مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

1750 منطقة تحتضن 13 مليون نسمة اقترنت بالعنف.. والحكومة خصصت وزارة لتطويرها

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»
TT

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

استحدثت الحكومة المصرية التي جرى تكليفها مع انتخاب الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، وزارة جديدة من نوعها تهدف إلى معالجة واحدة من أهم المشاكل التي تواجه البلاد منذ نحو أربعين سنة وظهر خطرها بشكل كبير عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي المناطق السكنية غير المخططة التي يعيش فيها ملايين المصريين في ظروف صعبة، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية» المنتشرة في المدن الكبرى. وتسببت، لطبيعة تكوينها، في تفريخ أعمال عنف ولجوء «الإرهابيين» للاختباء فيها.
والوزارة الجديدة جرى تسميتها أولا «وزارة العشوائيات»، لكن يبدو أن الاسم لم يكن مستساغا، فجرى إبدال اسمها قبل يومين إلى وزارة «التطوير الحضاري»، وتقودها الوزيرة ليلى إسكندر، التي كانت تتولى في السابق العمل وزيرة لشؤون البيئة. وتتفاوت تقديرات المناطق العشوائية ومن يعيشون فيها، لكنها تدور حول 1300 إلى 1750 منطقة يعيش فيها نحو 13 مليون نسمة، وإن كان العدد يقل ويزيد من جهة إلى أخرى.

ترى منال الطيبي، مديرة مركز «الحق في السكن» مشكلة استحداث وزارة للعشوائيات بنظرتين.. النظرة الأولى أنها «خطوة إيجابية» وأن المسؤولين شعروا أخيرا بمشكلة كبيرة مثل العشوائيات. وأضافت أن النظرة الثانية هي تخوفها من أن تتحول مهمة هذه الوزارة إلى محاولة لتجميل شكل العشوائيات لا تطويرها. وتقول الطيبي: «لدي تخوف بدا مع تغيير اسم الوزارة وأطلقوا عليها اسم التطوير الحضاري.. أتخوف من أن تكون مهمتها تنحصر في شكل العشوائيات وليس بكل ما يتعلق بهذا النوع من المناطق، لأن التطوير أرى أنه (ليس تطويرا للمباني فقط ولكن للناس أيضا)».
ويعقد كثير من المصريين الأمل على أن تؤدي هذه الوزارة، بالتعاون مع المحافظات الكبرى، إلى التخلص من المناطق العشوائية بعدة طرق؛ منها الإزالة الكاملة، أو التطوير أو الإحلال والتجديد. ويأتي اهتمام حكومة المهندس إبراهيم محلب بوضع خطط تطوير العشوائيات موضع التنفيذ بصفته رجل مقاولات قادما من شركة المقاولون العرب.
لكن منال الطيبي تزيد قائلة: «أخشى أن يكون هناك تهجير قسري لسكان العشوائيات تحت اسم التطوير. وأقلق من التعامل مع العشوائيات على أنها مشكلة في حد ذاتها منفصلة عن المشاكل الأخرى.. هذه القضية ترتبط بمشكلة أكبر وهي سياسات الإسكان بمصر منذ عقود.. لكي نغلق باب العشوائيات، لا بد من خطة عامة تشارك فيها الوزارات المختصة.. أي وضع نظرة كلية لموضوع السكن، لأن هذه الأزمة لن تحل إلا باستراتيجية كلية تدرك أسباب العشوائيات.
ووفقا للتقارير الرسمية، فإنه توجد 143 منطقة عشوائية قابلة للتطوير ويجري العمل فيها بالفعل، بينما هناك 195 منطقة أخرى قابلة للتطوير أيضا، لكن لم يبدأ العمل بها بعد، بالإضافة إلى 26 منطقة غير قابلة للتطوير ويجري العمل على إزالتها، ونقل سكانها إلى مناطق مخططة.
