فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

وسط تغيّرات مثيرة في المشهد السياسي والأمني في أفغانستان

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي
TT

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

فرصة أمام «طالبان» لتتحوّل من ميليشيا إلى كيان شرعي

لم تعد حركة طالبان المتشددة في أفغانستان مجرد ميليشيا رثة لطلبة مدارس دينية نصف أميّين. بل لقد دفعت السنوات العشر الماضية قيادة «طالبان» إلى عالم الدبلوماسية الإقليمية الغادر، حيث يُظهر عتاة الجواسيس أنفسهم كدبلوماسيين، ويصبحون مصدراً للمعدات العسكرية والدعم السياسي، وينخرط المسؤولون العسكريون من القوى الإقليمية في عمليات بناء تحالفات لتنصيب حكومات توافق رغباتهم في العاصمة الأفغانية كابل. ولقد أضفت الاتصالات المكثفة بين حركة طالبان الأفغانية والدول الإقليمية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، وجهاً من الشرعية على هذه الميليشيا، داخل المجتمع الأفغاني وكذلك على المستوى الإقليمي.
يرجح محللون سياسيون أن تقلل الاتصالات التي جرت أخيراً بين الدول الإقليمية الرئيسية المحيطة بأفغانستان -تحديداً، الصين وروسيا وإيران- وحركة طالبان الأفغانية من اعتماد الحركة - الميليشيا على باكستان. وفي الوقت ذاته، في ظل وجود اتصالات دبلوماسية وثيقة لحركة طالبان الأفغانية مع الدول الثلاث، ثمة فرصة كبيرة لظهور الميليشيا ككيان سياسي شرعي داخل المجتمع الأفغاني وعلى المستوى الإقليمي.
وعلى الرغم من أن الاتصالات بين «طالبان» الأفغانية والحكومة الروسية ما كانت سرية، فإن المسؤولين الروس العاملين في المنطقة لم يعترفوا علانية بوجود اتصالات سياسية بين الحكومة الروسية و«طالبان» إلا خلال الأسبوع الماضي. وحول هذا الأمر قال العميد محمود شاه، وهو مسؤول استخبارات كبير متقاعد وخبير أفغاني: «يقول الروس علناً إن الأميركيين على اتصال مع «طالبان»، فلماذا يريدون منع الدول الأخرى من البقاء على اتصال مع (طالبان)؟!».
من ناحية ثانية، ظهر الاتصال بين الحكومة الإيرانية والحكومة الأفغانية عندما قُتل القائد الأعلى السابق لـ«طالبان»، الملا أختر منصور، في غارة أميركية بطائرة «درون» من دون طيار على الحدود الباكستانية - الإيرانية في أثناء دخوله الأراضي الباكستانية من إيران. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن الغارة وقعت في أثناء استقلاله سيارة أجرة من الحدود الإيرانية إلى مدينة كويتا الباكستانية قرب الحدود مع أفغانستان، بعد بقائه لـ«مدة طويلة» في إيران. وبالمثل، أخبر الخبير الأفغاني الشهير رحيم الله يوسف زي، هذا الكاتب بأن الحكومة الصينية كانت على اتصال مع الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، قائلاً: إن «الصينيين يريدون التوسط بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان الأفغانية». وبالتالي، فإن كل هذه الاتصالات المنطوية على دبلوماسية بين «طالبان» والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا، ستضفي شرعية سياسية على «طالبان» داخل المجتمع الأفغاني، وأيضاً في الوضع الأمني الإقليمي. ونتيجة لذلك، تضفي الجهات الفاعلة الإقليمية الصبغة الشرعية بشكل متزايد على وجود «طالبان» ونشاطها، لأنه وفق رحيم الله يوسف زاي: «كل شخص يريد التحدث مع (طالبان)، وكل شخص يريد زيارة مسؤولي (طالبان) في العاصمة القطرية الدوحة».
