باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
TT

باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)

لم تبخل باريس في توفير الوسائل والقدرات العسكرية للمشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الضربات الليلية التي استهدفت 3 مواقع سورية ليل الجمعة السبت. وبحسب المعلومات التي توافرت من وزارة الدفاع، فإن باريس أشركت 9 طائرات قتالية، وهي 4 طائرات من طراز «رافال» و5 طائرات من طراز «ميراج - 5»، إضافة إلى طائرتي استطلاع من طراز «أواكس»، وكلها انطلقت من مطارات موجودة على الأراضي الفرنسية، وأهمها مطار سان ديزيه.
وعبأت الأركان 5 فرقاطات متعددة المهام في مياه المتوسط الشرقي، بينها 3 من بين الأحدث الذي تملكه (فرقاطة لحرب الغواصات، وثانية للدفاع الجوي، وثالثة للتموين)، إضافة إلى السفن المصاحبة. لكن الجانب الفرنسي، رغم الحشد العسكري الكبير، اكتفى بإطلاق 12 صاروخاً من أصل أكثر من 100 صاروخ أطلقها الحلفاء الثلاثة في عمليتهم ضد المواقع السوري. غير أن الأهم أن هذه العملية وفرت لقيادة الأركان الفرنسية تجربة آخر ما أخرجته الصناعات العسكرية من الصواريخ البحرية التي يزيد مداها على ألف كلم، وأطلق منها 3، وهي المرة الأولى التي يجرب فيها هذا الصاروخ في وضعية حرب حقيقية. ووجهت باريس صواريخها نحو الموقعين القريبين من مدينة حمص. وبحسب وزارة الدفاع، فإن أحدهما مخصص لإنتاج المواد الكيماوية السامة، والثاني لتخزينها. كل هذا الحشد كان المقصود منه تحقيق هدفين متلازمين: الأول إبراز الدور الفرنسي، والثاني تمكين الرئيس إيمانويل ماكرون من تحقيق الأهداف التي أراد الوصول إليها من خلال هذه المشاركة. ورغم أن ماكرون لم ينجح في تحقيق إجماع داخلي حول مساهمة باريس في الضربات العسكرية، فإنه رغم ذلك حقق كثيراً من أهدافه.
وبحسب مصادر سياسية فرنسية، فإن ماكرون أظهر أولاً أنه «وفى بوعده»، عندما رسم «الخط الأحمر» الكيماوي في مؤتمر صحافي في قصر فرساي، وإلى جانبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولو امتنع عن المشاركة لخسر الكثير من مصداقيته. فضلاً عن ذلك، فإن الضربات العسكرية وجهت رسالة واضحة للنظام السوري، وأعادت المصداقية لـ«الخط الأحمر». يضاف إلى ذلك أن ماكرون نجح في التحول إلى «قائد عسكري»، وهي تجربته الأولى في هذا المجال. فرئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوت المسلحة، وهو الآمر الناهي في العمليات العسكرية، وهو لم «يتهرب» من تحمله المسؤولية.
بيد أن ماكرون، بعيداً عن الجوانب الشخصية، نجح في أن يبقي الرد على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي محصوراً بما يتعلق بهذا السلاح وحده، بعكس ما كانت توحي به تغريدات الرئيس ترمب، الذي كان يريد بداية «تلقين» درس للنظام ولحلفائه من الروس والإيرانيين. فمنذ الثلاثاء، أعلن ماكرون أن الضربات هدفها فقط «الإمكانيات الكيماوية» للنظام، وليس مراكز القيادة والتحكم أو المستويات السياسية. وأكد ماكرون أنه «لا يريد التصعيد»، والمقصود به مع روسيا. ورغم المشاركة الفرنسية، فقد أعلن وزير الخارجية جان إيف لو دريان أمس أن الزيارة المرتقبة لماكرون إلى روسيا أواخر مايو (أيار) المقبل «لم تلغَ حتى الآن».
والواضح أن ماكرون أراد أن يبقي باب التواصل مع بوتين مفتوحاً، الأمر الذي يعكسه الاتصال الهاتفي بين الرئيسين أول من أمس، وتأكيد قصر الإليزيه على الحاجة لتواصل الحوار مع الطرف الروسي. ولا تستبعد المصادر السياسية أن يكون ماكرون قد لعب دوراً رئيسياً في حصر الأهداف العسكرية المستهدفة، وبالتالي منع التصعيد مع روسيا وإقناعها بعدم الرد، وتأكيد عدم استهداف مواقعها وقواعدها على الأراضي السورية، وهو ما أقرت به القيادة العسكرية الروسية.
من هنا، أهمية ما قالته وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، التي أعلنت، في بيان قرأته على الصحافة في قصر الإليزيه وإلى جانبها لو دريان، أن موسكو «اطلعت» على العملية قبل حدوثها، وهو ما نفاه رئيس الأركان الأميركي الجنرال دانفورد. وهذا التضارب يبين على الأرجح شيئاً يشبه «توزيع الأدوار» بين واشنطن وباريس.
