مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

ربع الجيش يفتقر إلى فاعلية قتالية حقيقية.. والفساد ينخر في قيادته

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»
TT

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

في الوقت الذي تحاول فيه القوات العراقية الاحتشاد على أطراف بغداد عقب أسبوعين من الانسحاب، بات من الواضح وبصورة متزايدة للمسؤولين الغربيين استمرار نزف الخسائر التي يتكبدها الجيش العراقي في قتاله ضد المسلحين واستمرار عجزه عن السيطرة على الأرض بل وتنازله عن أجزاء منها.
وتشير التقديرات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الغربيين والخبراء العسكريين إلى أن ما يقرب من ربع القوات العسكرية العراقية «تفتقر لفعالية قتالية حقيقية»، وقواتها الجوية ضئيلة للغاية، ومعنويات الجنود تتدنى باستمرار مع وجود فساد واسع النطاق في القيادة.
وبينما تدرس الدول الغربية ما إذا كانت ستقدم دعما عسكريا إلى العراق من عدمه، فإن قرارهم سيتوقف على نوعية القوات العراقية الحالية، التي تأكد وجود خلخلة وتمزق بين صفوفها أكثر مما كان متوقعا مع حساب سنوات التدريب الأميركي المقدم إليها.
ويعزز مقاتلو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» في الوقت الحالي من مكاسبهم، ويوسعون من نطاق سيطرتهم على البلدات المحاذية لنهر الفرات، ويعملون على تأمين الطرق فيما بين قواعدهم والجبهات الأمامية في العراق، كما يمارسون الضغوط على الجماعات السنية الأخرى للقتال ضمن صفوفهم.
في الوقت ذاته، لا تحرز الجهود المبذولة لإقناع الحكومة كي تكون أكثر شمولا فيما يتعلق بالسنة أي تقدم يذكر ولا حتى في مواجهة نهج التخويف والإكراه الذي يتبعه المتشددون. فقد يممت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي شطر استقدام عشرات الآلاف من الميليشيات والمتطوعين الشيعة الذين يعدهم السنة مصدرا مباشرا للتهديد، ولم تسع الحكومة حتى الآن سعيا جديا باتجاه العرب السنة أو الأكراد.
على ضوء ما سبق، فإن الصورة الحالية هي لعراق لا تعني خطوط الحدود المرسومة على خارطته الكثير. فقد صار الشمال والغرب ملاذا للمتطرفين الذين نجحوا إلى حد كبير في إزالة الحدود بين مناطق نفوذهم في سوريا والعراق.
وصرح قائد عسكري عراقي في ديالى، حيث يدور القتال: «إننا حاليا في موقف حماية ما تبقى لنا من أراض، ومعنويات جنودنا عند أدنى مستوياتها».
ولا يرى معظم المسؤولين الأميركيين اقتراب بغداد من شفير السقوط على الرغم من سرعة تقدم المسلحين. غير أن العديد من أسوأ السيناريوهات المتوقعة قد برز على أرض الواقع، بما في ذلك سقوط الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، والسيطرة على العديد من المعابر الحدودية مع سوريا المجاورة.
وقال مسؤول غربي، مشترطا عدم الكشف عن هويته لمناقشة القضايا الاستخباراتية: «يبقى الزخم حاليا لدى (داعش).. إنهم يتوسعون في كل يوم».
أمام هذا الوضع، أعلن بعض الخبراء الجيش العراقي «قوة مندحرة»، مما يشكل نقيضا مريعا لآمال وتقييمات المدربين الأميركيين عندما انسحبت الولايات المتحدة من العراق في عام 2011.
وكتب مايكل نايتس، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أخيرا قائلا: «60 كتيبة قتالية عراقية من أصل 243 كتيبة لم تعد ذات أهمية، وقد فقدوا كل معداتهم القتالية».
وصرح مسؤولون أميركيون أن تقديراتهم كانت تدور حول أن خمسة من أصل 14 فرقة قتالية عراقية صارت بلا فعالية قتالية حقيقية، بما في ذلك الفرقتان اللتان جرى اكتساحهما في الموصل أخيرا. وعندما بدأ هجوم «داعش» كان عناصر بقية الوحدات المبعثرة في إجازة وأرسل هؤلاء إلى قاعدة التاجي العسكرية في شمال بغداد لتتشكل منهم وحدات جديدة. غير أن المسؤولين والخبراء يعتقدون أن هذه العملية ستأخذ كثيرا من الوقت. ويقول نايتس: «ستكون مهمة شاقة لضم تلك الوحدات معا مرة أخرى وإعادة تسليحهم».
ويعمل العديد من المستشارين العسكريين الأميركيين المتجهين إلى بغداد حاليا على إجراء تقديرات مفصلة لاحتياجات الجيش العراقي، على حد تصريح المسؤولين الأميركيين. لكن قدرا من اليأس العسكري الذي أصاب الجيش العراقي ينبع من أن معظم المساعدات العسكرية الحالية التي يتلقاها الجيش تأتي من مئات الآلاف من المتطوعين وعدد أقل من أعضاء الميليشيات عالية التدريب. وبالنسبة للعديد من الوحدات - وهناك عدد معقول منهم - التي تقاتل بشراسة في ظل ظروف عصيبة، فإن ضم بعض المتطوعين من ذوي الخبرة القتالية القليلة أو عديمي الخبرة القتالية مشكوك في جدواه. فعلى سبيل المثال، تعرض المئات من المتطوعين للقتل أو الإصابة في كمائن منصوبة على طريقهم إلى ساحة القتال. لكن هذا لا ينطبق على الميليشيات المدربة، التي تمتلك عددا أقل من المقاتلين لكنهم من ذوي الخبرة والتدريب الراقي، ومعظمهم من الإيرانيين، ويرفعون من معنويات الجيش النظامي، على حد زعم القادة.
ويبدو أن تعزيز القدرة الجوية العراقية بات من الأمور الضرورية. حيث صرح المسؤولون في وقت مبكر من هذا العام بأن العراق يمتلك ثلاث طائرات عسكرية فقط من طراز «سيسنا» قادرة على إطلاق صواريخ «هيل فاير» الأميركية، غير أن الجيش استطاع الحصول على طائرتين أخريين لكن ذخيرته اقتربت من النفاد. ويشير المسؤولون إلى نقطة مضيئة في خضم الأحداث، وهي قوة النخبة العراقية لمكافحة الإرهاب التي أشرفت الولايات المتحدة الأميركية على تدريبها بهدوء في مطار بغداد.
ويقول مسؤولون أميركيون إنه منذ انسحاب القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011 شهدت القوات العراقية تراجعا في المهارات العسكرية؛ إذ لا ينفذ الجيش العراقي المناورات في ميدان المعركة، وتحول إلى جيش من «نقاط التفتيش»، وهي القوات البارعة في التحقق من الهويات وليس في نقل القتال إلى ميادين الأعداء، على حسب تصريحات المسؤولين الغربيين.
ومن وجهة نظر ضباط الجيش العراقي، فإنهم في حالة ميئوس منها؛ من حيث سوء التجهيزات العسكرية في مواجهة عدو يقولون إنهم لم يكونوا مدربين على قتاله. وقال أحد القادة في محافظة صلاح الدين: «ليست لدينا معلومات استخباراتية، وليس لدينا غطاء جوي جيد، في حين أننا نقاتل جماعات مدربة جيدا وتتمتع بخبرات جيدة في قتال الشوارع، وتتحرك بين المدن والقوى بسرعة فائقة». وأضاف قائلا: «المتطوعون لدينا أعدادهم كبيرة، لكنهم جميعا غير مدربين، بينما أعداد (داعش) صغيرة، لكنهم مدربون بشكل جيد. يجب علينا جلب مقاتلين حقيقيين. إن مقاتلي (داعش) لديهم الإرادة للموت، لذا فهم لا يخشون شيئا».
ويقول المسؤولون الغربيون إن قوات «داعش» تعد عدوا أشد بأسا من الذي واجهته القوات العسكرية الأميركية عندما كانت تقاتل تنظيم القاعدة فيما بين 2004 و2009. وتختلف التقديرات بشأن المقدرة العسكرية للمتشددين، لكن هناك إجماعا على أنهم، رغم ضآلة أعدادهم، جيدو التجهيز والتدريب والتمويل.
وبعديده البالغ نحو 10.000 مقاتل، استطاع تنظيم «داعش» السيطرة على مخازن من العتاد العسكري والتخطيط لتنفيذ مهام هجومية صغيرة، من شأنها، حين الانتظام مع حملة دعائية جيدة، أن تخرج بنتائج ذات فعالية عالية. وعندما اجتاح المسلحون الموصل استولوا على ثاني أكبر مستودع للذخيرة في العراق. كما استولى المتشددون كذلك على 52 قطعة مدفعية، بما فيها مدافع الـ«هاوتزر»، التي خلفتها القوات العراقية وراءها أثناء فرارها جنوبا. ومن غير الواضح ما إذا كان تنظيم «داعش» لديه المعرفة باستخدام تلك المعدات، لكن إذا توفرت لديه الخبرة، فمن شأن ذلك أن يضيف إليهم قوة نيرانية كبيرة.
ويبدو أن المقاتلين يتمتعون حتى الآن بحصانة ضد الخسائر، ويجددون صفوفهم سريعا بمقاتلين من سوريا، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، والشيشان، وأوروبا، الذين تجذبهم النجاحات المحققة في جبهة العراق. وقد وجدوا مجندين كذلك عن طريق إطلاق سراح السجناء في وقائع سافرة لاقتحام السجون، مثل التي وقعت في يوليو (تموز) الماضي، التي ساعدوا فيها 800 سجين على الهرب من سجن أبو غريب. وخلال الهجوم الأخير على الموصل، أطلق تنظيم «داعش» سراح 2500 سجين من سجن بادوش، وبعضهم التحق بالقتال إلى جانب «داعش» بكل تأكيد، على الرغم من استحالة التحقق من عدد من قاموا بذلك على وجه التحديد.
وتضاف إلى بواعث القلق حول أصول «داعش» المخاوف من الطائفية المتزايدة؛ فعندما فجر مرقد سامراء، المقدس لدى الشيعة، في فبراير (شباط) 2006، انفجر العنف الطائفي. واليوم يحظى المرقد بحماية قوية من جانب الميليشيات الشيعية، لكن المتمردين أطلقوا قذائف «هاون» عليه.
ويقول القائد العسكري في ديالى: «حاليا نحاول فقط حماية تلك المناطق الشيعية، ثم سنحاول معرفة كيفية التعامل معهم في المناطق التي سيطروا عليها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.