«داعش» يعزز مكاسبه المالية مع توسيعه مناطق نفوذه في العراق

يمارس الابتزاز والخطف والسطو والتهريب.. وأعاد فتح مصارف الفلوجة لإيداع أمواله فيها

عنصر في تنظيم داعش عند نقطة تفتيش في بيجي إلى الشمال من بغداد (رويترز)
عنصر في تنظيم داعش عند نقطة تفتيش في بيجي إلى الشمال من بغداد (رويترز)
TT

«داعش» يعزز مكاسبه المالية مع توسيعه مناطق نفوذه في العراق

عنصر في تنظيم داعش عند نقطة تفتيش في بيجي إلى الشمال من بغداد (رويترز)
عنصر في تنظيم داعش عند نقطة تفتيش في بيجي إلى الشمال من بغداد (رويترز)

عندما اجتاح المتمردون الذين يسيرون على نهج تنظيم «القاعدة» مدينة الموصل، التي تقع شمال العراق، ادعوا أنهم استولوا - من بين الغنائم الأخرى - على خمس طائرات هليكوبتر أميركية الصنع، مشيرين في تغريدة لهم على موقع «تويتر»، أن تلك الطائرات لا تزال جديدة تقريبا، قائلين: «نتوقع من أميركا أن تلتزم بصيانتها لتلك الطائرات». وفي هذا الصدد، ذكر توبي دودج، مدير مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد: «إنهم ليسوا فقط جهاديين لهم تأثير فعال، لكنهم أيضا يتمتعون بروح الفكاهة».
هذه الصورة الوحشية التي قدمها هؤلاء المتطرفون في تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) للعالم، باعتبارهم الجلادين الذين يقتلون السجناء العاجزين ويقطعون رؤوس حتى الجهاديين المنافسين لهم - تخفي وراءها منظمة منضبطة تعمل على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي واستراتيجيات مالية متطورة من أجل تمويل وإدارة المناطق التي تمكنت من غزوها.
وحسب ما ذكره محافظ نينوى اثيل النجيفي، فقد استولى المتمردون على مبلغ قيمته 400 مليون دولار أميركي من البنك المركزي في الموصل، وأفادت التقارير بأنهم نهبوا الخزائن في جميع البنوك الأخرى بالمدينة التي يقطنها أكثر من مليون شخص، بينما يذكر مسؤولون آخرون - عند التطرق لأعمال السرقة التي شهدها البنك المركزي - أرقاما أقل فيما يتعلق بالمبالغ المسروقة.
وفي واحدة من المعارك الدموية المتأرجحة من أجل السيطرة على أحد أكبر مصافي النفط في مدينة بيجي، التي تقع في منتصف الطريق بين بغداد والموصل - استخدم المتمردون أسر الموظفين هناك كوسيلة للتوسط لوقف إطلاق النار، وبالتالي إجلاء العمال بأمان. لم تكن تلك مبادرة إنسانية، فحسب ما ذكره أحد المسؤولين المحليين، الذي أدلى بالمعلومات الآتية بشرط عدم الكشف عن هويته، خوفا من انتقام «داعش» وقتله: «هؤلاء المتمردون يريدون منهم القيام بتشغيل المصفاة عندما ينتهي القتال».
وأوضح اللواء مهدي الغراوي، الذي كان حتى وقت قريب يشغل منصب قائد شرطة محافظة نينوى، في مقابلة له مع موقع «نقاش» الإخباري باللغة العربية، أن أعمال الابتزاز التي يقومون بها في الموصل تجعلهم يحرزون ما قيمته 8 ملايين دولار شهريا، ويحصلون على تلك المكاسب، حتى قبل إتمام عملية الاستيلاء على المدينة، وبمجرد الاستيلاء والسيطرة عليها، يقومون بفرض الضرائب، التي تحقق لهم ربحا، كما يقومون بجمع ما يطلق عليه ضرائب الطرق، والتي تقدر قيمتها 200 دولار؛ حيث تُجمع هذه الضريبة من الشاحنات في جميع أنحاء شمال العراق لكي تتمكن تلك الشاحنات من العبور الآمن. وتدعي الحكومة العراقية أن المتمردين يفرضون الآن «ضريبة (جزية)» على المسيحيين المتواجدين في الموصل، الذين يشكلون أقلية كبيرة هناك.