وفي أي حال، فإن الجانب الفرنسي سعى أيضاً لطمأنة روسيا من خلال التأكيد على أن الضربات العسكرية لن تكرر. وقال لو دريان، في حديث للقناة الإخبارية «بي إف إم»، رداً على سؤال عما إذا كان ما حصل الليلة الماضية مرحلة أولى يمكن أن تتبعها مراحل: «ليست هناك مرحلة أولى. هناك مرحلة واحدة فقط»، لكنه اغتنم الفرصة لتوجيه رسالة تحذيرية للنظام السوري بقوله: «إذا تم اجتياز الخط الأحمر مرة أخرى، فستكون عندها ضربات جديدة»، بيد أنه استدرك معلناً أن النظام «فد فهم الدرس»، وأن الإنشاءات التي استهدفت تم تدميرها.
وتعتبر باريس أن ما حصل في الساعات الأخيرة يتخطى «الحالة السورية»، لأنه يتناول مصير معاهدة حظر استخدام السلاح الكيماوي، وأن غياب ردة الفعل كان سيترك الباب مشرعاً أمام من يشاء اللجوء إلى هذا السلاح. وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أن فرنسا «لا تقبل الاعتياد على استخدام الكيماوي، لأنه يشكل خطراً مباشراً على الشعب السوري، وعلى أمننا الجماعي». وتريد باريس العودة إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إقامة «آلية دولية تكون مهمتها تحديد المسؤوليات (لدى أي استخدام للكيماوي)، ومنع الإفلات من العقاب، والتزام اليقظة إزاء أية رغبة للنظام السوري للعودة إلى هذا السلاح».
ويوم أمس، سعى كبار المسؤولين (رئيس الجمهورية ووزيري الخارجية والدفاع) إلى تبرير المشاركة الفرنسية، والتأكيد على أنها «شرعية» و«قانونية»، رغم أن استهداف سوريا لم يحصل على ضوء أخضر من مجلس الأمن، وأنه جرى يوم وصول بعثة منظمة حظر استخدام السلاح النووي. ولذا، فإن الخارجية عمدت إلى نشر وثيقة مكثفة تبين فيها أن النظام استخدم حقيقة هذا السلاح يوم السبت الماضي في مدينة دوما. وجزم ماكرون بأن «الوقائع ومسؤولية النظام السوري ليست موضع شك»، قاطعاً الطريق في ذلك على أي جدل داخلي، أو تشكيك بشرعية ما قامت به القوات الفرنسية.
ولا تعتبر باريس أن الضربات العسكرية هدفاً بذاتها، أو أنها ستكشف الأهداف الأخرى التي تسعى إليها، والتي عددها بيان الإليزيه، وكذلك فصلها وزير الخارجية، حيث تريد باريس الانتهاء من مكافحة «داعش»، وتوفير الفرصة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، خصوصاً إطلاق «آلية جماعية» من أجل التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع، وأخيراً العمل من أجل استقرار المنطقة. وقد وعد ماكرون بالعمل على ذلك في الأسابيع المقبلة، في إشارة مبطنة لزيارته للولايات المتحدة الأميركية بعد أقل من 10 أيام، ثم إلى مدينة بطرسبرغ الشهر المقبل للقاء بوتين. ويأمل الرئيس الفرنسي في أن الدفع بقوات بلاده إلى المشاركة سيعطيه «وزناً»، من أجل أن تكون لفرنسا كلمتها عند البحث عن صورة الحل في سوريا.
لكن رغم التعبير عن كل هذه النيات، وطمأنة الطبقة السياسية بأن البرلمان سيناقش قريباً المشاركة العسكرية الفرنسية، فإن ماكرون لم ينجح في توفير إجماع وطني على ما قرره، وجاءت الانتقادات من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وأحياناً من اليمني الكلاسيكي. فقد أدلى الرئيس السابق فرنسوا هولاند بدلوه، معتبراً أن ما حصل «غير كاف»، واعتبرت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف المرشحة الرئاسية السابقة، أن باريس «أضاعت فرصة للظهور على المسرح الدولي كقوة مستقلة متمسكة بالتوازن».
وما لم تقله لوبان صراحة، جهر به النائب وزعيم تيار اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، الذي اتهم ماكرون بـ«التبعية لترمب ولأميركا». وقال النائب أدريان كواتننس، من حزب المتمردين الذي يقوده ميلونشون، إنه «لا يمكن (الدعوة) لاحترام القانون الدولي، بينما ننتهكه نحن أنفسنا»، في إشارة لغياب تفويض من مجلس الأمن للعمل العسكري. وقال برونو روتاييو، رئيس مجموعة حزب «الجمهوريون» في مجلس الشيوخ، إن «صوت فرنسا لا يكون مسموعاً إلا عندما يكون متفرداً، وعندما تدعو إلى الحوار». وصوب روتاييو على ماكرون لأنه «نسي أمثولات الماضي وإخفاقات فرنسا في الشرق الأوسط».



هجمات حوثية دامية على المساكن والأعيان المدنية في تعز

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
TT

هجمات حوثية دامية على المساكن والأعيان المدنية في تعز

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

​وسَّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران هجماتها على الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، مع احتدام المعارك وسعيها إلى تحقيق تقدم ميداني في محيط المدينة، في تصعيد أسفر عن مقتل 5 مدنيين وإصابة 17، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وفق بيانات حقوقية.

وامتدت الهجمات التي استخدمت فيها الجماعة المدعومة من إيران قذائف المدفعية، و«الهاون»، وصواريخ «الكاتيوشا»، وقذائف الدبابات، والطائرات المُسيَّرة، إلى منازل المدنيين ومرافق صحية ودور عبادة ومركبات خاصة، وسط تحذيرات من تفاقم المخاطر التي تهدد السكان؛ خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.

وأفادت تقارير حقوقية يمنية بأن القصف أوقع إصابات في أحياء مدينة تعز، وألحق أضراراً بسبعة منازل سكنية، بينما سقط قتلى وجرحى في القرى الواقعة في ريف المحافظة. وأوضحت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أنها وثَّقت 43 جريمة وانتهاكاً خلال يوم واحد، شملت سقوط الضحايا وتضرر الممتلكات والمنشآت المدنية.

آثار قذيفة حوثية استهدفت أحد المنازل في مدينة تعز (فيسبوك)

وحسب مكتب حقوق الإنسان في محافظة تعز، أصيب 17 مدنياً، بينهم 6 من كبار السن و5 نساء و6 أطفال، جرَّاء القصف الذي استهدف أحياء سكنية داخل المدينة. وفي الريف، قُتل 5 مواطنين وأُصيب آخرون، في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف، لتشمل مزيداً من المناطق المأهولة بالسكان.

ومن بين الضحايا الطفلة أحلام عبد السلام، البالغة 5 سنوات، التي قُتلت داخل منزل أسرتها في منطقة حيصبان بمديرية المسراخ؛ إثر قصف استهدف المنطقة. وأعاد مقتل الطفلة تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها الأطفال في المناطق التي تشهد مواجهات أو تتعرض للقصف.

وفي حادثة منفصلة، أصيب 5 مدنيين، بينهم 3 أطفال، بشظايا قذائف استهدفت أحياء سكنية في مدينة تعز. وأفادت مصادر طبية بأن 4 من المصابين ينتمون إلى أسرة واحدة، وأصيبوا في منطقة الظهرة، بينما أصيبت امرأة في الثلاثين من عمرها جرَّاء قصف طال منطقة بئر باشا.

وشملت قائمة المصابين أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و12 سنة، وفق البيانات الطبية المنشورة، ما يعكس الأثر المباشر للقصف على الأسر التي تعيش في الأحياء المستهدفة.

مستشفى تحت القصف

وفي تطور زاد المخاوف بشأن سلامة المرافق الصحية، تعرض مستشفى الصفوة الواقع وسط مدينة تعز لقصف مباشر، فجر الثلاثاء، ما أدى إلى إصابة مدني وإلحاق أضرار مادية بأقسام المستشفى ونوافذ غرف المرضى.

وقالت مصادر محلية إن الاستهداف وقع عقب قصف أحياء سكنية وسقوط ضحايا مدنيين، بينما كان المسعفون يتجمعون لنقل الجرحى وإسعافهم. وأدى تناثر الزجاج داخل غرف المرضى إلى إثارة الخوف والهلع بينهم وبين أفراد الطاقم الطبي.

عنصر حوثي في محيط مدينة تعز يطلق النار باتجاه مواقع القوات الحكومية (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الأضرار التي وثَّقتها الشبكة اليمنية للحقوق والحريات على المستشفى؛ إذ شملت أيضاً جامع «السعيد»، إلى جانب 7 منازل سكنية و12 مركبة خاصة. وأشارت الشبكة إلى أن هذه الهجمات تهدد سلامة المدنيين، وتعرِّض قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الصحية للخطر، في محافظة تعاني أصلاً من أوضاع إنسانية صعبة.

ويكفل القانون الدولي الإنساني حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها أثناء النزاعات المسلحة، كما يفرض على أطراف القتال التمييز بين المدنيين والمقاتلين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالسكان.

تحذيرات من أزمة إنسانية

وقالت الشبكة الحقوقية إن الجماعة الحوثية أطلقت أكثر من 180 مقذوفاً على الأحياء السكنية في مديريات المحافظة، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مستخدمة أنواعاً متعددة من الأسلحة، إلى جانب الطائرات المُسيَّرة. وربطت الشبكة تصاعد الانتهاكات بتفاقم المخاوف على حياة السكان وممتلكاتهم، في ظل استمرار القصف والقيود المفروضة على حركة المدنيين ووصول الإمدادات.

وحذَّرت من أن شح السلع الأساسية والارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والمياه والوقود والأدوية يزيد من معاناة الأُسَر، ولا سيما الأطفال والمرضى وكبار السن، داعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك لوقف استهداف المناطق المدنية، وحماية المنشآت الصحية ودور العبادة.

صورة من المدخل الغربي المتجه إلى مدينة تعز (إعلام محلي)

كما طالبت بضمان وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية بصورة آمنة ومنتظمة، ورفع القيود المفروضة على حركة السكان، واتخاذ خطوات لحماية الأطفال من التجنيد، وتأمين الرعاية والتأهيل اللازمين للأطفال المتضررين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه تعز ضغوطاً عسكرية وإنسانية متزامنة؛ إذ لا يقتصر أثر المواجهات على خطوط القتال؛ بل يمتد إلى الأحياء السكنية والمرافق التي يعتمد عليها السكان في الحصول على العلاج والخدمات الأساسية.

ومع استمرار القصف، تزداد المخاوف من أن تتحول المدينة وأريافها إلى ساحة يدفع المدنيون فيها الثمن الأكبر.


مطامع التكسب من الإمدادات العسكرية تشعل خلافات حوثية

عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
TT

مطامع التكسب من الإمدادات العسكرية تشعل خلافات حوثية

عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)

تجاوزت الخلافات داخل أجنحة الجماعة الحوثية تبادل الاتهامات بالفساد والاستيلاء على الأموال والإمدادات العسكرية، إلى الإقالات والاعتقالات والمواجهات المسلحة، وسط تصاعد الصراع على الموارد ومراكز النفوذ، وفق مصادر مطلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط».

وتزامنت هذه التطورات خلال الأسبوعين الأخيرين مع استمرار التصعيد العسكري للجماعة في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي، وازدياد الضغوط على مواردها المالية واللوجستية، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات لقيادات ومشرفين بتحويل إمدادات مخصصة للمقاتلين إلى تجارة خاصة واستثمارات شخصية.

وتتركز الخلافات -حسب المصادر- بين قيادات محسوبة على جناح صعدة المقرب من زعيم الجماعة، وأجنحة أخرى تتمركز في صنعاء وعمران وذمار، في صراع يتجاوز إدارة الإمدادات إلى التنافس على عائدات الجبايات والمشتقات النفطية والمواد الغذائية والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية التي تستولي عليها الجماعة، من السكان والتجار والمزارعين، تحت ذريعة تمويل المجهود الحربي.

سكان ريف صنعاء أُجبروا على تقديم التبرعات العينية للحوثيين (إكس)

وأفادت مصادر مطلعة في صنعاء بأن قيادات محسوبة على جناح صعدة أصدرت، منتصف الأسبوع الماضي، أوامر بإعفاء عدد من العناصر والمشرفين الميدانيين المسؤولين عن إدارة الإمدادات وتوزيعها على المقاتلين، بالتزامن مع توجيهات للأجهزة الأمنية باعتقال آخرين على خلفية اتهامات بالتلاعب بالمخصصات العسكرية وتسخيرها لمصالح شخصية.

وأوضح المصدر أن الاتهامات تتعلق، على وجه الخصوص، بتحويل كميات من الديزل والبنزين المخصصة للآليات العسكرية إلى التجارة الخاصة، وبيعها في السوق السوداء لتحقيق أرباح لصالح قيادات ومشرفين، بدعم من أطراف حوثية في صنعاء وعمران وذمار.

ولم تتوقف تداعيات الإجراءات عند الإقالات والاعتقالات؛ إذ امتدت إلى مواجهات مسلحة في مدينة إب، وسط اليمن؛ حيث اندلعت اشتباكات بين مشرفين حوثيين ومرافقيهم المنتمين إلى محافظة عمران، وقيادات أمنية تابعة للجماعة، عقب رفض المشرفين الاستجابة لأوامر الاعتقال، وفق المعلومات التي أوردتها المصادر.

الحوثيون أرغموا مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

وحسب المصادر، جاءت أوامر الإعفاء والاعتقال عقب تلقي قيادات حوثية تقارير ميدانية تحدثت عن أزمة لوجستية وتعثر متكرر في إيصال التعزيزات والإمدادات إلى المقاتلين في عدد من الجبهات. وأدى ذلك -وفق المعلومات- إلى تصاعد الشكوك بشأن وجود تقصير متعمد واستئثار بعض القيادات بالموارد المخصصة للعمليات العسكرية.

موارد تحت الصراع

تكشف هذه التطورات -حسب المصادر- عن فجوة بين حملات التعبئة التي تنفذها الجماعة لحشد مزيد من المقاتلين، والاتهامات الموجهة إلى بعض قياداتها بالاستيلاء على الموارد التي تجمعها من السكان والتجار والمزارعين تحت ذريعة تمويل الحرب.

وتشمل هذه الموارد المشتقات النفطية والمواد الغذائية والمحاصيل الزراعية والمواشي، في وقت يتنافس فيه المتنفذون داخل الجماعة على مصادر الدخل ومجالات السيطرة الاقتصادية في مناطق تخضع لسلطتها.

وتتزامن الانقسامات مع ضغوط مالية متزايدة تواجهها الجماعة، وسط تقارير عن انحسار بعض قنوات التمويل، وتشديد القيود على حركة الأموال، فضلاً عن الضربات الجوية التي استهدفت مخازن أسلحة، واعتراض شحنات تهريب بحرية، والقيود الدولية المفروضة على التحويلات المالية الخارجية.

الحوثيون يواصلون فرض تبرعات نقدية لدعم جبهاتهم (فيسبوك)

ويرى متابعون أن تقلص الموارد المتاحة يفاقم التنافس بين مراكز النفوذ الحوثية على عائدات الجبايات والضرائب والممتلكات المصادرة، ويزيد من احتمالات تحول الخلافات الإدارية والمالية إلى صدامات بين القيادات والمشرفين الذين يتقاسمون النفوذ والموارد.

وامتدت الخلافات -وفق المصادر- إلى التشكيك في نزاهة قيادات ومشرفين، واتهامهم باستغلال مواقعهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب احتياجات المقاتلين. كما تحدثت المصادر عن انشقاق عدد من القادة والمسؤولين على خلفية الصراعات الداخلية، من دون توفُّر تفاصيل مستقلة بشأن أعدادهم أو مواقعهم.


رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».