شايغان... محن وتجارب فيلسوف إيراني

كان موسوعياً... شاعراً متصوفاً عالم لغويات وناقداً أدبياً

غلاف «النور يأتي من الغرب»  -  شايغان في شقته بطهران
غلاف «النور يأتي من الغرب» - شايغان في شقته بطهران
TT

شايغان... محن وتجارب فيلسوف إيراني

غلاف «النور يأتي من الغرب»  -  شايغان في شقته بطهران
غلاف «النور يأتي من الغرب» - شايغان في شقته بطهران

قال داريوش شايغان بينما يرتشف قهوته الإسبريسو، وكأنها شراب مقدس: «في نهاية الأمر نحن لا نعيش سوى حياة واحدة. السؤال هو ماذا فعلنا بها؟».
كان ذلك المشهد منذ عام في أحد مقاهي شارع ألما مارسو في باريس، حيث التقينا وتناولنا الغداء سوياً مع صديق مشترك هو شاهين فاطمي. في الوقت ذلك لم يكن أحد منا يعلم أن تلك الزيارة ستكون آخر زيارة لداريوش للعاصمة الفرنسية التي لطالما اعتبرها وطناً ثانياً له، فبعد عام من ذلك التاريخ وافته المنية في وطنه الأول الحبيب طهران.
قبل أيام قليلة حضرت مجموعة صغيرة من المعزين مراسم دفن داريوش البالغ من العمر 83 عاماً في طهران تحت أعين قوات الأمن «الإسلامي»، المنتشرة لضمان عدم حدوث أي «اضطرابات». الإجابة عن سؤال شايغان «ما الذي فعلناه بحياتنا؟» بسيطة ومعقدة في آن واحد في حالتنا هذه.
لقد كان شايغان يوصف بأنه موسوعي، وفيلسوف، وشاعر، ومتصوف، وعالم لغويات، وأستاذ في الحضارات «الشرقية»، لكنه خاض أيضاً غمار النقد الأدبي، والبحث التاريخي، والتكهنات اللاهوتية؛ وكان كذلك جامعاً للأعمال الفنية والكتب وأعمال الخط وخبيراً بها. وانخرط أيضاً في استراتيجية سياسية كبيرة من خلال نشر مفهوم «حوار الحضارات»، الذي تبنته الإمبراطورة فرح للمرة الأولى، وبعد وصول الملالي إلى السلطة في طهران، وتولي حجة الإسلام محمد خاتمي منصب رئيس الجمهورية الإسلامية لمدة ثماني سنوات.
مع ذلك أهم ما يتذكره عنه من عرفه عن قرب هو حبه الكبير لإيران، الذي كان يصل إلى حد العبودية، وما كان يصفه بأنه علاقة حب طويلة مع اللغة الفارسية. لقد كان شايغان من مخرجات ثقافة الحقبة الإمبراطورية الإيرانية، إن جاز التعبير، مع ما يتضمنه من مخاطرة بإثارة الاستياء.
ولد شايغان في مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية الواقعة في شمال غرب إيران، لأب أذربيجاني، وأم من جورجيا، لذا تعلم في طفولته اللغتين الأذربيجانية والجورجية. مع ذلك في الوقت ذاته تعلم الفارسية، وهي اللغة المشتركة في إيران، التي كانت تجمع الكثير من الجماعات العرقية واللغوية المختلفة في نسيج مترابط لأمة واحدة. وقت ميلاد شايغان كان عدد اللغات الحية في إيران 18 لغة كانت تمثل كل منها، باستثناء لغة واحدة، جماعة عرقية؛ لكن مع الأسف لم يتبق منها الآن سوى ست لغات فقط. كانت تلك اللغة المستثناة هي الفارسية، حيث لم تكن مرتبطة بجماعة عرقية بعينها بل كانت لغة كل الإيرانيين.
الفارسية لغة خطيرة، فهي قد تسحرك وتربكك بفتنتها وغموضها، وتلف ربقتها حول عنقك، وتقودك إلى مناطق لا تنتوي الذهاب إليها؛ فهي مثل الأنثى الفاتنة التي لا يمكن مقاومة غوايتها، والتي تجعلك تنسى أن لديها سلاحاً محشواً بالطلقات في حقيبتها المصنوعة من جلد التمساح. لقد كان شايغان واحداً من بين الكثير من المفكرين الإيرانيين المفتونين باللغة الفارسية، فبدلاً من أن يأمروها ويطوعوها لخدمة أفكارهم، أصبحوا هم وعاءً يتجلى فيه جمالها، حيث تتعجب من النثر الجميل الأخاذ الذي يجعل أي فكرة من المفترض التعبير عنها من خلال اللغة تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، ويجعلك ذلك تقول: «أنا أحبها، فهي توصلني إلى السماء السابعة، لكن ما معنى ما يقال؟».
كان على شايغان أيضاً، مثله مثل الكثير من المفكرين الإيرانيين الآخرين، استخدام لغات أخرى، وكانت في حالته اللغة الفرنسية، للتعامل مع الجوانب الأساسية من تكهناته الفلسفية وملاحظاته التاريخية. لهذا السبب كتب أكثر كتبه البالغ عددها 18 كتاباً بالفرنسية، في حين كان يستخدم الإنجليزية في كتابة بعض الأوراق البحثية والمقالات.
