ماتيس أصر على هجوم محدود وبولتون طالب بـ«عقاب مؤلم»

تأييد جمهوري للضربات واعتراضات ديمقراطية

TT

ماتيس أصر على هجوم محدود وبولتون طالب بـ«عقاب مؤلم»

أثارت الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا، في سوريا، جدلاً في الأوساط الأميركية. ففي حين أكد مؤيدوها أهميتها لردع النظام السوري عن تكرار استخدام السلاح الكيماوي، شكا معارضوها من اتخاذ إدارة الرئيس دونالد ترمب القرار دون الرجوع إلى الكونغرس، والحصول على تفويض من السلطة التشريعية. وطالب آخرون باستراتيجية موسعة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا.
وفي الواقع، لم تكن الضربة مفاجئة للنظام السوري وحلفائه ولا للأوساط الأميركية، فقد تحدث ترمب أكثر من مرة في الأيام الماضية عن عملية عسكرية قد تكون وشيكة ضد سوريا. لكن المفاجأة جاءت من داخل البيت الأبيض خلال مناقشات ترمب مع مستشاريه في الإدارة وأعضاء مجلس الأمن القومي لتحديد حجم الضربة وأهدافها. وبدا واضحاً خلال اليومين السابقين، قبل الإعلان عن شنّ الهجمات، أن هناك اختلافاً بين الرئيس وبعض مستشاريه، من ناحية، ومسؤولي وزارة الدفاع، وعلى رأسهم وزير الدفاع جيمس ماتيس، من ناحية أخرى، وهو ما تسبب في تأخير توقيت توجيه الضربة. ولم يكن جوهر الاختلاف خلال النقاشات حول مدى جدوى توجيه ضربة عسكرية لمعاقبة النظام السوري من عدمه، لكن حدة الاختلاف كانت حول مدى اتساع الضربة ومدتها، والأهداف التي يمكن أن تحققها. لكن لم يختلف كثيرون داخل الإدارة على ضرورة معاقبة بشار الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. وأفيد بأن الرئيس ترمب رأى ضرورة توجيه ضربة قاسية مؤلمة ليس فقط للنظام السوري ولكن أيضاً للدول الداعمة له، وعلى رأسها روسيا وإيران.
وأكدت تقارير أنه كان يسعى بشكل كبير للضغط على المؤسسة العسكرية لتوجيه ضربة قاسية، وإعطاء «درس قاسٍ» للأسد ولحلفائه الروس والإيرانيين. إلا أن وزير الدفاع ماتيس كان حذراً جداً في هذا الشأن، وتبنى منهجاً أكثر حذراً عندما تعلق الأمر بتوسيع مدى الضربة. وركزت مخاوف ماتيس من احتمال تصعيد الصراع في سوريا والدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا.
وأضافت التقارير أن الخميس الماضي كان اليوم المحدد للضربة، إلا أن وزير الدفاع استطاع أن يلغي الضربة خشية الدخول في صراع مع الروس. وعلى جانب آخر، كان جون بولتون، مستشار الأمن القومي الجديد للرئيس ترمب، من بين أكبر المشجعين على توجيه ضربة عسكرية واسعة ضد سوريا. وطبقاً لمصادر في البيت الأبيض، فإن بولتون أراد «عقاباً مؤلماً» وجادل من أجل توجيه ضربة تدميرية «تزيل» جزءاً من البنية التحتية للنظام السوري، ولم يرغب في تكرار ضربة مطار الشعيرات العام الماضي، على أساس أنها تمثّل عقاباً يمكن للنظام التعافي منه من خلال إعادة بناء قواعده الجوية وإصلاحها. وأشارت المصادر إلى أنه عندما وجه ترمب خطابه ليلة الجمعة (فجر السبت بتوقيت دمشق)، من داخل غرفة الاستقبال الدبلوماسي في البيت الأبيض، للإعلان عن توجيه ضربه عسكرية لسوريا، لم يكن حاضراً من مستشاريه سوى بولتون وسارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض. وبدا ترمب متشائماً في حديثه عن روسيا وإيران، إذ قال في خطابه: «نأمل أن يكون هناك تعاون يوماً ما مع روسيا، وربما إيران، وربما لا يكون هناك تعاون». وهناك من رأى أن الضربة جاءت طبقاً لاختيارات وزير الدفاع الذي أصر، كما تردد، على أن تكون قصيرة ومحدودة، فهي لم تستهدف سوى ثلاثة أهداف فقط مرتبطة بالبرنامج الكيماوي السوري.

- ردود الفعل
وجاءت ردود الفعل على الضربة منقسمة على أساس حزبي، إذ أثنى الجمهوريون على تحرك إدارة ترمب، بينما انتقد الديمقراطيون الضربة العسكرية. وفور الإعلان عن الضربة، أرسل البيت الأبيض إلى أعضاء الكونغرس وثيقة أعدها فريق مجلس الأمن القومي حول الأدلة التي حصلت عليها الإدارة من تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ومنظمة الصحة العالمية وشهود عيان، إضافة إلى شرح مبررات الضربة وأهدافها والأسس القانونية التي استندت إليها.
وكان 88 عضواً (جمهورياً وديمقراطياً) في مجلس النواب الأميركي قد أرسلوا رسالة إلى ترمب يوم الجمعة حثوا فيها الإدارة على استشارة الكونغرس والحصول على تفويض تشريعي قبل القيام بعمل عسكري في سوريا. لكن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس شدد، من جهته، على أن قرار شن الضربة العسكرية يستند إلى المادة الثانية في الدستور التي تعطي للقائد الأعلى للقوات المسلحة - وهو الرئيس الأميركي - حق شن ضربات عسكرية في الخارج للدفاع عن المصالح القومية الأميركية و«للولايات المتحدة مصلحة في وقف الكارثة في سوريا واستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دولياً».
وتباينت ردود فعل المشرعين في الكونغرس في أعقاب شن الضربة فجر أمس (السبت). وقال ماك ثورنبيري، رئيس لجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب، إن «استخدام (بشار) الأسد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين الأبرياء أمر غير مقبول. وفي الوقت ذاته، يشكل الهجوم (في دوما) جزءاً من الهجمات بالأسلحة الكيماوية المدعومة من قبل روسيا في جميع أنحاء العالم. لا يمكن للولايات المتحدة وحلفائنا أن نسمح بهذه الهجمات. أؤيد قرار الرئيس بإجراء هذا الضربات بمساندة حلفائنا. لا تزال هناك أسئلة صعبة حول مستقبل سياستنا في سوريا، لكن هذه الأسئلة يجب ألا تنتقص من صحة القرار».
كما قال النائب الجمهوري ستيف سكاليس إن «الرئيس ترمب محق في التأكيد أن تصرفات وأفعال الأسد لا يمكن أن تمر دون رد»، فيما اعتبر السيناتور الجمهوري توم كوتون، في بيان، أن «جزّار دمشق تعلّم الليلة درسين بالطريقة الصعبة: الأول أن استخدام أسلحة الدمار الشامل لن يحقق لك ميزة عسكرية بمجرد أن تنتهي منك الولايات المتحدة، والثاني أن روسيا لن تستطيع حمايتك». وانضم السيناتور تشارلز شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية بمجلس الشيوخ، إلى الجمهوريين في تأييد قرار ترمب، واعتبره «مناسباً»، لكنه حذّر من التورط في الوضع السوري المتأزم. وقال شومر في بيان: «اتخاذ إجراء محدود لمعاقبة الأسد بأمل ردعه عن القيام (باستخدام أسلحة كيماوية) مرة أخرى هو أمر مناسب، لكن على الإدارة أن تكون حذرة بشأن عدم دخولنا في حرب أكبر في سوريا». كما أعرب السيناتور مارك وارنر، زعيم الأقلية الديمقراطية في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، عن دعمه للرد العسكري «المعتدل» في سوريا. لكنه حذّر كذلك من إجراءات يمكن أن «تزيد من زعزعة استقرار» المنطقة أو توسيع نطاق الصراع. كذلك أشاد السيناتور الجمهوري جون ماكين بالضربة المشتركة بين أميركا وفرنسا وبريطانيا، لكنه دعا إلى استراتيجية شاملة لسوريا ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها. وقد اتصل نائب الرئيس مايك بنس (يقوم بجولة في أميركا اللاتينية) بقادة الكونغرس لإخطارهم بالضربة العسكرية، قبل خطاب الرئيس ترمب الذي أعلن فيه بدء العملية الثلاثية في سوريا. وتحدث بنس مع زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وزعيم الغالبية في مجلس النواب بول رايان، وزعيمة الأقلية في مجلس النواب نانسي بيلوسي. في المقابل، أثار الديمقراطيون اعتراضات حول مدى قانونية اتخاذ الإدارة الأميركية قرار شن ضربة عسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس. وضمّت الأصوات الديمقراطية المعارضة نانسي بيلوسي ونواباً آخرين شددوا على أن الدستور ينص على أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة ذات سلطات إعلان الحرب وتخويل الرئيس حق استخدام القوة العسكرية.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.