- الخيارات العسكرية
كل هذا لم يمنع «طالبان» من الاعتماد المتواصل على الخيارات العسكرية كوسيلة لتحقيق أهدافها في أفغانستان. وتشير التقارير الصادرة من أفغانستان إلى أن الحركة ما زالت تنخرط في عمليات عسكرية فعّالة ضد قوات الحكومة الأفغانية وكذلك قوات حلف شمال الأطلسي «ناتو» داخل أفغانستان طوال فصل الشتاء. وأفاد «اتحاد أبحاث وتحليل الإرهاب» (TRAC)، وهو منظمة دولية لمراقبة الإرهاب مقرها العاصمة الأميركية واشنطن، في تقريره الأخير، بأن شهر يناير (كانون الثاني) كان فترة غير عادية في أفغانستان من منظور «طالبان». إذ ورد في تقرير «الاتحاد» الأخير قوله: «لقد كان يناير الماضي شهراً نشطاً بشكل استثنائي لكل من (طالبان IEA) و(داعش خراسان ISK)، مع إعلان (طالبان) وحدها بشكل مذهل مسؤوليتها عن 472 حادثاً على مدى موسم غير قتالي تقليدي في أفغانستان». وحتى بعد استبعاد الهجمات الكبرى التي وقعت في كابل على مدى الشهر، فإن العدد الهائل لبيانات إعلان المسؤولية عن الحوادث بالنسبة إلى بقية أفغانستان في يناير يعد صاعقاً. وسيكون 472 إعلان مسؤولية عن حوادث عدداً مذهلاً في شهر يوليو (تموز)، أما بالنسبة إلى شهر يناير فهو غير مسبوق. وهو يؤدي إلى استنتاج أن أوقات «موسم للقتال في أفغانستان» قد انتهت، لأن القتال «أصبح الآن على مدار السنة».
خلال الشهر الماضي، اتهم جنرال أميركي يعمل في أفغانستان، روسيا بتقديم أسلحة إلى «طالبان»، غير أن الحكومة الروسية رفضت هذا الادعاء. ولكن حتى الخبراء العسكريون المستقلون المقيمون في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يرون أن «طالبان» لا تحتاج إلى أي دولة أجنبية لتزويدها بالسلاح، وحسب العميد محمود شاه: «هناك الكثير من الأسلحة في أفغانستان التي يمكنك تسليح جيش من العالم الثالث بها، في ظل توافر الأسلحة في تلك الدولة التي مزّقتها الحرب».
... وخيار المباحثات
وفي هذا السياق، لم تظهر حركة طالبان، إبان السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، كقوة عسكرية فحسب، بل أيضاً كقوة على وشك الحصول على الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية. وفي الشهر الماضي، عرض الرئيس الأفغاني أشرف غني على قيادة «طالبان»، بالفعل، مباحثات سلام مقابل تعهّد بالتخلي عن العنف. وتدعم الحكومة الباكستانية أيضاً مبادرة السلام التي عرضها الرئيس الأفغاني، إلا أنها، أوضحت للحكومة الأفغانية أنه في حال وقوع أعمال عنف واسعة النطاق داخل أفغانستان، فإن إمكانية إجراء مباحثات سلام ستتلاشى.
وهنا يُذكر أنه في عام 2015، أرادت الحكومة الأفغانية التباحث مع «طالبان» بهدف منع الحركة من شن «هجوم الربيع»، وحدث عكس هذا التوقع تماماً في أفغانستان في أعقاب المباحثات مع «طالبان» برعاية باكستان. وفي أفغانستان، كما هو متوقع، أعقبت هذه الزيادة في العنف تصريحات متعنتة من المسؤولين الأفغان بأنهم سيتعاملون مع «طالبان» بيد من حديد.