كان لإجادة شايغان لست لغات، بفضل مولده في إيران، ودراسته في إنجلترا وسويسرا وفرنسا، الفضل في الإطلاع على الأعمال الأدبية التي كان يحتاجها لتكون مصدر إلهام، وكذلك مصادر بحثية في الإسلام والصوفية والهندوسية والمسيحية، إلى جانب مجموعة من أديان الأقليات التي لا تحظى بشهرة وانتشار.
قام شايغان من خلال عمله أستاذاً للفلسفة المقارنة، يحظى بشهرة في جامعة طهران خلال الفترة بين 1968 و1979، بتدريب جيل جديد من الباحثين واصلوا ما بدأه في تلك المجالات. مع ذلك كان تركيز شايغان خلال تلك الفترة من العمل أستاذاً جامعياً منصّباً على «الإسلام الإيراني»، وهو مصطلح صكّه واستحدثه هنري كوربين، الباحث الفرنسي في الدراسات الإيرانية، الذي كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة بشايغان. وقام شايغان بترجمة جزء من أعمال كوربين إلى الفارسية، وتأليف كتاب يجمع بين السيرة والنقد عن ذلك الأستاذ الفرنسي. جمع الحب العميق لإيران بين كوربين وشايغان، وساهم ذلك في تذكر وإعادة تقديم بعض من أعمال كبار الفلاسفة الإسلاميين الذين كاد التاريخ أن ينساهم.
اتسمت رؤية كوربين في رأيي بالمبالغة في الدور الذي لعبته إيران في تحويل الإسلام من مجرد قواعد دينية بسيطة إلى ثقافة معقدة وحضارة متعددة الأوجه، حيث لم يدرك الباحث الفرنسي أن إيران والإسلام كانا كيانين منفصلين التقيا عند بعض النقاط، لكنهما اختلفا وتباعدا عند نقاط أخرى. مع ذلك يظل أسوأ ما في الأمر هو تركيز كوربين الشديد على النسخة الصوفية من «الإسلام الإيراني» من أجل توفير مساحة كافية للأشكال الأخرى الكثيرة التي عبّر بها الإيرانيون عن هويتهم الإسلامية. في النهاية محاولة فهم الفن أو الثقافة من منظور ديني قد يضرّ بالاثنين معًا. هل ينبغي على المرء التعمق في دراسة العقيدة المسيحية حتى يتمكن من الاستمتاع بعمل باخ «شغف القديس متى»؟ هل ينبغي على المرء حضور دورة تعليمية في اللاهوت من أجل الاعتراف به كواحد من كبار وفحول الشعراء الفرس مثل ناصر خوسرو، أو مولوي، أو حافظ، أو نظامي؟ أو سعيدي الذي قال: «كل شيء جيد في مكانه».
التفتت الإمبراطورة فرح، التي تلقت تعليماً فرنسياً، إلى شايغان في منتصف حقبة السبعينات، ودعته إلى الانضمام إلى «المركز الفلسفي الملكي» الذي كان حديث النشأة آنذاك، والذي كان يتولى تنسيق أعماله وأنشطته سيد حسين ناصر، السكرتير الخاص للإمبراطورة، والأكاديمي والباحث البارز في المذهب الشيعي. كذلك كان من بين الشعراء الآخرين، الذين انضموا إلى المركز، بعض الملالي، الذين أصبح بعضهم لاحقاً من الشخصيات القيادية في ثورة الخميني، ومن بينهم حجة الإسلام مرتضى مطهري، بالإضافة إلى استقطاب «فلاسفة» غير إيرانيين أيضاً إلى ذلك المشروع، ومن بينهم المنظّر الشيوعي الفرنسي هنري لوفيفر، وروجيه غارودي، الذي كان أيضاً شيوعياً لكنه اعتنق الإسلام فيما بعد. وكان من بين الفلاسفة الإيرانيين الآخرين، الذين انضموا إلى المشروع، أحمد فرديد، الذين كان مؤمناً بفكر هايدجر، ووصل إلى مكانة بارزة في نظام الخميني.
عندما أغلق الخميني الجامعات الإيرانية لعامين من أجل «تطهيرها وأسلمتها»، وجد شايغان نفسه بين آلاف من الأساتذة والمحاضرين الذين تم استبعادهم «لأنهم ليسوا مسلمين بدرجة كافية». ورأت لجنة الثورة الثقافية التابعة للخميني، التي كان يرأسها جلال الدين فارسي، ومن أعضائها عبد الكريم سروش، الفيلسوف الإسلامي الذي تلقى تعليماً بريطانياً، ضرورة خضوع من تم استبعادهم من الجامعات إلى خطة إسلامية لإعادة تأهيلهم وتعليمهم حتى يعودوا إلى التدريس بالجامعة مرة أخرى. في حين اختار الكثيرون المنفى مفضلين إياه على تلك الخطة، قرر البعض الآخر البقاء في إيران، ولكن مع تجنب لفت الأنظار، وكان شايغان منهم. تكمن المفارقة في دعم شايغان لـ«الثورة الإسلامية» لفترة قصيرة، بل وقوله إن «آية الله الخميني، الملا الذي أصبح زعيم الحركة المناهضة للشاه، ربما يكون (غاندي الإسلام)». تسببت رؤية الفيلسوف لثورة الخميني في ابتعاد الكثير من أصدقائه عنه، وقد كنت من بينهم.