ولا توجد معلومات دقيقة عن توصيف المناطق العشوائية ولا عددها أو عدد سكانها، والرقم يتراوح عادة بين ستة ملايين و15 مليونا. وكشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء (الحكومة)، في تقرير أعده عدد من الخبراء أخيرا، عن أن عدد سكان المناطق العشوائية يقدر بنحو 6.2 مليون حتى عام 2005، وأن القاهرة تستحوذ على ثلث عدد سكان المناطق العشوائية. لكن بيانا آخر في الدراسة نفسها يقول إن عدد المناطق العشوائية في 2007 بلغ 1171، يعيش فيها نحو 15 مليون نسمة.
ويضيف التقرير أن مساحة العشوائيات، حتى فبراير (شباط) الماضي، تبلغ نسبتها نحو 37.5 في المائة من إجمالي مساحة المدن المصرية البالغ عددها 226 مدينة، مشيرا إلى أن «العشوائيات» تنقسم لمناطق غير مخططة تبلغ مساحتها نحو 97 في المائة، ومناطق غير آمنة تصل مساحتها إلى نحو ثلاثة في المائة.
لكن عبد الحميد كمال، عضو لجنة الإدارة المحلية، في البرلمان المصري السابق، قال إن العشوائيات يعيش فيها ما يقرب من 20 في المائة من تعداد السكان في البلاد، وعدد هذه المناطق غير المخططة يقترب من 1750 منطقة، و«هذه المشكلة كان يوجد لها صندوق لحلها اسمه صندوق تطوير العشوائيات، لكن هذا الصندوق لم يحقق النجاح المطلوب في السنوات الماضية لأنه أنشئ بلا خطة، ولا دراسات فنية لتطوير المناطق العشوائية».
ومع ذلك، ما زالت الأعمال تسير، وإن كانت ببطء، لتطوير ما يمكن من بعض المواقع العشوائية. ومن أشهر هذه المناطق التي تخضع للتطوير في الجيزة «كفر نصار» و«عزبة جبريل» و«كفر العرب»، وغيرها خاصة في محيط منطقة كرداسة التي شهدت أحداثا مأساوية حين هاجم عدد من الخارجين عن القانون قسم الشرطة وقاموا بقتل عدد من الضباط والتمثيل بجثثهم.
ولم تكتسب المناطق العشوائية شهرتها من الجريمة والإرهاب فقط، ولكن بعض المناطق تعرضت لكوارث قاتلة، مثل منطقة الدويقة التي سقط على جانب منها صخور ضخمة من جبل المقطم المجاور لها، مما تسبب في مقتل العشرات، قبل خمس سنوات. وفي ذلك الوقت، ظهرت أول فكرة لوضع حد لهذه المشكلة، من خلال إنشاء صندوق لتطوير المناطق العشوائية، لكن وفقا لكمال، لم تسر الأمور بالطريقة المرجوة.
ومن جانبه، يضيف النائب السابق كمال قائلا إن تطوير المناطق العشوائية ما زال ممكنا، و«أعتقد أن بعض الخطط التي جرى تنفيذها في الماضي، مثل تطوير منطقة (عرب المحمدي) في مدخل القاهرة، ناحية ضاحية عين شمس، والواقعة بجوار مستشفى عين شمس القديمة، تحولت حاليا إلى منقطة صالحة للسكن، وجرى تخطيطها وأقيمت بها حديقة أيضا».
ويقول إن تطوير العشوائيات «يحتاج لخطة تشارك فيها الحكومة وجمعيات الإسكان ورجال الأعمال والاتحاد العام للإسكان التعاوني، على أن يقيم هذا الاتحاد مباني للمحتاجين وفقا لدوره وليس بناء المساكن الفاخرة أو المتوسطة كما كان يجري أخيرا».
ويوضح كمال أن «عدد العشوائيات اليوم زاد على السابق، بسبب احتياج الناس المساكن، ولأنه لا توجد رقابة على أراضي الدولة». ويرى أيضا أنه «ومن بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حتى اليوم، شهدت مصر تزايدا في عدد العشوائيات، بسبب غياب رقابة الدولة في السنوات الأخيرة»، وبسبب الهجرة من الريف للمدينة التي بدأت منذ عقود وما زالت مستمرة حتى الآن.