من ناحية أخرى، اتخذ الجانب الباكستاني موقفاً مختلفاً تماماً. ففي ذلك الوقت، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية -آنذاك- سرتاج عزيز: «إن التهديد باستخدام العمل العسكري ضد العناصر غير القابلة للتصالح (طالبان) لا يمكن أن يسبق عرض إجراء المباحثات بالنسبة إلى جميع المجموعات وردها على مثل هذا العرض». وكان يقول للجانب الأفغاني إنه ينبغي ألا يُرفقوا أي شروط مسبقة لإجراء المباحثات، وإن عليهم تهيئة أجواء مواتية لها، كما أن عليهم ألا يحددوا أي موعد نهائي. ونتيجة لذلك، لم تنطلق هذه المباحثات المأمولة.
- أفغانستان مقبرة للسلام
الحقيقة أن أفغانستان ليست مجرد مقبرة للإمبراطوريات، بل هي مقبرة أيضاً لجهود السلام. ففي الماضي القريب، بذل الباكستانيون والسعوديون والصينيون والعديد من الجهات الفاعلة الإقليمية جهوداً لإقناع حركة طالبان الأفغانية والحكومة الأفغانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. ونظمت وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية المسار الأول للمفاوضات في ألمانيا، الذي أبلغ مسؤولون أميركيون الجيش الباكستاني عنه في ديسمبر (كانون الأول) 2011.
أيضاً حاولت باكستان تنظيم إجراء مباحثات مباشرة بين «طالبان» وسلطات أفغانستان خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن المحاولة لم تنجح. وفي الماضي، لم تنجح محاولات جهود السلام لسبب رئيسي هو أن كلاً من الحكومة الأفغانية و«طالبان» لم تأخذا إمكانية إجراء مباحثات كخيار جاد لحل نزاعهما، وواصل الطرفان جهودهما العسكرية من أجل حسم الصراع عسكرياً. ورغم ذلك، في الماضي، أبدى الطرفان موافقتهما على إمكانية الجلوس إلى طاولة المفاوضات وجهاً لوجه.
أما الآن، فهناك تغيّر طفيف في الموقف، وبالتوازي مع رفض «طالبان» الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع حكومة أفغانستان، قال متحدث «طالبان» أخيراً: «سنتحدث مباشرة مع واشنطن... نظام كابل عبارة عن نظام دُمى لن نتفاوض معه». ويعتقد معظم المحللين أن بيان «طالبان» هذا يعكس ثقة الحركة المكتسبة حديثاً لأنها تسيطر الآن على معظم الأراضي الأفغانية، كما أنها حصلت على ما يشبه الشرعية السياسية من الجهات الفاعلة الإقليمية.
وفي هذه الأثناء، ازدادت توقعات الحكومة الأفغانية والمسؤولين الأميركيين بأن باكستان قد تجلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات، بالإضافة إلى إقناع قيادة الحركة بالموافقة على حل سلمي للصراع. وكذلك واصلت الحكومة الأفغانية الضغط على الحكومة الباكستانية للتأثير على سياسات «طالبان». ولكن، في المقابل، الواضح أنه كلما تعرضت باكستان للضغط، فإنها تتوخى حذراً أكبر في دورها المحتمل بالتسوية السلمية الأفغانية. وقبل زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهيد خاقان عباسي، لكابل مباشرة، نُقِل عن مسؤول عسكري كبير قوله في وسائل الإعلام الباكستانية أنه ليس لدى باكستان التأثير على حركة طالبان الأفغانية، ولم تدّع أبداً امتلاكها تأثيراً على سياساتها. كما أوضح المسؤول العسكري أن الجيش الباكستاني لا يمتلك أي قدرة على جلب «طالبان» الأفغانية إلى طاولة المفاوضات مع سلطات كابل.
وبعد هذا البيان، حرص المسؤولون الباكستانيون أيضاً، في أعقاب مباحثاتهم مع ممثلي الحكومة الأفغانية في كابل، على أنهم لم يقولوا شيئاً عن قدرة باكستان على التأثير على سياسات «طالبان» أو جلبهم إلى طاولة المفاوضات. ووفقاً للبيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء عباسي في ختام زيارته لكابل، رحّب عباسي برؤية الرئيس أشرف غني للسلام والمصالحة في أفغانستان، وعرضه التباحث من أجل السلام مع «طالبان». وجاء في البيان: «دعا الزعيمان (طالبان) للاستجابة بشكل إيجابي لعروض السلام والانضمام إلى عملية السلام دون مزيد من التأخير. واتفقا على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الأفغاني الجاري، وعلى أن الحل السياسي هو أفضل وسيلة للتقدم».
- أسس التوقعات
هذا، وتستند توقعات الحكومة الأفغانية في المقام الأول إلى تصوّرات مفادها أن معظم قيادة «طالبان» ما زالت مستقرة مقيمة في مدينة كويتا (بجنوب باكستان) قرب الحدود الأفغانية. ويرتكز هذا التصور على تقارير وسائل الإعلام في الصحف الأميركية التي مفادها أن قيادة «طالبان»، بما في ذلك الراحل الملا عمر، ظلت مقيمة في كويتا خلال الفترة منذ الغزو الأميركي لأفغانستان. وبصرف النظر عن صحة هذه التصوّرات أم لا، فثمة حقيقة خلفها هي أن باكستان كانت في الماضي تدعم حركة طالبان الأفغانية سياسياً وعسكرياً.
إن سياسة الحذر الباكستانية تجاه «طالبان» حديثة العهد، إذ لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر، بينما في الماضي كان المسؤولون الباكستانيون يتفاخرون بتأثير بلادهم على الحركة الأفغانية. وفي تناقض تام مع موقف إسلام آباد الأخير المتمثل في إبقاء تأثيرها على «طالبان» تحت غطاء سياسي، من الواضح أن باكستان على اتصال مع الحركة من خلال مكتب الأخيرة في الدوحة. وقام وفد من «طالبان» مكوّن من 3 أعضاء من مكتب الدوحة بزيارة إسلام آباد في يناير، وأجرى مباحثات مع مسؤولين باكستانيين. ووفقاً لتقارير، تباحثت وفود «طالبان» المكوّنة من 3 أعضاء من مكتب الدوحة أيضاً مع ممثلي الحكومة الأفغانية، فيما نفت الحكومة هذا الأمر. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن باكستان أطلعت المسؤولين الأميركيين والأفغان على نتائج هذه المباحثات مع ممثلي «طالبان».
مع ذلك، باشرت باكستان النأي بنفسها علانية عن الحركة الأفغانية، ويبدو أنها تبعث برسالة استياء من التقارير التي تفيد بأنها يمكن أن تؤثر على سياسات «طالبان» أو تجلبها إلى طاولة المفاوضات. والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن باكستان نقلت بالفعل للمسؤولين الأفغان والأميركيين، عبر القنوات الدبلوماسية، عجزها عن جلب «طالبان» إلى طاولة المفاوضات تحت كل الظروف. وتعتقد السلطات الباكستانية أنه بعد موجة من سفك الدماء في أفغانستان، التي من المتوقع حدوثها في «موسم الربيع» الحالي، سيكون من المستحيل تسهيل المباحثات بين «طالبان» وسلطات كابل.
- جماعة «تحريك طالبان باكستان» النشأة والتحول
> تعود بداية الاضطرابات التي عمّت المناطق القبلية في باكستان، إلى الفترة التي أعقبت الغزو الأميركي لأفغانستان مباشرةً عام 2001، لكن الاضطرابات سرعان ما تحولت إلى حالة أشبه بالتمرد عام 2004، وبلغ الوضع ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2007 عندما اجتمع نحو 40 من قادة الجماعات الإرهابية المسلحة في المناطق القبلية الباكستانية وفي منطقة «خيبر باختون خا» البشتونية الحدودية للاتفاق على تأسيس كيان موحّد كمظلة لجميع الكيانات أطلقوا عليها لاحقاً اسم «تحريك طالبان باكستان» (أي، حركة طالبان باكستان)، وعُيّن بيت الله محسود زعيماً لها، ليلقى حتفه لاحقاً.
كان محسود قد أكد أن الهدف من تأسيس التحالف هو «الجهاد الدفاعي»، ولكن عندما اتجه الصحافيون الباكستانيون إلى منطقة جنوب وزيرستان في مايو (أيار) 2008، أبلغهم محسود بأنه يعتبر الولايات المتحدة «عدوه الشخصي»، وكان في بعض الأحيان يهدد بتوسيع نطاق جهاده ومده إلى الدول الغربية.
وفي نهاية عام 2008، تلقت الحكومة الباكستانية معلومات من العواصم الأوروبية بأنهم ألقوا القبض على مواطنين باكستانيين وأوروبيين اعتنقوا الإسلام ويخططون لشن اعتداءات إرهابية في مدن أوروبية، وأيضاً أن هؤلاء تلقوا تدريباتهم في معسكرات تابعة لمحسود. وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط» عام 2008، قال مسؤول باكستاني: لقد «تلقينا معلومات مؤكدة من ألمانيا وإسبانيا تفيد بأن إرهابيين تلقوا تدريبات في معسكرات تابعة لمحسود قد ألقي القبض عليهم في تلك الدول». كان ذلك البلاغ بمثابة الإشارة الأولى على أن جماعة «تحريك طالبان باكستان» قد تحولت إلى «جماعة جهادية عالمية».
ومن ثم، تمكنت أجهزة الاستخبارات الباكستانية ومعها عدد محدود من الكتاب والخبراء المعنيين بالإرهاب والقتال، من توثيق ورصد الأدلة على وجود تعاون بين «تحريك طالبان باكستان» وتنظيم «القاعدة» الإرهابي. وأفاد الخبراء بأنه ليس سراً أن التنظيمين نفّذا عمليات إرهابية في المدن الباكستانية بمساعدة عناصر محلية. وبات من المعروف الآن أن «تحريك طالبان باكستان» أُسست في ديسمبر (كانون الأول) (كانون أول) 2007 للعمل كمظلة لأكثر من 20 جماعة في منطقة جنوب وزيرستان الحدودية مع أفغانستان، وأن ذلك التاريخ يمثل بداية بزوغها. ومنذ نشأتها الأولى، كان وجود المتشددين العرب ملحوظاً بقوة لكنه اقتصر في البداية على التمويل. ولقد اعترف الزعيم الذي لقي حتفه، محسود، في مقابلة شخصية، بأن العرب وتنظيم «القاعدة» كلاهما قدم تمويلات ساعدت في تأسيس جماعة «تحريك طالبان باكستان».
من جهة أخرى، لا عجب أنه في غضون سنتين من تأسيسها، بات للجماعات العربية المرتبطة بـ«القاعدة» ممثلون في المجلس المركزي لجماعة «تحريك طالبان باكستان». وأفاد الخبراء بأن تلك كانت المرة الأولى التي يكون فيها للمتشددين نفوذ في صناعة القرار داخل الجماعة. وللعلم، ينتسب العديد من مقاتلي التنظيم على الأرض، وكذلك العديد من قادتها، إلى مدرسة «الديوبندية» الفكرية المتطرفة، لكن أتباع تلك المدرسة تلاشوا مع مرور الوقت لصالح العناصر المسلحة والتنظيمات الطائفية والمناطقية التي حوّلت عملياتها من وسط باكستان إلى المناطق القبلية. من تلك التنظيمات كانت جماعات مسلحة مثل «عسكر طيبة» المتشددة، وبعض العناصر الأصولية من «الجماعة الإسلامية» وغيرها من الجماعات المسلحة التي سيطرت على القرار داخل «تحريك طالبان» حتى عام 2010.



هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

 

 

 

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.