تصعيد في الحرب الكلامية بين ترمب وكومي

محامي الرئيس مثل أمام المحكمة بعد مصادرة وثائق من مكتبه

كومي خلال مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» أذيعت أول من أمس (أ.ب)
كومي خلال مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» أذيعت أول من أمس (أ.ب)
TT

تصعيد في الحرب الكلامية بين ترمب وكومي

كومي خلال مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» أذيعت أول من أمس (أ.ب)
كومي خلال مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» أذيعت أول من أمس (أ.ب)

دخلت الحرب الكلامية بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» جيمس كومي مرحلة تصعيد جديدة أمس، بعد أن اتهم سيد البيت الأبيض الأخير بارتكاب جرائم كثيرة، ردا على حوار أجراه كومي مع شبكة «إيه بي سي» مساء الأحد.
وقال الرئيس الأميركي على «تويتر» إن كومي مذنب بارتكاب «كثير من الجرائم»، فيما افتتح مدير «إف بي آي» السابق جولة للترويج لكتابه بمقابلة وصف فيها ترمب بأنه «غير مؤهل أخلاقياً» للرئاسة. واتهم ترمب كومي بالكذب على الكونغرس وتبرئة هيلاري كلينتون، في تحقيق عام 2016، بسبب تصدرها استطلاعات الرأي قبل انتخابات الرئاسة.
وقال في تغريدة صباحية على «تويتر»، إن «كومي كان وراء تبرئة هيلاري قبل أن يتحدث إليها بفترة (كذب في الكونغرس)». وأضاف: «وبعد ذلك بنى قراراته على أرقام الاستطلاعات. ولغضبه، ارتكب هو و(نائب المدير السابق لـ«إف بي آي» أندرو) ماكيب وغيرهم كثيراً من الجرائم».
وفي وقت متأخر أول من أمس، أطلق كومي جولة ترويجية لمذكراته بعنوان «الولاء الأكبر: الحقيقة والأكاذيب والزعامة»، بمقابلة مع «إيه بي سي نيوز»، ووصف في المقابلة ترمب بأنه يكذب باستمرار، و«سيلوث كل من حوله». وينتقد الكتاب، الذي تسرب الأسبوع الماضي قبل إطلاقه رسميا اليوم، ترمب الذي أقال صاحبه في مايو (أيار) 2017، على خلفية التحقيق في اتهامات بتدخل روسي في الانتخابات الرئاسية، ما يشكل تهديدا لرئاسة ترمب.
ومن المقرر أن يجري كومي مقابلات حول كتابه مع عدد من أهم شبكات التلفزيون هذا الأسبوع، كما سيزور عدة مدن للترويج لكتابه شخصيا.
وأشار المدعي الفيدرالي السابق إلى الأسلوب الذي «يتحدث ويتعامل به (ترمب) مع النساء»، فيما «يكذب مرارا بشأن أمور كبيرة وصغيرة، ويصر على أن الشعب الأميركي يصدقه» على حد قوله. وقال كومي إن «القيم ضرورية» مشيرا إلى أن «هذا الرئيس لا يمثل قيم هذا البلد».
وأشار كذلك إلى أن العمل ضمن إدارة ترمب يشكل معضلة أخلاقية حقيقية، قائلا: «التحدي الذي يشكله هذا الرئيس هو أنه سيلوث كل من حوله». وقال لشبكة «إيه بي سي» التي نشرت النص الكامل للمقابلة: «السؤال هو (...) كم من التلوث سيجعلك في النهاية غير قادر على تحقيق هدفك في حماية البلاد وخدمتها؟».
وسعى البيت الأبيض والجمهوريون إلى الحد من تأثير كتاب كومي، باتهامه بتسريب مواد سرية والفساد في التحقيق مع كلينتون في 2016. وأنشأ الجمهوريون، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، موقعا إلكترونيا لمهاجمة الكتاب ووصف صاحبه بـ«كومي الكاذب».
ووصف ترمب كومي بأنه «كتلة من الكذب»، وقال إن طرده كان «شرفا عظيما». وقال ترمب في واحدة من سلسلة تغريدات نشرها الأحد قبل المقابلة: «لم أطلب يوما الولاء الشخصي من كومي. بالكاد أعرفه. هذه أيضا إحدى أكاذيبه الكثيرة. مذكراته تخدم مصلحته الشخصية وهي زائفة».
وقال الرئيس إن كومي تعاطى بـ«غباء» مع التحقيق المرتبط بمنافسة ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2016 هيلاري كلينتون، بشأن كيفية استخدامها خادما خاصا لبريدها الإلكتروني عندما كانت وزيرة للخارجية.
وفي تغريدة أخرى، قدم ترمب عرضا موجزا لمذكرات مدير «إف بي آي» السابق. وأشار إلى وجود أسئلة «كبيرة» تستدعي الإجابة فيما يتعلق بمذكرات كومي، وتساءل: «كيف نشر معلومات سرية؟ (سجن)، لماذا كذب على الكونغرس؟ (سجن)، لماذا رفضت اللجنة الوطنية الديمقراطية تزويد مكتب التحقيقات الفيدرالي بخادم إنترنت؟ (لماذا لم يأخذوه)؟».
وبدا ترمب كأنه يشير إلى مجموعة اتهامات غير مسندة وجهها إلى كومي، زاعما بأنه كذب في شهادة أمام مجلس الشيوخ في مايو الماضي، عبر نفيه أنه سرب معلومات لوسائل الإعلام على أنه مصدر لم يكشف عن هويته. وفي مقابلة منفصلة مع شبكة «إيه بي سي»، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، الأحد: «انظروا، من الواضح جدا أن جيمس كومي مسرب (للمعلومات) يعترف بذلك بنفسه. لقد كذب على الكونغرس».
وفي كتابه، شبه كومي الرئيس الأميركي بـ«زعيم عصابة غير صادق»، وقال إنه طالب بولاء مدير «إف بي آي» السابق شخصيا. وقال كومي إن الرئيس قد يكون عرقل القضاء عندما طلب منه التخلي عن التحقيق بشأن مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين. وقال: «من الممكن. أعني أن ذلك يشكل بالتأكيد دليلا ما على عرقلة القضاء»، مؤكدا أن الأمر «سيعتمد على أشياء أخرى تركز على نواياه».
على صعيد آخر، مثل مايكل كوهين محامي الرئيس الأميركي الخاص، أمام محكمة في نيويورك أمس، للتحقيق معه في وثائق حصل عليها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) خلال مداهمة منزله، تتعلق بتورطه بترتيب تسويات مالية لطمس الفضائح المرتبطة بموكله، كما ستحضر الجلسة الممثلة الإباحية ستورمي دانيالز.
ويخضع كوهين لتحقيق جنائي منذ أشهر، وقد داهمت عناصر «إف بي آي» مكتب كوهين وغرفة فندق ومكتب وخزنة، وحصلوا على وثائق وصادروا هاتفين جوالين، الأسبوع الماضي. وطالبت جوانا هيندون، محامية للرئيس، المحكمة بتسليم المستندات التي صادرها مكتب التحقيقات الفيدرالي من مكتب كوهين، حتى يمكن للرئيس الاطلاع عليها وتحديد إذا كانت تضمن حماية أسرار عملاء مايكل كوهين، باعتبار أن الرئيس ترمب هو أكبر عميل لديه، وخصوصية وسرية تعاملاته مع مايكل كوهين أمر في غاية الأهمية.
وكان كوهين قد اعترف علنا بأنه دفع 130 ألف دولار للممثلة الإباحية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 مقابل صمتها. وهي تؤكد أنها أقامت علاقة مع دونالد ترمب عامي 2006 و2007. وأكد ترمب أن لا علم له بهذه الصفقة، كما نفى أن يكون أقام علاقة مع دانيالز.



أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
TT

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو، اليوم (السبت)، باعتبارها دليلاً على رغبة الإقليم في توثيق علاقاته معها.

ويأتي الرئيس الجديد كامبولوف من أوسيتيا الشمالية، وهي جمهورية روسية تقع على الجانب الآخر من جبال القوقاز. وليس لكامبولوف أي صلات سابقة بأوسيتيا الجنوبية، التي انفصلت عن جورجيا خلال انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، وحصلت لاحقاً على استقلال فعلي بدعم روسي. وأدت حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا في عام 2008 إلى طرد القوات الجورجية من أجزاء من الإقليم كانت تسيطر عليها سابقاً.

تعميق التعاون

ورحبت موسكو بفوز كامبولوف. وقالت وزارة الخارجية: «تظهر النتائج الرغبة الواسعة النطاق لدى مجتمع أوسيتيا الجنوبية في الاستقرار السياسي الداخلي، والتقدم، والتطوير الشامل للعلاقات مع الاتحاد الروسي».

ووقّعت أوسيتيا الجنوبية وروسيا معاهدة في مايو (أيار) عمّقت التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والأمنية، ووضعت خططاً لدمج شبكات الطاقة وشبكات النقل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونددت جورجيا بالمعاهدة باعتبارها محاولة من روسيا لترسيخ «ضمها الفعلي» لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهي منطقة جورجية منشقة أخرى مدعومة من روسيا.

وانتقدت تفليس أيضاً قرار روسيا فتح مراكز اقتراع في المنطقتين لانتخابات مجلس النواب (مجلس الدوما) الروسي التي تجري من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.

تهنئة من بوتين

شغل كامبولوف (61 عاماً) في السابق مناصب رفيعة في هيئات حكومية اتحادية روسية، من بينها وزارة التعليم. وعُين رئيساً لوزراء أوسيتيا الجنوبية في يونيو (حزيران) بعد تنحي آلان جاجلويف عن الرئاسة ليصبح مستشاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنّأ بوتين كامبولوف، اليوم (السبت)، في برقية نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين. وتعهد كامبولوف، في خطاب الفوز الذي ألقاه في تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية، بتحسين مستويات المعيشة في الإقليم. وقال: «أمامنا قدر كبير من العمل. وبالتكاتف وحده يمكننا تغيير جمهوريتنا، تسخينفالي مدينتنا!».

وتعتمد أوسيتيا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، بدرجة كبيرة على روسيا في واردات الغذاء والمعدات والطاقة، ولديها قطاع صناعي محدود خاص بها.

وتمول موسكو أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات ومشروعات البنية التحتية الرئيسية، وتدير قاعدة عسكرية في الإقليم.

وقالت وسائل إعلام روسية رسمية إن كامبولوف حصل على 85 في المائة من الأصوات في الانتخابات التي جرت أمس (الجمعة)، في حين نال منافسوه نسباً في خانة الآحاد. وبلغت نسبة الإقبال 73 في المائة.


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.