وبدأت الوزيرة الجديدة، ليلي إسكندر، تولي مهام وزارتها بالقيام بعدة جولات من أجل الوقوف على أبعاد مشكلة العشوائيات، ليس في القاهرة فقط، ولكن في عدة محافظات أخرى أيضا. وتأتي تحركات الوزيرة في إطار برنامج عام تبناه الرئيس الجديد، السيسي، يتضمن إعادة ترسيم حدود المحافظات، وإنشاء محافظات جديدة، مما يمكن أن يتسبب في خلخلة التكدس السكاني الذي ينحصر في المدن الواقعة على الشريط الضيق لوادي النيل.
ويقول كمال: «أعتقد أن السكن الاجتماعي الذي يبنيه الجيش ومشروع المليون وحدة (الذي تقيمه الإمارات بالتعاون مع الجيش في مصر) يمكن أن يقلل من عدد العشوائيات، بشرط أن تتوقف الدولة عن دعم مشروعات الإسكان الفاخر والمدن المغلفة (كمباوند)، وأن تقوم بفرض ضرائب تصاعدية على الوحدات الكبيرة لصالح صندوق تطوير العشوائيات»، مشيرا إلى خطورة استمرار المناطق العشوائية، لأنها «هي التي تفرخ الإرهابيين، وهي التي تنشط فيها الزوايا الدينية التي يخرج منها المتطرفون، ومنطقة عرب شركس خير مثال على ذلك، وهي المنطقة التي تمكن فيها مجموعة من الإرهابيين من الاختباء في أحد أوكار المنطقة وجمع ترسانة من الأسلحة فيها، قبل أن تتمكن السلطات من اكتشاف الأمر».
ويواجه المسؤولون مشكلة في إقناع السكان بالانتقال إلى شقق ومساكن بديلة في عدد من المدن الجديدة المحيطة بكل من القاهرة والجيزة، مثل مدن العبور والشروق وبدر والسادس من أكتوبر، وغيرها. ومن الصعب إقامة عمارات سكنية مخططة بنفس المنطقة العشوائية التي أقيمت منذ عشرات السنين بشكل غير مخطط.
ولفت تقرير مركز المعلومات إلى أن أكثر المناطق غير الآمنة الواقعة، ضمن المناطق العشوائية في القاهرة، هي منطقة ماسبيرو، التي تقع في قلب العاصمة، خلف مبنى التلفزيون الحكومي الشهير، وهي منطقة قريبة من ميداني التحرير وعبد المنعم رياض. أما في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، فإن أكثر المناطق غير الآمنة وفقا للتقرير نفسه فتقع في منطقة «عشش السكة الحديد».
وبسبب الإجراءات الأمنية الصارمة، وأعمال التطوير أو الإزالة، التي بدأت الحكومة اتخاذها بعد ثلاث سوات من الاضطرابات والفوضى، تقول مصادر وزارة الداخلية إن عدد المناطق غير الآمنة تراجع منذ مطلع هذا العام بنسبة تزيد على عشرة في المائة مقارنة بما كان عليه الحال مع بداية عام 2011. وتقول محافظة القاهرة إنه يوجد نحو 284 ألف مواطن يعيشون في مساكن «غير آمنة» ويحتاجون إلى 42 ألف وحدة سكنية جديدة، قامت بالفعل ببناء 15 ألف وحدة. وتجري محافظة القاهرة في الوقت الحالي تنفيذ مشروعات لتطوير العشوائيات بما يزيد على مليار جنيه. ويقول الدكتور مصطفى سعيد، محافظ القاهرة، إن المحافظة تحتاج إلى ما يتراوح بين ستة إلى سبعة مليارات جنيه لحل قضية العشوائيات. ويقترح المحافظ إيجاد خطة أو التزام من الدولة بأن تقضي على العشوائيات خلال فترة خمس سنوات. ويرى أن قضية العشوائيات من أهم القضايا التي تواجهها المحافظة، وهو من الداعين لأن تكون «قضية دولة» وليست «قضية حكومة»، حتى قبل أن يجري تخصيص وزارة لهذا الغرض.
وتقول داليا مجدي، رئيس اللجنة الإعلامية لحزب «المؤتمر» بمصر، إن العشوائيات قضية قومية، «ولا بد أن يكون هناك اهتمام بهذا الأمر لأن إصلاح العشوائيات من إصلاح الدولة»، مشيرة إلى أن العشوائيات «كانت منطلقا لبؤر الفساد في البلد؛ يخرج منها الإرهابيون والتطرف.. البلد لن تتطور لو ظل الحال على ما هو عليه.. أي طالما كان في مصر قصور للأثرياء وجحور للفقراء». وأضافت أن الانفلات الأمني وغيره في ثورة 2011 كانت معظم أسبابه من العشوائيات.
وتعد محافظة الجيزة ثاني كبرى المحافظات التي تعاني المناطق العشوائية. وتتولى «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» تنفيذ عمليات لرفع مستوى الكثير من تلك المناطق عن طريق توسيع الطرق وإقامة الأرصفة وإدخال الخدمات الأساسية. ويقول المحافظ، الدكتور علي عبد الرحمن، إن المحافظة تمكنت، من خلال التعاون مع «صندوق تطوير العشوائيات» أيضا، من تطوير 13 منطقة عشوائية غير مخططة.
وتوقعت داليا مجدي في حال جرى الاهتمام بقضية العشوائيات كما أعلنت الحكومة أخيرا، مقترنا بالعمل الجاد والحقيقي، أنه يمكن خلال خمس سنوات «أن يكون هناك تحسن في معالجة هذه المشكلة بشرط أن تضع الدولة خطة متكاملة، وأن تعمل على أرض الواقع، وألا تكتفي بالاجتماعات المغلقة التي يتناول فيها المسؤولون القضية لعدة ساعات ثم يمضي كل إلى حال سبيله دون تنفيذ أي شيء ملموس». وألقى تشكيل وزارة جديدة للعشوائيات بظلاله على مناقشات الكثير من الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تعمل في تلك المناطق. ومن جانبه، يقول محمد العزبي، مؤسس حزب «السادس من أكتوبر»، إن هذا النوع من الوزارات كانت تفتقده مصر وهو «الوزارات التخصصية». ويضيف: «مصر افتقدت التخصص في حل المشاكل على مدار الستين سنة الماضية، وكان لزاما على الدولة أن تبدأ تأسيس إدارات فعلية لإنهاء مشكلة العشوائيات عن طريق هيئة تخصصية، هي وزارة التطوير الحضاري والعشوائيات.. (على أن تعمل بمنتهى الشفافية والحيادية)».
وواجهت الحكومات السابقة رفض الكثير من سكان المناطق العشوائية الانتقال من مناطقهم إلى مناطق مخططة، خاصة في المدن الجديدة القريبة من المدن القديمة، وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرص عمل مماثلة لتلك الموجودة في الأماكن القديمة، ورغبة السكان في البقاء مع جيرانهم وذويهم الذين عاشوا معا في نفس المنطقة لعدة عقود.
ويضيف العزبي قائلا إن الحكومة المصرية «تواجه مشكلة تتلخص في أن الناس تعد المكان القديم قريبا من الأماكن العمرانية وأماكن عملهم، ولكن في ظل أزمة الدولة حيث يتوطن جزء كبير من سكان البلاد في المساحة الكلية لمصر، فإنه أصبح لزاما علينا جميعا أن ننتقل إلى أماكن أوسع، حتى نستطيع استغلال المساحات الشاسعة غير المستغلة من أراضي مصر وإن اضطر ذلك لإجبار هؤلاء على الانتقال إلى الأماكن الجديدة».
وأسست الحكومة منذ عدة سنوات صندوقا خاصة لتطوير العشوائيات، تابعا لوزارة «التنمية المحلية»، لكن يبدو أن إمكاناته أقل مما ينبغي، رغم زيادة الاعتمادات المالية المخصصة له في العام الأخير. ويقول تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إن حجم الاعتمادات المالية المخصصة لصندوق تطوير العشوائيات في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2013-2014 ارتفعت إلى 400 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 7.15 جنيه) لتطوير نحو 67 منطقة عشوائية غير آمنة، مقابل 300 مليون جنيه كان قد جرى تخصيصها في الخطة المالية لعام 2012-2013 لتطوير 68 منطقة غير آمنة.
ويزيد العزبي موضحا أن الكثير من المناطق العشوائية عرفت أسماؤها وذكرها قادة ورؤساء في الخطب الرسمية وفي البرلمان، بعد أن أصبحت مصدرا لإيواء مجرمين ومتطرفين وإرهابيين. ويقول: «قديما، نتذكر ما كان يعرف بأمير منطقة إمبابة (شمال القاهرة)، ولدينا اليوم مناطق شهيرة جرت فيها أحداث مروعة مثل قتل الضباط في منطقة كراسة بمحافظة الجيزة، قائلا إن هناك مناطق عشوائية أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة مثل (الوراق) و(الدويقة) وغيرها بالقاهرة الكبرى»، و«كثير منها أصبحت فيها أماكن تمثل بؤرا إجرامية، حيث لا تستطيع الدولة الوصول إلى كل البؤر المتوطنة في مثل تلك الأماكن نتيجة لضيق الشوارع وعدم قدرة الآليات على الدخول، مما يشكل تهديدا كبيرا على الأمن القومي المصري، وكذا توطن بعض الإرهابيين في العشوائيات واتخاذ بعض منها كمخازن للسلاح، مما يجعلها خطرا داهما على الوطن».

* استراتيجية عمل وزارة التطوير الحضاري
* تعتمد وزارة التطوير الحضاري المعنية بقضية المناطق السكنية غير المخططة في مصر، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية»، على عدد من البرامج لتغيير حياة نحو عشرين مليون مصري يعيشون في عشوائيات منتشرة بالقاهرة وعدة محافظات أخرى. ووفقا لمسؤولين في الوزارة الجديدة، فإنه يأتي على رأس هذه البرامج نقل جانب من سكان العشوائيات إلى مناطق سكنية مخططة خاصة في المدن الجديدة، لكن هذا يخص العشوائيات التي لا يمكن تطويرها بسبب أوضاعها الصعبة، مثل ضيق الشوارع أو البيئة غير الصحية، أو عدم وجود أساسات قوية للمباني المقامة أصلا دون تراخيص رسمية.
وتسعى الوزارة الجديدة إلى الاستعانة ببعض الخبراء المحليين والدوليين للإسهام في حل أزمة العشوائيات، دون الاضطرار إلى نقل مناطق بأكملها خاصة في العشوائيات ذات الكثافات العالية مثل منطقة «الملقى» و«المطبعة» بجنوب القاهرة، والاكتفاء بإنشاء طرق جديدة وجسور وأنفاق وتشجير وإقامة مراكز للشباب وإدخال المرافق الأساسية وتهيئة الأجواء الصحية لحياة السكان. ومن بين البرامج التي تتضمنها خطة الوزارة الجديدة إصدار تشريعات وقوانين جديدة تمكنها من عملها بما لا يتعارض مع اختصاصات الوزارة والجهات الإدارية الأخرى. ويضع هذا البرنامج في حسبانه أيضا إحداث تنمية شاملة في كل منطقة عشوائية بحيث لا تقتصر على المباني والطرق فقط، بل تزيد إلى التطوير والتنمية في المجالات الثقافية والرياضية وكذا محو الأمية بما ينعكس على سلوكيات قاطني هذه المناطق، خاصة من الشباب والأجيال الجديدة.
ووفقا لمصادر الوزارة نفسها، فإنها ستعتمد في برامجها على تشغيل العاطلين في المناطق العشوائية من خلال فتح مجالات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإقامة مراكز للتدريب والتأهيل للانخراط في الأعمال الأخرى المتطورة بالمدن، بالإضافة إلى إقامة مراكز تجارية وخدمية عصرية.
وتابعت المصادر قائلة إن الوزارة تسعى لتحويل طبيعة عملها الجديد من عمل وزاري، إلى عمل قومي تتحول فيه الوزارة إلى منفذ لخطة استراتيجية تتعاون معها في ذلك الوزارة والإدارات الحكومية المختلفة، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في كل منطقة لإعادة تخطيط المناطق وتوعية السكان بأهمية ما تقوم به الوزارة من أجل تحسين ظروف الحياة فيها.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.