باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

كتّاب بريطانيون لعبوا دوراً في احتلال فلسطين

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»
TT

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

حسب نقاد وباحثين مصريين، احتلت القدس وشوارعها وأحياءها ومزاراتها الدينية اهتمام كثيرين من الكتاب والأدباء والشعراء حول العالم على اختلاف لغاتهم وتوجهاتهم، فقد كانوا منذ مئات السنين يزورونها حجاجاً باحثين عن المتعة الروحية، ورَحَّالة يفتشون في دروبها الضيقة عن المعرفة، ويعودون بكتابات تفصيلية عن سكانها وحياتهم اليومية، وعاداتهم وتقاليدهم، وعمارة بيوتهم، ونشاطاتهم التجارية والاجتماعية.
الباحثون الذين ينتمون لأقسام اللغات الأجنبية في الجامعات المصرية، أكدوا خلال فعاليات ندوة دارت أبحاثها ودراساتها، الاثنين الماضي بالمجلس الأعلى للثقافة المصري، حول صورة القدس في الآداب العالمية، أن هذه الكتابات خصوصاً البريطانية منها، مهَّدَت بشكل كبير لاحتلال فلسطين، وظهور إسرائيل.
وجهة النظر هذه عرضتها الباحثة الدكتورة فاتن مرسي، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، وهي تتحدث عن الاستشراق بمعناه الاستعماري في كتابات العلماء والرحالة والسياسيين والكتاب الإنجليز حول الشرق، بما في ذلك فلسطين، وقالت إن صدور وعد بلفور، ودخول الجنرال أدموند اللنبي إلى القدس، ما كان لهما أن يستمرّا واقعاً حتى الآن، دون التمهيد لهما تاريخيّاً وثقافيّاً وأدبياً، منذ العصر الإليزابيثي، وبداية المطامع الاستعمارية البريطانية، حتى القرن التاسع عشر.
وتقيم د. مرسي تلك الكتابات بوصفها كتابات غير بريئة، لعبت دوراً كبيراً في المأساة الفلسطينية، وقام كتابها أمثال تي إتش لورانس، ووالتر سكوت، ولورد جورج كرزون وغيرهم بدور الوكلاء الإمبرياليين من أجل بسط نفوذ الإمبراطورية البريطانية على كثير من المستعمرات.
انتشار ظاهرة سفر شبان وسيدات من العائلات الإنجليزية الكبيرة إلى الشرق فيما يُعرف بالجولة البعيدة، وتحركهم إلى فرنسا، ودول غرب وشرق المتوسط، طلباً للمتعة، فضلاً عن الرحلات التي خرجت بدوافع دينية، لنشر المذهب البروتستانتي، كلها صبَّت، حسب مرسي، في خطوط دعم السيطرة البريطانية على مستعمراتها في الشرق، فضلاً عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم يَغِب عن تلك الجهود الاستعمارية، بالطبع، قيام كثير من الكتاب والمشاهير الإنجليز بزيارات للقدس أمثال إي أم فورستر، وبنجامين دزرائيلي صاحب رواية «الصليبية الجديدة»، التي حاول فيها التوفيق بين تمسُّكِه بجذوره اليهودية ومطامعه الإمبريالية البريطانية، ولا تخرج الروائية البريطانية جورج إليوت، طبقاً للباحثة عن هذا السياق، فمعظم رواياتها، بداية من آدم بيد وميدل مارش ودانيال ديروندا، تعتبر تجسيداً للمشروع الصهيوني البريطاني، من حيث تبنيها فكرة إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديموغرافي داخل وخارج إنجلترا، ولا يختلف عنها تشارلز ديكنز الذي عُرِف عنه تنميطه لشخصيه اليهودي، في روايته الشهيرة «أوليفر تويست»، ففي روايته «صديقنا المشترك» يمحو الآثار النفسية والاجتماعية التي خلَّفَتها الصورة النمطية لشخصية فاغن التي رسمها في أوليفر تويست، ويصور ريا نقيضاً تماماً له، ويجعله ضحية عصور من الظلم العنصري الذي تعرَّض له مع غيره من اليهود.
لكن هذه الصورة التي رسمتها الدكتورة مرسي عن الكتاب والرحالة البريطانيين، نجدها مختلفة عند الروس، على الأقل في رأي الدكتور محمد نصر الدين الجبالي أستاذ الأدب الروسي بكلية الألسن جامعة عين شمس. ففي مداخلته عن «تطوُّر صورة مدينة القدس في الأدب الروسي من القرن العاشر حتى القرن العشرين»، تحدث عن كتابات الرحالة والمبدعين الروس الذين زاروا القدس، ولفت إلى أنهم كانوا يسجلون كل تفصيلة يمرون بها، ما أعطى خصوصية وزخماً كبيراً لها في حكاياتهم، وأشعارهم، وشكَّل دعماً كبيراً للمدينة العريقة، وظل هذا الوضع قائماً حتى رحيل مليون روسي قبل نهاية القرن العشرين بتسعة أعوام، إلى إسرائيل، ما شكل منعطفاً خطيراً في مسار القضية، وكان لكتابات الأدباء منهم تأثير سلبي بين قطاعات الرأي العام في بلادهم، بعدما كانوا من أكثر الداعمين لها، وللحقوق الفلسطينية.
وأشار الجبالي إلى أن تاريخ الأدب الروسي يشير إلى نشأته المرتبطة بالمسيحية، التي دخلت إلى هناك في القرن العاشر الميلادي، وللحجاج الذين زاروا القدس كتابات مهمة لا يمكن إغفالها، فلم تقتصر زيارة الرحالة الروس للقدس، حسب الجبالي، على المسيحيين فقط، بل زارها الحجاج المسلمون أيضاً، وهم في طريق عودتهم من مكة والمدينة، وقدم جميعهم كتابات جعلتها تتمتع بزخم كبير في الأدب والشعر الروسيين، اللذين اكتسيا بكثير من المعاني الروحية النابعة من قِيَم الديانتين الإسلامية والمسيحية، جعلت للمدينة المقدسة ونهر الأردن وبيت لحم وغيرها من مقدسات مكانة مهمة انعكست على موضوعات القصص والمؤلفات الإبداعية، بدءاً من «الحمام»، وهو أقدم كتاب أدبي روسي يتحدث عن القدس، ويصف كنيستها بأنها أم الكنائس.
ولم يتوقف تناول الأدب الروسي للقدس، والرموز الدينية المسيحية، طبقاً لرأي الجبالي، عند حدود القصص وأدب الرحلات فقط، بل تناولتها القصائد والأشعار الدينية التي تعود للقرن الحادي عشر، وتتحدث عن القديسة صوفيا، كما جاء ذكرها في أغاني البلاط، وكثير من القصص القصيرة، ما يشير إلى أن الأرض المقدسة تمتعت بمكانة جيدة في كل الإنتاج الديني والثقافي الروسي عامة.
من جهتها تعرضت الباحثة الدكتورة إيمان إسماعيل أستاذ اللغة التشيكية بكلية الألسن جامعة عين شمس لـ«صورة القدس في النثر التشيكي»، وذكرت أنها في ارتباطها بالنزاع العربي الإسرائيلي لم تكن محطَّ اهتمام بشكل عام، وانحصرت معظم المساحة التي احتلتها المدينة المقدسة في الأعمال النثرية قديماً وحديثاً، بداية من أدب الرحلات ذي البعد الديني في غالبيته، ومروراً بالأعمال الروائية والقصصية ذات البعد الاجتماعي في معظمها، وانتهاءً بالقصص المنقولة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد والموجهةِ بالأساس للأطفال والشباب.
ولفتت إسماعيل إلى أن الأدب التشيكي سجل، بعد ذلك، حضوراً مختلفاً لصورة القدس في إطار تاريخي رمزي متخيَّل، بدا من خلال رواية «ثمانية عشر قدساً» التي صدرت في 1986 للكاتب التشيكي يرشي شوتولا، وتناقش قضية التعصب الديني من خلال ثمانية عشر طفلاً من مدينة فلورين الفرنسية، استطاع أحد الرهبان المتجولين استقطابهم كي يهبوا لنصرة القدس، وتحريره من أيدي «الكفرة». كان لكل واحد منهم حلمه الخاص، لكن ما جمعهم كان الرغبة في تغير الواقع وتحويل الحلم إلى حقيقة. تركوا مدينتهم وذهب بعضهم يجتذبه حلم الثراء والمجد، والبعض الآخر يحدوه حلم الراهب بتحرير المدينة المقدسة.
ويرجع زمن الرواية، والكلام لإسماعيل، إلى عام 1212، ومع تتابع أحداثها يمكن رصد التحولات التي تطرأ على شخصيات الأطفال الذين يفقدون آدميتهم، ويتحولون إلى سفَّاحين متعطشين للدماء، بعد أن قابلوا أناساً ملأهم الحقد والحسد، وأساقفة لا يبالون بالواقع المليء بالمآسي. كانوا يروون أنه لا توجد معجزات في هذا العالم، وأنهم لن يروا يسوع، وأن أفضل ما يمكنهم الوصول إليه هو فرصة عمل في أحد بيوت الدعارة، هذا إن لم يتعرضوا للقتل أو الغرق، وهنا يظهر دور الراهب أرنولف، ويحاول إنقاذهم من المصير المظلم الذي ينتظرهم.
وتلاحظ الباحثة أن أحداث الرواية تحمل قدراً عالياً من الرمزية، تحولت فيه القدس إلى هدف في حد ذاتها، صارت الحلم الوحيد، لكنها ليست قدساً واحدة في نفوس أبطالها من الأطفال. كان كل منهم يحمل قدسه الخاص. وباسمها ارتكب بعضهم جرائم مرعبة. يريد «شوتولا» في النهاية أن يقول إنه يمكننا أن نحمل القدس داخل أنفسنا، لكن ينبغي ألا نرتكب في سبيلها الفظائع. ويحاول وهو يسرد أحداثها أن ينتصر للحياة على حساب التعصب.
وكشفت إسماعيل عن صورة أخرى للقدس في النثر التشيكي عبر أحداث رواية «محبوبتي» التي صدرت 1968 للأديب أرنوشت لوستيج، كتبها أثناء إقامته في الأرض المحتلة عام 1948، وجاء صدورها مباشرة قبل أن يهاجر إلى أميركا.
تحكي الرواية قصة الحرب بين العرب وإسرائيل، ووسط أجوائها يتابع الكاتب علاقة الحب، التي مثلت صلب الحدث، وجمعت بين المراسل الحربي، الشاب داني، والمجندة بالجيش الإسرائيلي ماجدا وايلدروفا، ويشعر القارئ، بمرور الوقت، بقوة تلك العلاقة من خلال الخطابات المتبادَلَة بينهما أثناء الحرب، التي استعاض بها المؤلفُ عن السرد المباشر.
وقد تعرضت معظم النسخ التي صدرت من «محبوبتي» للإتلاف بعد أن رفضتها الحكومة الاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا آنذاك، لأنها لا تتناول علاقة حب بين رجل وامرأة، بل بين البطل وإسرائيل، من هنا قررت إيمان أن المؤلف لم يختر اسم روايته عفويّاً، فقد قصد أن يقول إن المحبوبة ليست إلا إسرائيل الأرض.
وفي دراستها التي كان عنوانها «فلسطين في الأدب الفرنسي»، لفتت الدكتورة رانيا فتحي إلى أن الكتابة عن القضية الفلسطينية شكلت اتجاهاً قوياً بالمشهد الثقافي الفرنسي، وفرضت نفسها على الساحة الأدبية هناك.
واستعرضت فتحي رواية «نجمة شاردة» الصادرة عام 1993 للكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكيزيو، وتدور أحداثها في القدس المحتلة، التي ترفض إستر اليهودية الاستمرار فيها وتقرر العودة إلى فرنسا تضامناً من الفتاة «نجمة» الفلسطينية، التي لم تقابلها سوى مرة واحدة عام 1948، حين يتوقف الزمن ليسجل لحظة خروج نجمة من بلادها، ودخول إستر إليها، ومن خلال أحداثها يشير الكاتب إلى المأساة التي يعيشها أبناؤها، ويرصد في لحظة روائية غاية في الإبداع مشهد لقاء الفتاتين، لكنه في النهاية يساوي بين مأساة اليهود، واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم بعد أن تكبدوا كثيراً من الويلات.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.