وحتى تطبيقات الهاتف الجوال، التي ساعدت «داعش» على نشر تغريداته عبر موقع «تويتر» تتضمن دعاية ضمنية وتعد جزءا من حملة متطورة من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لجذب مؤيدين أثرياء وإقناعهم بالتبرع لهم، ودعم العمليات الخاصة بهم.
وقال أمين هادي، عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي: «لا نعرف بالتحديد قيمة الأموال التي نهبوها من الموصل»، وأضاف: «لكنها مبالغ ضخمة.. ضخمة بالقدر الذي يمكن داعش من استخدامها في الاستيلاء على الدول الأخرى أيضا».
وكان أحد أعضاء بمجلس إدارة البنك المركزي العراقي مترددا بشأن ذكر المبالغ التي حصل عليها «داعش» في الموصل لكنه ذكر أن هذه المبالغ لا تقل عن 85 مليون دولار، وقد تكون أكثر من ذلك. وتجدر الإشارة إلى أنه أدلى بهذه المعلومات شريطة عدم الكشف عن هويته، لأنه من غير المسموح له التحدث علنا عن هذا الأمر.
وذكر أحد المسؤولين الأميركيين المعنيين بمكافحة الإرهاب: «حصل (داعش) على بعض الأموال من قبل جهات مانحة بالخارج، ولكن تلك الأموال التي حصلت عليها من الخارج تعد ضئيلة مقارنة بالأموال التي يجلبها داعش لنفسه»، وأضاف: «الغالبية العظمى من أمواله تأتي من الأنشطة الإجرامية التي يرتكبها مثل أعمال الابتزاز والخطف والسطو والتهريب. وفي الموصل، فإن من المرجح أن (داعش) يحصل على ملايين الدولارات شهريا جراء أعمال الابتزاز فقط. ففي اجتياحه للمدينة، أصبحت أوضاع (داعش) المالية جيدة، ولكن ربما تصل ثروتها إلى الملايين – وليس مئات الملايين - من الدولارات». وأردف موضحا أنه بينما يعد تنظيم «من أغنى الجماعات الإرهابية على هذا الكوكب، إلا أنه لديه أيضا قدر كبير من النفقات. والموارد التي تتدفق إلى خزائنه تخرج في شكل مدفوعات بشكل سريع إلى حد ما. ولو لم تكن استغلت تلك الأموال، فمن المرجح أن يكون لديه قدر هائل من الأموال تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات».
ويمتلك تنظيم «داعش» الكثير من الأموال لدرجة أنه أعاد فتح بعض البنوك التي قام بنهبها في الفلوجة، بمحافظة الأنبار، من أجل إيداع أمواله فيها. وقال جاسم أحمد، البالغ من العمر 35 عاما، الذي يعمل سائق سيارة أجرة في المدينة، التي استولى عليها «داعش» منذ شهر يناير (كانون الثاني)، أنه سأل أحد الرجال المسلحين الذين يحرسون البنوك قائلا أين يحصل المتشددون على أموالهم؟ فرد عليه، قائلا: «لا تسألني مجددا»، وأضاف: «عليك فقط أن تفهم أنه لدينا ميزانية تمكننا من إدارة كل العراق، وليس فقط محافظة أنبار».
وقال كامل وزني، أحد المحللين المتواجدين في بيروت، الذي يتابع التقدم الذي يحرزه «داعش» فيما يتعلق بالتمويل الذاتي والأراضي التي يستولي عليها: «لم يعد علينا أن نتصور ماهية دولة الإرهاب»، مضيفا: «لدينا بالفعل دولة إرهاب».
جدير بالذكر أن «داعش» بدأ يكدس الأموال، بينما كان في سوريا العام الماضي، وذلك عقب سيطرته على حقول النفط التي تقع شرق سوريا، بالقرب من مدينة الرقة، وتمكن بالفعل من تشغيل مصاف لإنتاج مشتقات ليستخدمها مسلحوه، لكنه باع أيضا الكثير من النفط الخام إلى عدوها، المتمثل في الحكومة السورية. وفي مدينة منبج، تمكن من تشغيل مصنع إسمنت. وفي الرقة، كان التجار يدفعون للمقاتلين المسلحين رسوم جمع القمامة.
وقد ساهم استيلاء «داعش» على مناطق في العراق في زيادة حجم إيراداته. ويقول بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج» بلندن: «كلما زاد عدد الأراضي التي يستولون عليها، سيكونون أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسهم»، وأضاف: «وما يلي يوضح أحد المخاطر وكذلك السبب وراء ضرورة وضع حد لهم؛ فإذا تمكنوا من الاعتماد على أنفسهم، وأصبح بمقدورهم دفع رواتب الناس، وغير ذلك من الأمور، سيكون من الصعب للغاية التخلص منهم».
ويبحث «داعش» دائما عن مصادر جديدة للدخل. فقد اختفى عمال أتراك، ومجموعة مكونة من 40 عاملا هنديا، وأحد المسؤولين الصينيين، في المناطق التي اجتاحتها «داعش»، وأُطلق سراحهم بعد ذلك دون أن يصابوا بأي أذى. وبينما لم يؤكد أحد دفع فدية، فإن اختطاف الأشخاص من أجل الحصول على فدية يندرج أيضا في خطة عمل تلك الميليشيات المسلحة.
وفي خطوة مشكوك فيها، قام أحد الجهاديين، الذي يبدو أنه انشق عن «داعش»، بنشر معلومات تخص التنظيم على حساب @Wikibaghdady بموقع «تويتر». ونشر وثائق العام الماضي تظهر تنظيم «داعش» وهو يدبر لعمليات جمع أموال، بما في ذلك فرض ضرائب على «الشيعة، والمسيحيين، وأقليات أخرى» بالإضافة إلى «السيطرة على حقول النفط ومصادر الطاقة». وتفيد الوثائق بأن «داعش» يستولي على أي شركة تربطها تعاقدات مع الحكومة العراقية. «وإذا لم يرضخ صاحب الشركة، فإنه «يهدد بالقتل أو بتدمير الشركة».
كما كان لعمليات المتمردين عبر «تويتر» دور في جمع الأموال. ووفقا للمحلل الأميركي جي إم بيرغر (المسؤول عن موقع Intelwire.com)، الذي درس استخدام الجهاديين لوسائل الإعلام الاجتماعي، فإن جماعة «داعش» وزعت تطبيقا على الهواتف الجوالة لأتباعها وأطلقت عليه اسم «فجر الأخبار السارة». وقال: إن تطبيق «غوغل آندرويد» كان به أيضا إعلان، بالإضافة إلى مولد لرسائل مزعجة متطور يقوم بمضاعفة كل تغريدة خاصة بـ«داعش» إلى آلاف التغريدات التي كانت تتجنب الحماية التي يفرضها «تويتر» ضد الرسائل المزعجة. وبعد كتابة بيرغر عن التطبيق بمجلة «اتلانتيك» الأسبوع الماضي، قام موقع «تويتر» بحجبه وأغلق الكثير من حسابات الجماعة بـ«تويتر». وقال بيرغر إنه رغم ذلك جرى فتح حسابات جديدة على الفور. وأضاف: «إن ما يفعلونه عبر وسائل الإعلام الاجتماعي له علاقة وطيدة بجمع الأموال».

* خدمة: «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.