مع ذلك كان شايغان أبعد ما يكون عن تلك الدناءة والخسّة، خصوصاً حيث أقرّ لاحقاً بأن افتتانه بـ«غاندي الإسلام» لم يستمر لأكثر من شهر؛ ففي نهاية ذلك الشهر اجتمعنا مصادفة، وتظاهرت بتجاهله، لكنه سارع بالاتجاه نحوي، وربت على كتفي قائلاً: «لقد كنت مخطئاً، فلنتجاوز ذلك الأمر». من يستطيع مقاومة تلك القوة العظيمة في إخضاع الأنا والسيطرة عليها؟
بعد مرور سنوات عديدة، فسّر شايغان «ذلك الشهر» في سياقه من خلال الإشارة إلى انجذاب الكثير من المفكرين الإيرانيين البارزين إلى فكرة الثورة، موضحاً أن ذلك الافتتان والانجذاب قد أضرّ كثيراً بإيران. وكتب في اعتراف لا يزال له صدى وتأثير لدى الكثير من الإيرانيين: «كل جيلنا (من المفكرين) قد أساء التصرف والتعامل مع الأمر».
ولا يزال كتاب شايغان السياسي، الذي يحمل اسم «ما هي الثورة الدينية؟»، من روائع الأعمال الاجتماعية السياسية التي رصدت حالة الارتباك التي هيمنت على الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة في خضم محاولتها لتجاوز تحديات العالم الصناعي العصري، وما بعد الصناعي، الذي لم تساهم في بنائه أو تكوينه؛ وقد حقق شايغان لاحقاً في هذا الموضوع في كل من «نظرة مشوهة» (1996)، و«فصام ثقافي: المجتمعات الإسلامية في مواجهة الغرب» (1997) اللذين أثارا الكثير من النقاشات والجدل في العالم الإسلامي.
في نهاية التسعينات، وبعد إدراك شايغان لفشل الثورة الإسلامية في إيران، انضم إلى حركة «مؤيدي الثقافة الغربية» الإيرانية التي تمتد لمائتي عام، التي كانت ترى أن إيران لن تتقدم إلا إذا تبنت قيم عصر النهضة وما نتج عنها من ديمقراطية. أثمر ذلك كتابه «النور يأتي من الغرب» الذي نشر عام 2003 ثم مرة أخرى عام 2015.
ومع اندلاع الانتفاضات، التي تم إطلاق اسم «الربيع العربي» عليها بعد ذلك، في ديسمبر (كانون الأول) 2010، تجدد الأمل في نفس شايغان بأن تنجح المجتمعات الإسلامية في الخروج من هذا المأزق دون الانسلاخ من الثقافة التي يهيمن عليها الدين. ولهذا السبب أطلق على الثورات اسم «النهضة الإسلامية». مع ذلك سرعان ما أدرك شايغان أن الانغماس في السياسة كان دوماً مخاطرة بالنسبة لفيلسوف. ومع حلول عام 2012 كان «الربيع العربي» قد بدأ يتحول إلى خريف عواقبه غير متوقعة، ثم إلى شتاء قارص، واعترف شايغان لأصدقائه، وكنت من بينهم، بأنه قد تسرع في دعم تلك الانتفاضات.
ما الذي كان يستطيع فعله بعد ذلك؟ لحسن طالع شايغان كان دائماً قادراً على العودة إلى الوطن، بمعنى العثور على الملاذ في «الحسّ القومي الإيراني»، الذي ظل لقرون ملاذ المفكرين المخذولين. بهذه الروح استغل شايغان مكانته وقوته الروحية والمعنوية لتدشين سلسلة جديدة من الكتب، كانت أكثرها مترجمة عن لغات غربية عديدة، عن التاريخ الإيراني والثقافة الإيرانية قبل دخول الإسلام. كانت تلك السلسلة هي أول سلسلة أرى أنه تم انتقاؤها وتدقيقها بعناية، وطبعها بجودة عالية.
وكما يحدث كثيراً في التاريخ الإيراني، تحثّ «خيبة الأمل في الدين على العودة إلى القومية». مع ذلك لا تقل المبالغة في الشعور بالقومية في ضررها عن خلط الدين بالسياسة. نحن لا نعلم ما الذي قد تأول إليه تلك العودة إلى القومية، لكن كان يحدو شايغان أمل كبير في هذا الأمر؛ مع ذلك نأمل نحن ألا يتبين أنه قد أخطأ سياسياً مرة أخرى.
لا ينطبق السؤال الخاص بما فعلناه بحياتنا على شايغان، لأن قدره هو أن يصبح خالداً كفيلسوف كبير، وأيضاً كإنسان عظيم.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً