ترمب ينفي تقديم تنازلات لكوريا الشمالية

سيول تستعد لقمتها مع بيونغ يانغ وسط تشكيك في نية كيم نزع السلاح النووي

كوريون شماليون يتابعون تغطية اجتماع الحزب الحاكم في بيونغ يانغ أول من أمس (أ.ف.ب)
كوريون شماليون يتابعون تغطية اجتماع الحزب الحاكم في بيونغ يانغ أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب ينفي تقديم تنازلات لكوريا الشمالية

كوريون شماليون يتابعون تغطية اجتماع الحزب الحاكم في بيونغ يانغ أول من أمس (أ.ف.ب)
كوريون شماليون يتابعون تغطية اجتماع الحزب الحاكم في بيونغ يانغ أول من أمس (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن بلاده لم تتنازل حتى الآن عن «أي شيء»، مقابل موافقة كوريا الشمالية على وقف التجارب النووية والباليستية.
وأعلنت بيونغ يانغ، هذا الأسبوع، وقف التجارب النووية وإطلاق الصواريخ الباليستية، وإغلاق موقع للتجارب النووية، في وقت يستعد فيه البلدان لعقد قمة على أعلى مستوى، بين كيم جونغ أون وترمب، إلا أنها لم تلتزم بالتخلي عن أسلحتها النووية التي تعتبرها ضمانة لها بوجه أية محاولة للغرب للإطاحة بنظامها.
وكتب ترمب على «تويتر»: «لم نتخل عن أي شيء، لقد وافقوا على السير باتجاه نزع السلاح النووي (وذلك عظيم للعالم)، وإغلاق موقع للتجارب النووية، ووقف التجارب!».
وتابع الرئيس الأميركي: «نحن بعيدون جداً عن إغلاق الملف الكوري الشمالي، قد تنجح الأمور، وقد لا تنجح، الوقت وحده كفيل بكشف ما سيحصل... لكن ما أقوم به الآن كان يجب القيام به منذ وقت طويل».
وأعلن كيم، السبت، أن كوريا الشمالية أوقفت التجارب النووية والباليستية، وأغلقت موقعاً للتجارب النووية، في تطور سارع ترمب، وزعماء الصين وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، إلى الترحيب به، في تغريدة على «تويتر»، كتب فيها: «تقدم كبير! نتطلع إلى قمتنا.».
إلا أن مراقبين حذروا من أن هذه التنازلات قد يتم التراجع عنها بسهولة، في حال قرر كيم ذلك. ويعتبر محللون أن القمة المقررة، لا سيما الاجتماع مع رئيس أميركي حالي، تضفي شرعية على كيم وحكومته، وتعتبر بمثابة انتصار لبيونغ يانغ، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وبهذا الصدد، قال السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، لشبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية: «إن هذا جهد كبير في مجال العلاقات العامة بذله كيم جونغ أون، وأعتقد أن الناس تدرك ذلك. أعتقد أن الجميع في الإدارة والكونغرس يقاربون هذا بتشكيك وحذر».
وأضاف: «يمكن التراجع عن ذلك بسهولة، وجميعنا يعلم ذلك»، مشيراً إلى أن كيم بدأ «الاجتماعات بطريقة تضع الولايات المتحدة تقريباً في موقف دفاعي».
وفيما تبحث إدارة الرئيس الأميركي مع مسؤولين كوريين جنوبيين تفاصيل القمة المرتقبة بين الزعيمين، تستعد كوريا الجنوبية لقمة استثنائية، الجمعة المقبلة، تجمع هذه المرة بين كيم والرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن.
وقال مسؤولون في سيول، أمس، وفق وكالة «رويترز»، إن تحضيرات كوريا الجنوبية لأول قمة لها مع الشمال منذ أكثر من 10 سنوات بلغت أوجها هذا الأسبوع، بعد يوم من تعهد بيونغ يانغ بتعليق تجاربها النووية، مما عزز الآمال، لكنه أثار شكوك الكوريين الجنوبيين كذلك.
وقال نام سونغ - ووك، أستاذ دراسات كوريا الشمالية بالجامعة الكورية في سيول، إن «كوريا الشمالية لها باع طويل في إثارة مسألة نزع السلاح النووي، وقد تعهدت في السابق بتجميد برامجها النووية. نذكر جميعاً كيف تبددت هذه التعهدات والالتزامات في العقود الماضية»، وفق ما نقلته عنه «رويترز».
