باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
TT

باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)

لم تبخل باريس في توفير الوسائل والقدرات العسكرية للمشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الضربات الليلية التي استهدفت 3 مواقع سورية ليل الجمعة السبت. وبحسب المعلومات التي توافرت من وزارة الدفاع، فإن باريس أشركت 9 طائرات قتالية، وهي 4 طائرات من طراز «رافال» و5 طائرات من طراز «ميراج - 5»، إضافة إلى طائرتي استطلاع من طراز «أواكس»، وكلها انطلقت من مطارات موجودة على الأراضي الفرنسية، وأهمها مطار سان ديزيه.
وعبأت الأركان 5 فرقاطات متعددة المهام في مياه المتوسط الشرقي، بينها 3 من بين الأحدث الذي تملكه (فرقاطة لحرب الغواصات، وثانية للدفاع الجوي، وثالثة للتموين)، إضافة إلى السفن المصاحبة. لكن الجانب الفرنسي، رغم الحشد العسكري الكبير، اكتفى بإطلاق 12 صاروخاً من أصل أكثر من 100 صاروخ أطلقها الحلفاء الثلاثة في عمليتهم ضد المواقع السوري. غير أن الأهم أن هذه العملية وفرت لقيادة الأركان الفرنسية تجربة آخر ما أخرجته الصناعات العسكرية من الصواريخ البحرية التي يزيد مداها على ألف كلم، وأطلق منها 3، وهي المرة الأولى التي يجرب فيها هذا الصاروخ في وضعية حرب حقيقية. ووجهت باريس صواريخها نحو الموقعين القريبين من مدينة حمص. وبحسب وزارة الدفاع، فإن أحدهما مخصص لإنتاج المواد الكيماوية السامة، والثاني لتخزينها. كل هذا الحشد كان المقصود منه تحقيق هدفين متلازمين: الأول إبراز الدور الفرنسي، والثاني تمكين الرئيس إيمانويل ماكرون من تحقيق الأهداف التي أراد الوصول إليها من خلال هذه المشاركة. ورغم أن ماكرون لم ينجح في تحقيق إجماع داخلي حول مساهمة باريس في الضربات العسكرية، فإنه رغم ذلك حقق كثيراً من أهدافه.
وبحسب مصادر سياسية فرنسية، فإن ماكرون أظهر أولاً أنه «وفى بوعده»، عندما رسم «الخط الأحمر» الكيماوي في مؤتمر صحافي في قصر فرساي، وإلى جانبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولو امتنع عن المشاركة لخسر الكثير من مصداقيته. فضلاً عن ذلك، فإن الضربات العسكرية وجهت رسالة واضحة للنظام السوري، وأعادت المصداقية لـ«الخط الأحمر». يضاف إلى ذلك أن ماكرون نجح في التحول إلى «قائد عسكري»، وهي تجربته الأولى في هذا المجال. فرئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوت المسلحة، وهو الآمر الناهي في العمليات العسكرية، وهو لم «يتهرب» من تحمله المسؤولية.
بيد أن ماكرون، بعيداً عن الجوانب الشخصية، نجح في أن يبقي الرد على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي محصوراً بما يتعلق بهذا السلاح وحده، بعكس ما كانت توحي به تغريدات الرئيس ترمب، الذي كان يريد بداية «تلقين» درس للنظام ولحلفائه من الروس والإيرانيين. فمنذ الثلاثاء، أعلن ماكرون أن الضربات هدفها فقط «الإمكانيات الكيماوية» للنظام، وليس مراكز القيادة والتحكم أو المستويات السياسية. وأكد ماكرون أنه «لا يريد التصعيد»، والمقصود به مع روسيا. ورغم المشاركة الفرنسية، فقد أعلن وزير الخارجية جان إيف لو دريان أمس أن الزيارة المرتقبة لماكرون إلى روسيا أواخر مايو (أيار) المقبل «لم تلغَ حتى الآن».
والواضح أن ماكرون أراد أن يبقي باب التواصل مع بوتين مفتوحاً، الأمر الذي يعكسه الاتصال الهاتفي بين الرئيسين أول من أمس، وتأكيد قصر الإليزيه على الحاجة لتواصل الحوار مع الطرف الروسي. ولا تستبعد المصادر السياسية أن يكون ماكرون قد لعب دوراً رئيسياً في حصر الأهداف العسكرية المستهدفة، وبالتالي منع التصعيد مع روسيا وإقناعها بعدم الرد، وتأكيد عدم استهداف مواقعها وقواعدها على الأراضي السورية، وهو ما أقرت به القيادة العسكرية الروسية.
من هنا، أهمية ما قالته وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، التي أعلنت، في بيان قرأته على الصحافة في قصر الإليزيه وإلى جانبها لو دريان، أن موسكو «اطلعت» على العملية قبل حدوثها، وهو ما نفاه رئيس الأركان الأميركي الجنرال دانفورد. وهذا التضارب يبين على الأرجح شيئاً يشبه «توزيع الأدوار» بين واشنطن وباريس.
