخرج بافيزي في كلية الآداب بمدينة تورينو، وانصبّ اهتمامه في اكتشاف الأدب الأميركي، فراح يترجم كتباً كثيرة لأدباء وشعراء أميركيين رأى فيهم قدراً كبيراً ومتميزاً في وضوح الرؤية، وأكثر أصالة وصلة بالتراث الثقافي الأوروبي، وكان لترجمة رواية «موبي ديك» للكاتب الشهير هيرمان ميلفيل، تأثيرها الكبير على إحساسه الداخلي بضرورة الخلق والتجديد من أجل مواكبة حركة الأدب العالمي، كما أن تأثير تلك الترجمات انعكس في أول مؤلفاته الروائية «العمل المتعب»، التي أصدرها عام 1936 والتي دخل من خلالها إلى عوالم النفس البشرية ومفارقاتها الحياتية والفنية ضمن أجواء المواجهة اليومية للشرائح الاجتماعية الفقيرة مع العالم الخارجي.
ارتقى بافيزي بمواقفه الشعرية التي استمد طاقتها الإيحائية والتعبيرية من خلال عملية اعتقاله من قبل قوات الحرس الفاشي عام 1935، حيث أرسل حينذاك إلى أحد السجون التي تقع في إقليم كالابريا الجنوبي مع مجموعة من زملاء له في مجلة «الثقافة»، فكان ذلك بمثابة الحدث الذي جعله يتفتح إلى أقصى حد بقواه الخاصة ووسائله التعبيرية، وفي تأكيده على أن العمل الثقافي هو أحد الحلول التي يبتكرها الإنسان لمشكلاته.
وقد كتب بعد هذه التجربة، روايته الطويلة «السجن» ما بين عام 35 - 1936 التي نشرت بعد سنوات كثيرة في مجلده الذي حمل عنوان «قبل أن يصيح الديك»، والذي ضم أيضاً روايته الشهيرة «البيت على الهضبة». تعبر رواية «السجن» عن عذاب التجربة للحد الذي أصبحت فيه رمزاً لمصير البشر. وبدا فيها بافيزي نفسه وكأنه مسؤول عن كشف الرعب الحقيقي الذي يصيب الإنسان الذي يقع تحت سلطة القهر، كما أنها مثّلت دعوة أولى يوجهها الأديب لنفسه وإلى الآخرين كي يخرجوا من عزلتهم وأن يتحرروا من النظرة العدمية. «السجن» عند بافيزي ليس هو الجدران التي تحصر الإنسان بداخلها، بل هو مزيج من صور الهجرة الداخلية التي تتسم بالعدمية، وهو التسكع الداخلي الذي تجابهه الصرخة الإنسانية بين الحين والآخر من أجل فضح أبعاد الفاجعة الإنسانية. وهي ومن جانب آخر مطالبة بتحري جوهر الفاجعة الإنسانية لحمل المثقف على تجاوز الهزائم والقدرة على الاحتجاج على كافة مخططات التصفية والمساومة على الأرض التي يرقد فيها.
عام 1936 صدر عفو عن بافيزي من قبل الحكومة الفاشية للمدة المتبقية من محكوميته، إلا أنه استشف من تجربة السجن المريرة، التي أكسبته وعياً سياسياً، واقع الهزيمة السياسية التي كانت بلاده تعاني منها، كما أن فشله في تجربة حب قاسية جعلته يتردد ويشك ويذعن للخيبة في حياته، فانصرف بعدها كلياً إلى عمله الأدبي لائذاً بنفسه وكأنه بطل يموت كل يوم ثلاث مرات بكبريائه وندمه وحزن قلبه.
عام 1939 كتب روايته القصيرة «قراك»، وهي أول كتاب له تم تسليمه للطباعة في عام 1941 وإن لم يكن أول كتاب ألفه كما ورد سابقاً، إلا أن هذا العمل الروائي واجه انتقادات لاذعة نظراً لقساوة موضوع الرواية وأسلوبها، كما وصف هذا العمل الروائي بأنه تتابعات شكلية يدل بعضها على بعض، وتقود القارئ لمعرفة الأبعاد النفسية لنموذج البرجوازي المتردد، وأجمع النقاد في حينها على أن الرواية هي تقليد للأساليب الأميركية وهي تتجه الاتجاه ذاته الذي يكاد يجمع جميع أعمال بافيزي بتصوير التباين القائم بين الريف وعوالمه السحرية الذي يمثل حالة ارتجاع للذاكرة عند المؤلف، وبين عالم المدينة الموحش الذي تسوده الغرائز المكبوتة. والرواية في النهاية ترسم الخط الفاصل بين اللحظات الراهنة والتاريخ، حين يتحول الحاضر إلى وحش يحاول افتراس ذاكرة الإنسان.
وقد كتب بافيزي في الفترة نفسها رواية أخرى قصيرة أسماها «الصيف الجميل»، ولم ينشرها إلا بعد عشر سنوات مع روايتين كتبهما في فترتين مختلفتين، وهما «الشيطان على الهضاب» و«بين نساء وحيدات»، وقد اعتبر النقاد أن هذه الأعمال تشكل ثلاثية يدخل بافيزي من خلالها عتبة العالم من أجل التجانس والتماثل، إلا أن بافيزي رد على منتقديه موضحاً أن رواياته لا تعدو أن تكون محوراً للتجارب التي تتعرض لها الشبيبة في الوقوع بالمتاهات التي يخلقها الواقع الاجتماعي ثم الميل والانجراف إلى الشهوة التي تظهر بعض الأحيان كحاجة غير سليمة تتجاوز الأصول؛ مما يؤدي ذلك إلى عواقب الوقوع في سجن العقوبة الاجتماعية المرتقبة والتي تقع عادة على الشبيبة الأصغر سنا في التجارب.
وقد كتب بافيزي رواية «الشاطئ» عام 1942 وقصص «عطلة أغسطس»، التي صدرت عام 1946، وهي تحكي قصة الطفولة وتعالج قضايا مختلفة وتحمل إرهاصات الواقعية الإيطالية التي تربت في أحضان الرومانسية الفرنسية، كما تعكس غربة الكاتب عن عالمه وقومه ومجتمعه الذي يغزى ويسلب فلا ينتمي له أحد، وهذه هي حالة البرجوازي الإيطالي الذي وجد من الصعب الائتلاف والتلاؤم مع الواقع الذي لا يقر له بمطامحه، ولا يحترم نزواته، فخرج على هذا الواقع من أجل تقويضه.
وكتب بافيزي رواية «الرفيق» عام 1947 تحت تأثير انتمائه للحزب الشيوعي الإيطالي، والذي حاول من خلاله أن يخرج من انكماشه الداخلي، إلا أن الرواية لم تلق أي نجاح، بل إن رفاقه في الحزب اتهموه بالانحطاط والتردي؛ مما سبب له أسى كبيراً، إضافة إلى أساه الذي حمله في داخل نفسه.
وقبل أن يختتم بافيزي حياته، كتب روايته «القمر ونار الحطب» عام 1950، والتي تحكي قصة الحرب والعنف والحنين إلى الموت والذي ينبعث عنده من الغضب والاستسلام وشيخوخة الروح في صباها، كما تستعرض الرواية التباين بين الريف والمدينة، وهو الموضوع الذي ظل عزيزاً إلى قلبه. والرواية التي يعتبرها البعض أهم روايات بافيزي تحمل حنينه للموت الذي يأتي كرد فعل يرتبط بمصيره الشخصي على أنه النهاية التي كان ينتظرها بافيزي كقدر يتوج به حياته وتوقف زمنه.
أما شعره، فقد اتسم بالقصصية والغنائية الحزينة التي تقوم على مزيج من الإيقاع الخارجي المتمثل ببناء الحكاية وأسلوب عرضها، وداخلي يتمثل بصوت العاطفة المفجع، كما تتصف معظم قصائده بالإيقاع العالي ولو أنها تتبع في الغالب أسلوب «الحكواتي» السردي الذي يصاحبه الحوار والترميز، وقصيدة «الشبح» هي نموذج واضح، كما أنها تمتاز بقوة البناء اللغوي. وتكتسب جدتها من داخل موضوعها ومن خلال قدرتها على التعبير بالصور كافة. وقد سهل ذلك قدرته الروائية وحجم اطلاعه على حركة الشعر العالمي؛ مما جعل قصيدته مركزة ومكتنزة وبعيدة عن الترهل، وغير مثقلة بالصفات والتعابير الجاهزة، كما هو الحال عند بعض الشعراء الإيطاليين المعاصرين.

