أحكام بسجن «صحافيي الجزيرة» في مصر تثير انتقادات غربية

الخارجية المصرية توجه السفراء لشرح ملابسات الحكم على مصريين وأجانب بالسجن من سبع إلى عشر سنوات

الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
TT

أحكام بسجن «صحافيي الجزيرة» في مصر تثير انتقادات غربية

الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)

قضت محكمة مصرية، أمس، بسجن 18 من المتهمين في القضية المعروفة باسم «تحريض قناة (الجزيرة) الإنجليزية على مصر»، بينهم أربعة صحافيين أجانب، وصحافيون مصريون، لمدد تتراوح بين سبع إلى عشر سنوات، ما من شأنه أن يرفع حدة التوتر بين القاهرة وعواصم غربية. وأعلنت لندن وأمستردام، عن استدعاء سفيري مصر لديهما لبحث الأحكام التي تزيد من مخاوف منظمات حقوقية دولية ومحلية بشأن حرية التعبير في البلاد، فيما أعلن وزير الخارجية جون كيري عن استيائه مما وصفه بالحكم «القاسي والوحشي». وقالت الخارجية المصرية إنها وجهت السفارات بالخارج بالمبادرة بطلب إجراء مقابلات عاجلة مع المسؤولين في دول الاعتماد لطرح بيان مكتب النائب العام حول ملابسات القضية، بينما أفادت مصادر مصرية أن القاهرة لا تقبل التدخل في أحكام القضاء، لا من الداخل ولا من الخارج، مشددة على أن «القضاء مستقل».
وقالت مصادر قضائية إن محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة (جنوب القاهرة)، قضت أمس (الاثنين) بسجن 11 متهما غيابيا، بينهم ثلاثة مراسلين أجانب؛ هما الصحافيان البريطانيان، دومينيك كين، وسو تورتون، والصحافية الهولندية رينا نيتيس، لمدة عشر سنوات، فيما قضت بسجن سبعة متهمين آخرين، بينهم المراسل الأسترالي المحبوس بيتر غريست، حضوريا، وزميله محمد علي فهمي (يحمل الجنسية الكندية إلى جانب جنسيته المصرية)، والمعد الصحافي المصري باهر محمد، لمدة سبع سنوات، وبرأت متهمين اثنين. ويمكن لمحامي المدانين التقدم لنقض الحكم أمام محكمة أعلى.
وفي رد فعل على الحكم، قال وزيرا خارجية إنجلترا وهولندا إنهما قاما باستدعاء سفيري مصر لديهما للتباحث بشأن الأحكام الصادرة بحق صحافيي «الجزيرة»، وهو ما أكدته لـ«الشرق الأوسط» مصادر دبلوماسية مصرية رسمية، بينما أعربت الخارجية الأسترالية عن صدمتها من الحكم على مواطنها غريست، الذي عاقبته المحكمة حضوريا بالسجن المشدد سبع سنوات. وقال رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت في مؤتمر صحافي، قبل بضع ساعات من صدور الحكم، إنه تحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام بشأن قضية الصحافي الأسترالي (غريست) والذي أدين مع الصحافية الهولندية وزميل آخر بدعم جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف أبوت: «الرئيس السيسي عازم على بذل ما في وسعه لتحقيق السلام والأمن في مصر وأنا أحييه على ذلك، لكنني أثرت مسألة أن الصحافي الأسترالي بيتر غريست لم يكن يدعم جماعة الإخوان المسلمين. كان فقط ينشر أخبارها. النقطة التي أكدت عليها هي أنه على المدى البعيد، فإن الإعلام الحر النشط يدعم الديمقراطية والأمن والاستقرار».
وعقب النطق بالحكم، أعربت وزيرة الخارجية الأسترالية جوليا بيشوب عن «استيائها» من الحكم بالسجن الصادر بحق غريست وزميليه. وقالت بيشوب إن «الحكومة الأسترالية مصدومة من هذا الحكم.. نحن مفاجئون بصدور عقوبة؛ ومستاؤون من قسوتها». وفي وقت قالت فيه وزارة الخارجية الأسترالية إن «الأحكام الخاصة بسجن الصحافيين تقوض دعاوى الحكومة المصرية بالانتقال نحو الديمقراطية»، قال وزير الخارجية الهولندي، فرانس تيمرمانس، في بيان له أمس، إنه استدعى السفير المصري لدى بلاده، لبحث الحكم الصادر بحق صحافيي «الجزيرة»، مشيرا إلى أنه «سيبحث القضية في لوكسمبورغ مع نظرائه الأوروبيين، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي»، قبل ساعات من اللقاء الذي عقد أمس، مشيرا إلى أن الصحافية الهولندية رينا نيتيس لم تحصل على «محاكمة عادلة».
من جانبه، أدان ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني أمس الحكم الصادر بالسجن ضد صحافيي «الجزيرة»، ودعا مصر إلى مراجعة تلك الأحكام التي وصفها بـ«غير المقبولة»، مضيفا في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، أنه «على مصر مراجعة الأحكام غير المقبولة ضد صحافيين مصريين ودوليين.. وإظهار الالتزام تجاه حرية الصحافة».
وقال هيغ في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»: «قد أثرنا مرارا وتكرارا موضوع هذه القضية والقيود المفروضة على حرية التعبير في مصر مع الرئيس السيسي ووزير الخارجية المصري والسلطات في مصر. وسوف يواصل الوزراء والدبلوماسيون البريطانيون حث الحكومة المصرية على إبداء التزامها بحرية التعبير، وذلك بإجراء مراجعة عاجلة لهذه القضية. كما أوعزت لمسؤولين بوزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير المصري للوزارة اليوم».
ووصفت منظمة العفو الدولية يوم صدور الحكم أمس بأنه «يوم أسود على حرية الإعلام». وقالت المنظمة، في بيان لها نشر على موقعها، أمس، إن إدانة صحافيي قناة «الجزيرة» هو هجوم عنيف على حرية الصحافة. وقال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إن الحكم «مدمر للصحافيين ولأسرهم»، وإن احتجاز صحافيين وتوصيفهم بالإرهابيين لمجرد قيامهم بوظيفتهم هو «يوم أسود لحرية الإعلام في مصر». وأضاف لوثر أن «السبب الوحيد لحبس هؤلاء الصحافيين هو أن السلطات المصرية لا تحب ما يقومون به»، قائلا: «هؤلاء سجناء رأي ويجب الإفراج عنهم فورا ودون شروط.. أي شخص يجرؤ على تحدي النظام في مصر الآن يعد هدفا مشروعا».
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد أكد خلال زيارته القاهرة قبل يومين للرئيس السيسي «الدور المهم لمجتمع مدني حيوي وصحافة حرة وسيادة القانون والإجراءات القضائية الواجبة في دولة ديمقراطية». وقال كيري أمس، خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد، إنه أجرى اتصالا بوزير الخارجية المصري لتسجيل «استيائنا الجدي من قرار المحكمة القاسي والوحشي ضد الصحافيين»، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
من جهتها، وإثر ردود الفعل الدولية المتوالية، قالت الخارجية المصرية في بيان أمس إن الوزير سامح شكري «وجه السفارات المصرية بالخارج بالمبادرة بطلب إجراء مقابلات عاجلة مع المسؤولين بوزارات الخارجية في دول الاعتماد لطرح بيان مكتب النائب العام حول ملابسات القضية وردود الفعل الخارجية عليها. وتأتي هذه التوجيهات بصفة استباقية بهدف نقل حقائق الأمور بعيدا عن الصور والمعلومات المغلوطة حول هذه القضية.
وذكر البيان أنه وفقا لتوجيهات الوزير شكري، فقد جرى إمداد السفراء بالخارج بالبيان الصادر عن مكتب النائب العام وترجمة غير رسمية باللغة الإنجليزية وما يتضمنه من شرح لملابسات القضية وأوامر الإحالة والتهم الموجهة إلى المتهمين سواء المصريين أو الأجانب، فضلا عن نقاط حديث إضافية للاسترشاد بها خلال المقابلات لشرح كافة الأمور المتعلقة باستقلالية السلطة القضائية، وما كفله الدستور المصري الجديد من حقوق وضمانات تضمن حرية واستقلالية الإعلام، فضلا عن إجراءات التقاضي.
وتتضمن هذه النقاط التأكيد على أن أحد المبادئ الأساسية لأي نظام ديمقراطي هو مبدأ الفصل بين السلطات، وأنه لا يجوز التعقيب على أحكام القضاء وأن المتهمين جرى إلقاء القبض عليهم بناء على أوامر صادرة من سلطة التحقيق القضائية المختصة، وهي النيابة العامة، وأن إجراءات التقاضي مكفولة لجميع المتهمين وتظل لديهم الفرصة للطعن على الحكم أمام المحكمة المختصة بنظر الطعن، مع التنويه بأن جميع المتهمين جرت محاكمتهم أمام محكمة عادية وأمام قاض طبيعي.
وفيما يتعلق باستدعاء بعض السفراء المصريين في الخارج للتعليق على هذا الحكم، أوضح البيان أن هذا يعد إجراء دبلوماسيا ويوفر مناسبة لشرح حقيقة الأوضاع وإطلاع المسؤولين في الخارج بصورة دقيقة، وطرح بيان مكتب النائب العام حول هذه القضية بعيدا عن أي مغالطات أو استنتاجات خاطئة تنال من استقلالية القضاء المصري، فضلا عن التأكيد لمسؤولي هذه الدول الرفض الكامل لأي تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد أو المساس باستقلالية القضاء المصري.
وشهدت جلسة المحاكمة أمس، حضور سفراء ومبعوثين ومندوبين من سفارات أستراليا وإنجلترا وهولندا، للتضامن مع المتهمين الذين يحملون جنسيات هذه البلاد، كما شهدت الجلسة، حضور مندوبين عن السفارة الكندية، وشقيقي الصحافي الأسترالي غريست، وعبد الله الشامي مراسل قناة «الجزيرة» العربية، الذي جاء للتضامن مع زملائه، بعدما أخلي سبيله الأسبوع الماضي، صحيا، بعد أكثر من عشرة أشهر من الحبس الاحتياطي، على ذمة اتهامه وآخرين بمقاومة السلطات خلال فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس (آب) الماضي.
وأدانت المحكمة حضوريا كلا من محمد فهمي (صحافي حر)، وباهر محمد (صحافي حر) وصهيب سعد (طالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة مدينة الثقافة والعلوم)، وخالد محمد (طالب بكلية الإعلام جامعة القاهرة)، وشادي عبد الحميد (طالب بكلية الحاسبات والمعلومات جامعة عين شمس)، وعبد الرحمن محمود، وبيتر غريست (أسترالي الجنسية - موظف بقناة «الجزيرة») وعاقبتهم بالسجن لمدة سبع سنوات، كما عوقب باهر بالسجن ثلاث سنوات أخرى لحيازته فوارغ طلقات لأسلحة نارية. وبرأت المحكمة أنس البلتاجي (طالب بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس) وأحمد عبد الحميد (طالب بأكاديمية القاهرة الجديدة). وأدين المتهمون الهاربون في القضية وصدر ضدهم حكم بالسجن 10 سنوات غيابيا.
ويعطي القانون المصري للمدانين غيابيا، الحق في إعادة محاكمتهم، فور القبض عليهم. ويعد الحكم الصادر أمس بحق 18 مدانا، حكم أول درجة، ما يعني أنه قابل للطعن. وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إن الصحافيين الثلاثة احتضنوا بعضهم داخل القفص قبل وصول القاضي إلى القاعة، وبدا عليهم التوتر الشديد قبل النطق بالحكم، بينما صرخ أحدهم عقب صدور الحكم من داخل قفص الاتهام: «سيدفعون الثمن».
وكانت النيابة العامة، أصدرت إذنا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لضبط شبكة إعلامية ضمت 20 شخصا (8 محبوسين - 12 هاربا)، بينهم 4 أجانب هم أسترالي وبريطانيان وهولندية من مراسلي قناة «الجزيرة» القطرية، لاتهامهم بارتكاب «جرائم التحريض على مصر» من خلال «اصطناع مشاهد وأخبار كاذبة وبثها عبر القناة القطرية»، بحسب بيان صادر حينها عن مكتب النائب العام هشام بركات.
وأسندت النيابة إلى المتهمين المصريين (16 من بين الـ20 متهما) ارتكاب جرائم الانضمام إلى جماعة إرهابية، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين. كما أسندت إلى المتهمين الأجانب «الاشتراك مع المتهمين المصريين بطريق الاتفاق والمساعدة في إمداد أعضاء تلك الجماعة بالأموال، والأجهزة، والمعدات، والمعلومات، مع علمهم بأغراض تلك الجماعة الإرهابية، وإذاعة بيانات وأخبار وشائعات كاذبة».
وذكرت تحقيقات النيابة أن «المتهمين اتخذوا أحد الفنادق الفاخرة بوسط مدينة القاهرة، مركزا إعلاميا، استخدموه في تجميع المواد الإعلامية والتلاعب فيها، لإنتاج مشاهد غير حقيقية للإيحاء بأن ما يحدث بالبلاد حرب أهلية، تنذر بسقوط الدولة». وأغلقت مكاتب قناة «الجزيرة» القطرية في القاهرة في يوليو (تموز) الماضي، بعد أن داهمتها قوات الأمن بعد ساعات من عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان، الذي حظي بدعم الدوحة، ما تسبب في توتر العلاقات بين البلدين.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.