وفي أي حال، فإن الجانب الفرنسي سعى أيضاً لطمأنة روسيا من خلال التأكيد على أن الضربات العسكرية لن تكرر. وقال لو دريان، في حديث للقناة الإخبارية «بي إف إم»، رداً على سؤال عما إذا كان ما حصل الليلة الماضية مرحلة أولى يمكن أن تتبعها مراحل: «ليست هناك مرحلة أولى. هناك مرحلة واحدة فقط»، لكنه اغتنم الفرصة لتوجيه رسالة تحذيرية للنظام السوري بقوله: «إذا تم اجتياز الخط الأحمر مرة أخرى، فستكون عندها ضربات جديدة»، بيد أنه استدرك معلناً أن النظام «فد فهم الدرس»، وأن الإنشاءات التي استهدفت تم تدميرها.
وتعتبر باريس أن ما حصل في الساعات الأخيرة يتخطى «الحالة السورية»، لأنه يتناول مصير معاهدة حظر استخدام السلاح الكيماوي، وأن غياب ردة الفعل كان سيترك الباب مشرعاً أمام من يشاء اللجوء إلى هذا السلاح. وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أن فرنسا «لا تقبل الاعتياد على استخدام الكيماوي، لأنه يشكل خطراً مباشراً على الشعب السوري، وعلى أمننا الجماعي». وتريد باريس العودة إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إقامة «آلية دولية تكون مهمتها تحديد المسؤوليات (لدى أي استخدام للكيماوي)، ومنع الإفلات من العقاب، والتزام اليقظة إزاء أية رغبة للنظام السوري للعودة إلى هذا السلاح».
ويوم أمس، سعى كبار المسؤولين (رئيس الجمهورية ووزيري الخارجية والدفاع) إلى تبرير المشاركة الفرنسية، والتأكيد على أنها «شرعية» و«قانونية»، رغم أن استهداف سوريا لم يحصل على ضوء أخضر من مجلس الأمن، وأنه جرى يوم وصول بعثة منظمة حظر استخدام السلاح النووي. ولذا، فإن الخارجية عمدت إلى نشر وثيقة مكثفة تبين فيها أن النظام استخدم حقيقة هذا السلاح يوم السبت الماضي في مدينة دوما. وجزم ماكرون بأن «الوقائع ومسؤولية النظام السوري ليست موضع شك»، قاطعاً الطريق في ذلك على أي جدل داخلي، أو تشكيك بشرعية ما قامت به القوات الفرنسية.
ولا تعتبر باريس أن الضربات العسكرية هدفاً بذاتها، أو أنها ستكشف الأهداف الأخرى التي تسعى إليها، والتي عددها بيان الإليزيه، وكذلك فصلها وزير الخارجية، حيث تريد باريس الانتهاء من مكافحة «داعش»، وتوفير الفرصة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، خصوصاً إطلاق «آلية جماعية» من أجل التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع، وأخيراً العمل من أجل استقرار المنطقة. وقد وعد ماكرون بالعمل على ذلك في الأسابيع المقبلة، في إشارة مبطنة لزيارته للولايات المتحدة الأميركية بعد أقل من 10 أيام، ثم إلى مدينة بطرسبرغ الشهر المقبل للقاء بوتين. ويأمل الرئيس الفرنسي في أن الدفع بقوات بلاده إلى المشاركة سيعطيه «وزناً»، من أجل أن تكون لفرنسا كلمتها عند البحث عن صورة الحل في سوريا.
لكن رغم التعبير عن كل هذه النيات، وطمأنة الطبقة السياسية بأن البرلمان سيناقش قريباً المشاركة العسكرية الفرنسية، فإن ماكرون لم ينجح في توفير إجماع وطني على ما قرره، وجاءت الانتقادات من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وأحياناً من اليمني الكلاسيكي. فقد أدلى الرئيس السابق فرنسوا هولاند بدلوه، معتبراً أن ما حصل «غير كاف»، واعتبرت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف المرشحة الرئاسية السابقة، أن باريس «أضاعت فرصة للظهور على المسرح الدولي كقوة مستقلة متمسكة بالتوازن».
وما لم تقله لوبان صراحة، جهر به النائب وزعيم تيار اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، الذي اتهم ماكرون بـ«التبعية لترمب ولأميركا». وقال النائب أدريان كواتننس، من حزب المتمردين الذي يقوده ميلونشون، إنه «لا يمكن (الدعوة) لاحترام القانون الدولي، بينما ننتهكه نحن أنفسنا»، في إشارة لغياب تفويض من مجلس الأمن للعمل العسكري. وقال برونو روتاييو، رئيس مجموعة حزب «الجمهوريون» في مجلس الشيوخ، إن «صوت فرنسا لا يكون مسموعاً إلا عندما يكون متفرداً، وعندما تدعو إلى الحوار». وصوب روتاييو على ماكرون لأنه «نسي أمثولات الماضي وإخفاقات فرنسا في الشرق الأوسط».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.