من شعر بافيزي
(إلى.. ت)
وأنت الحب أيضاً
وإنك في الدم والتراب
كالآخرين تسيرين
كمن لا ينفصل عن باب منزله
وتنظرين كمن يترقب
لكنه لا يرى.. أنت من التراب
يتألم بصمت
ترتعشين وتتعبين
ولديك كلام.. تسيرين
مترقبة.. والحب
هو دمك..لا سواه

(ترويض)
في الفجر تبدأ الأعمال، لكننا قبيل ذلك نلتقي بأنفسنا
الناس قاطعوا الطرقات، كل يتذكر وحدته وتعاسته
مكتشفاً ندرة المارين، كل يحلم مع نفسه، يعلم كيف تضئ العيون

في الفجر
حين يأتي الصباح تجد الدهشة؛ إذ تتوقف الأعمال
لكننا لسنا بعد وحيدين، ولا أحد يرهقه النعاس
بهدوء نتأمل إشكالات النهار حتى تولد الابتسامات
في عودة الشمس كلنا مقتنعون، ومرات هناك أفكار أقل وضوحاً
«سخرية» تفاجئنا، ونعاود تحدينا لها
لدى الشغيلة والمتهكمين تجد المدن الصافية، لا شيء يحير الصباح
كل شيء يمكنه الحدوث، ويكفي الانتباه إليه أثناء العمل
الصبايا الهاربات لا ينجزن شيئاً، يقطعن الطرقات
وأخريات يركضن، أوراق الساحات العامرة بالأشجار
تملأ الشوارع ظلالاً، والأعشاب بين البيوت ثابتة
على ضفاف الأنهار ينهار الفيء تحت الشمس
المدينة تجعلنا نرفع الرؤوس
ونفكر، وهي تدري خضوعنا إليها.



معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
TT

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة فنية مميزة، استعاد 29 فناناً رومانياً سيرة النحات الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (1876–1957)، أحد أبرز روّاد النحت الحديث في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق في مسارات الفن التجريدي المعاصر.

المعرض الذي استضافت نسخته المصرية قاعة الاتجاه بقصر الفنون في القاهرة، يحتفي بمرور 150 عاماً على ميلاد النحت الرائد تحت عنوان «برانوشكي 150»، افتتحته السفيرة الرومانية في القاهرة أوليفيا تودريان، بحضور محمد طلعت، مستشار وزير الثقافة المصري للفنون التشكيلية والبصرية، والدكتور شادي أديب سلامة، منسق وقيم المعرض بالقاهرة، ونخبة من الفنانين والمهتمين بالفن.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الغرافيك لـ29 فناناً رومانياً معاصراً، استُلهمت أعمالهم من فكر برانكوشي ورؤيته الجمالية التي أسست لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، وأسهمت في تطوير مفاهيم الاختزال والتجريد في النحت المعاصر.

تقنيات الحفر والطباعة ميزت المعرض (الشرق الأوسط)

وتُمثل نسخة القاهرة محطة مهمة ضمن سلسلة معارض متزامنة أُقيمت في 21 دولة حول العالم، تحتفي بإرث برانكوشي الفني وتأثيره المستمر حتى اليوم. وتعكس استضافة القاهرة لهذا المعرض مكانة القاهرة مركزاً ثقافياً فاعلاً للحوار الفني الدولي، وجسراً للتبادل الثقافي بين مصر ورومانيا.

وعدّ الفنان شادي أديب سلامة، منسق المعرض، أن المشروع «يجسد نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للحدود، ويعزز من آفاق التواصل الفني بين الشعوب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المشروع يتم التحضير له منذ عامين تقريباً، بعد اختيار مجموعة فنانين من رومانيا، قدّموا أعمالاً تستعيد مسيرة وسيرة الفنان الرائد قسطنطين برانكوشي من خلال نسخ أصلية مصنوعة بتقنيات الغرافيك أو الحفر والطباعة اليدوية سواء ضغط أو زنك أو حفر على الخشب أو نقل مباشر».

السفيرة الرومانية بالقاهرة خلال افتتاح المعرض (وزارة الثقافة)

وتضم الأعمال موضوعات مختلفة، فكل فنان احتفى بجانب من حياة أو أعمال برانكوشي الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وصنع مجموعة من التماثيل الميدانية ذات الطابع التجريدي على وجه الخصوص، وتضمنت أعمال الفنانين المشاركين في المعرض بورتريهات له أو لمنزله أو مناظر طبيعية للمكان الذي عاش وأبدع فيه النحات الرائد، بحسب أسلوب وطريقة كل فنان.

ووفق منسق المعرض فقد تم اختيار مصر لتشارك في هذه الاحتفالية «بناءً على اختيار مؤسسة Inter-Art Foundation (مدينة أيوُد – رومانيا) وهي تختار مكاناً في كل مدينة أو قارة للمشاركة في عروض لها طابع دولي، وقبل شهور نظمت المؤسسة معرضاً عالمياً في الأمم المتحدة وشاركتُ فيه من مصر».

بوستر المعرض الذي يحتفي بالنحات الروماني (وزارة الثقافة المصرية)

وأضاف سلامة أن «المعرض يعد عاملاً مهماً في التبادل الثقافي بين مصر ورومانيا، وهناك احتفالية بمرور 120 سنة على العلاقات بين مصر ورومانيا، تم تصميم شعارها وفق مدرسة برانكوشي في الربط بين الرقم ومفردات رمزية مثل الأعمدة الخاصة بالمعابد المصرية القديمة، وأشار إلى انتقال المعرض من دار الأوبرا المصرية لإقامة أكثر من فعالية أخرى يتم التحضير لها، سواء في السفارة الرومانية بالقاهرة، أو أحد المراكز الثقافية في الإسكندرية.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.