وأضاف: «يبدو إعلان الشمال مؤثراً للغاية، لكن من الطبيعي أن يتعامل العالم بحذر مع كل كلمة ينطق بها كيم».
وقال كيم عند تعهده بوقف التجارب النووية والباليستية إن بلاده لم تعد بحاجة إلى إجراء هذه التجارب، بعد أن امتلكت الأسلحة بالفعل، وإنه سيوجه جهوده للتنمية الاقتصادية. ورأى مسؤول من القصر الرئاسي في كوريا الجنوبية، أمس، أن مون، الذي رحب بإعلان كيم قائلاً إنه خطوة «كبيرة» باتجاه نزع السلاح النووي، يركز اهتمامه بشكل كامل هذا الأسبوع على القمة، ويبقى في القصر الرئاسي للتحضير لها، ولا يرتبط بأي التزامات خارجية.
وقال المسؤول إن جهاز الأمن الرئاسي اجتمع مع أفراد من الجيش، وقيادة قوات الأمم المتحدة، أول من أمس، لبحث تأمين بلدة بانمونجوم التي ستعقد فيها القمة بين الكوريتين.
وكانت كوريا الجنوبية تعمل على مدى الأسابيع القليلة الماضية على تجديد مبنى «بيت السلام»، على جانبها من الحدود في بانمونجوم، للتحضير للقمة مع كيم الذي سيصبح أول زعيم كوري شمالي تطأ قدمه أراضي الجنوب منذ الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953.
ومن المتوقع أن تجري الكوريتان اليوم جولة أخرى من المحادثات على مستوى مجموعات العمل في تونجيل، الواقعة على الجانب الكوري الشمالي من قرية بانمونجوم الحدودية، لمناقشة شؤون متعلقة بالمراسم والتجهيزات الأمنية والتغطية الإعلامية للقمة.
ويضع مون على مكتبه حالياً خط اتصال هاتفي مباشر مع كيم، بدلاً من الاعتماد في التواصل على خط ساخن داخل المنطقة الأمنية المشتركة في بانمونجوم، الذي كان وسيلة التواصل الرئيسية بين الجانبين خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيونغ تشانغ بكوريا الجنوبية، في فبراير (شباط).
وقالت كوريا الجنوبية، الجمعة، إنه من المتوقع أن يعقد الزعيمان محادثات عبر خط الهاتف الجديد لأول مرة هذا الأسبوع، قبل القمة.
وفي بداية زيارة لها إلى سيول، أمس، وصفت سوزان ثورنتون، وهي دبلوماسية أميركية كبيرة معنية بشؤون شرق آسيا، إعلان كوريا الشمالية الأخير بأنه «خطوة إيجابية للغاية».
وستتضمن اجتماعات ثورنتون، خلال زيارتها التي تستمر 3 أيام، اجتماعين مع وزير خارجية كوريا الجنوبية وكبير مفاوضيها النوويين.
ونقلت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء عن ثورنتون قولها: «سنعمل على تعزيز التنسيق الوثيق مع كوريا الجنوبية والحلفاء والشركاء هذا الأسبوع». ووصف ترمب عرض كوريا الشمالية بتعليق تجاربها بأنه «نبأ جيد جداً» و«تقدم كبير»، بينما قالت كوريا الجنوبية إنه قرار يمثل تقدماً «مهماً»، وسيعمل على تهيئة ظروف مواتية لاجتماعات قمة ناجحة معها ومع الولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن يجتمع كيم مع ترمب، أواخر شهر مايو (أيار) أو أوائل يونيو (حزيران)، في أول اجتماع من نوعه. ويقول خبراء إن العرض الكوري الشمالي، بعدم اختبار أو نقل أسلحة نووية، بدا وكأنه إعلان عن أنها دولة «تتحلى بالمسؤولية»، في ما يتعلق بالأسلحة النووية، لا عن عزمها نزع السلاح النووي.
ويرى تشيونجغ سيونغ تشانغ، وهو كبير باحثين وزميل في معهد «سيغونغ» للبحوث، أنه من غير المتوقع أن تبدي كوريا الشمالية التزاماً صارماً بنزع سلاحها النووي قبل بدء مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وقال إنه «لا يمكن لكيم أن يتنازل عن كل شيء مرة واحدة. ومن الواضح أنه يظهر استعداده الجاد لتمهيد الطريق لمفاوضات سلسة».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended