علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

رئيس الوزراء الليبي يقول لـ {الشرق الأوسط} إن الحل التفاوضي فشل.. والدولة ستستعيد السيطرة على المرافق النفطية بالقوة إذا لزم الأمر

علي زيدان
علي زيدان
TT

علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

علي زيدان
علي زيدان

قال علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي، إن حكومته ستعمد منذ اللحظة التي تصبح فيها جاهزة إلى إعادة فرض سيطرة الدولة على المنشآت النفطية والغازية في البلاد «بالقوة إذا اقتضى الأمر» من غير إعطاء مهل إضافية لأي أحد لأن المهل لم تنفع و«لن يكون هناك إمهال جديد».
وأفاد زيدان، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» بمناسبة وجوده في باريس للمشاركة في القمة الفرنسية - الأفريقية، إن الإنتاج النفطي معطل بنسبة أربعة أخماس، وإن الدولة الليبية تعيش على رصيدها. لكنه وعد بأن تعود العائدات النفطية قريبا.
وأكد رئيس الوزراء الليبي أن لا خوف على وحدة البلاد من المطالب الفيدرالية أو الجهوية، معتبرا أن أكبر تحديين تواجههما حكومته هما السلاح بأيدي الميلشيات ووجود مجموعات دينية جهادية مسلحة ومن جنسيات مختلفة.
وشرح زيدان الخطة التي تطبقها الحكومة للانتهاء من حكم الميليشيات، داعيا إلى إعطائها الوقت الكافي لأنها بصدد إنشاء جيش وشرطة وجهاز إداري بعد «التدمير الممنهج» الذي اعتمده نظام العقيد معمر القذافي. وتوجه زيدان لليبيين بالقول إن الأوضاع الأمنية في البلاد وأوضاع الإدارة ستتحسن في الأشهر الثلاثة المقبلة.
وفيما يلي نص الحوار:
* هل لديكم مخاوف على وحدة ليبيا فيما تتزايد المطالب الفيدرالية والنزاعات الجهوية والمناطقية؟
- لا توجد مخاوف على وحدة ليبيا. هي في مأمن من الانفصال والفيدرالية لأن من رفع راية الفيدرالية فئة قليلة من منطقة برقة (المنطقة الشرقية) وهي فئة محدودة جدا. صحيح أن أبواب الإعلام ومنها الفضائيات فتحت أمامها وما يسمع فيها يمكن أن يكون له تأثير مباشر على فكر العامة والجمهور. لكن أؤكد لك أنه لا توجد في ليبيا مخاطر على وحدتها ولا من قيام الفيدرالية لأن من قدموا خيار الفيدرالية لم يكونوا بقدر من الأهلية حتى يقنعوا الليبيين بأفكارهم. لقد حاولوا تسويق فكرتهم. بيد أنه كان لها أثر سلبي إذ عرف الليبيون أن من يروجون لهذه الفكرة ليسوا ذوي قدرة أو رؤية أو فكر يؤهلهم لأن يقوموا بهذه المهمة وأن يقودوا البلاد إلى الفيدرالية.
* ولكن ما هي الدوافع العميقة لدعاة الفيدرالية؟
- الدوافع مختلفة منها الشخصي إذ أن هناك فئات انتهازية وأخرى رسخها الجهل وغياب العمل السياسي إذ علينا ألا نتجاهل أن السياسة غابت عن الفكر والممارسة الليبيين لفترة طويلة. كما أن هناك رؤى لأناس ينتمون لأطراف المجتمع القبلي ويريدون من خلال هذه الطروحات إيجاد مكان لأنفسهم. وباختصار هناك طموحات شخصية وطموحات لمجموعات. ولدينا قناعة بأن هذه الأفكار لم ترق لإقناع حتى واحد في المائة من الشعب الليبي بمشروع الفيدرالية.

* الميلشيات المسلحة

* بعد أكثر من عامين ونصف عام على سقوط نظام القذافي، ما زالت ليبيا تعاني من مشاكل أمنية مختلفة ولم تستطع الحكومة حتى الآن الإمساك بالوضع الأمني في الشرق والغرب والجنوب، في الداخل وعلى الحدود. لماذا هذا التأخر؟ وما هي كلمة السر في ذلك؟ لماذا لم تنجحوا حتى الآن في فرض هيبة الدولة؟
- ليست هناك كلمة سر بل واقع يعرفه الجميع. الكثير من النخب العربية نظرت «في الماضي» إلى نظام القذافي على أنه نظام قومي، ثوري وتقدمي. وكانوا يتعاطون مع ليبيا من زاوية ما يدفع من أموال لممالأة القذافي والترويج لنظامه. ولكن الحقيقة أن ليبيا عاشت 42 سنة من التدمير الممنهج المركز الذي طال الإنسان في عقليته ونفسيته وتعليمه وصحته وعمله وأدائه، فأصبح إنسانا اعتراه الكثير من الدمار. أما الأمر الآخر فهو أن فترة الـ42 عاما غيبت ليبيا كلية عن العالم فأصبحت دولة معزولة. وكل ذلك أفضى إلى وجود بلد مدمر وما زاد في تدميره الكيفية التي حصلت فيها الثورة الليبية والتي أيضا أحدثت الكثير من الدمار وأوجدت وضعية سيئة بسبب انتشار السلاح في أيدي الناس، المؤهل أو غير المؤهل. وأنا لا أعتقد أن هناك أحدا مؤهلا لحمل السلاح إلا من تأهل لذلك بقوة القانون سواء كان في إطار الجيش أو الشرطة. ولا بد أن نضيف «لعوامل الإرباك» الحالة النفسية التي ترتبت على الثورة وما نتج عنها. ولذا، فإن كل هذه الأمور، المربوطة ببعضها البعض، أفضت إلى هذه الوضعية.
أنا كشخص عرفت هذا المشهد من داخله ومارست إدارته وما أراه حاصلا الآن أقل مما كنت أتوقع. رغم الصعوبات، نحن حققنا نجاحات كثيرة. فقد حافظنا على وحدة ليبيا ونجحنا في المحافظة على الثورة وحمايتها من أي اندحار. ولا يتعين أن يغيب عن ذهننا أن ليبيا دولة محاربة من المجموعات الإسلامية التي اجتاحتها بالسلاح والأفكار الجديدة المتطرفة التي الآن تشكل تحديا كبيرا للحكومة والشعب الليبيين.
أنت تعلم أن ليبيا، منذ بداية الثورة، رسا خيارها على الديمقراطية في بيئة متموجة يغلب عليها الاستقطاب والتمحور السياسي. وواضح أن خيارا كهذا هو بمثابة تحد لا تتوافر له إمكانيات النجاح والاستمرار. لكن الليبيين أصروا عليه ويحاولون أن يسيروا في هذه الظروف الاستثنائية بالديمقراطية وأدواتها. وهذا أيضا من العوامل التي جعلت الأمور تتقدم ببطء. ورغم ذلك وما أريد أن أؤكده لك أن الإرادة الليبية التي أخرجت أهل بنغازي ليقولوا للكتائب «المسلحة» لا وليواجهوها بصدورهم العارية والتي أخرجت جماهير طرابلس لتواجه الكتائب حيث قتل نحو خمسين شخصا في ظرف ساعة واحدة، من أجل أن يقولوا لا للكتائب ولا للسلاح، ونعم لدولة القانون واستقلال القضاء ولدولة الحقوق والحريات الأساسية. هذه القوى الكامنة التي تتفجر من وقت لآخر في ليبيا، أراها قادرة على اجتياز الظروف الصعبة.
نحن كحكومة تسلمنا الواقع الجديد وليس لدينا جيش أو قوى أمنية وليست لدينا إمكانيات السيطرة على الشارع. ونحن الآن ومنذ أكثر من سنة نجهد ونقاوم رغم أن الأمور وصلت إلى حد اختطاف رئيس الوزراء وإلى احتجاز رئيس الدولة أي رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) ويطلق عليه الرصاص. ورغم ذلك ما زلنا عند إصرارنا والاستمرار في العمل للوصول إلى الهدف المنشود.
كل هذه المؤشرات تدل على أنه في هذا الوطن إرادة قادرة على تجاوز الواقع. الإشكالية الآن عند الكثير من الناس أنهم يتفرجون على ليبيا فرجة مشاهد المسرح. يريد أن يرى المشهد الذي يحلم به في ذهنه ونحن نعيش في هذا المسرح ونمارس عمليا الأدوار ونعرف المدى الذي نكافح فيه ونكابد من أجل أن نصل إلى تحقيق النجاحات.
* ما الذي ينقصكم لتحقيق الأهداف التي تسعون إليها وأولها الأمن؟ هناك رغبة شعبية بوجود الدولة وأجهزتها الأمنية والاستقرار. ما المطلوب لتكونوا قادرين للاستجابة لمطالب الشعب؟
- ما ينقصنا هو أننا لم نستطع بعد تكوين الدولة وسياجها أي الجيش والشرطة. ونحن بدأنا حقيقة بتكوينهما قبل أربعة إلى خمسة أشهر فقط. قبلها قمنا بمحاولات كثيرة. بيد أننا لم نستطع التوصل للهدف بسبب وجود إشكالية في موضوع قيادة الجيش وكان لدينا رئيس أركان لم ينجح في التقدم خطوة واحدة ثم حصل تغييره وجاء رئيس أركان جديد ولكن، إلى الآن، أداؤه ليس بالكيفية التي نتمناها. ولدينا وزير دفاع «جديد» منذ ثلاثة أشهر. إذن، نحن في مسار يقتضي منا أن يكون أداؤنا أداء ساسة من طراز خاص يقومون بمهامهم بكفاءة وجدارة. لكننا نشكو كذلك من جهاز إداري هزيل. واقتضت الثورة أن نستبعد الكثير من الموظفين الذين كانوا يعملون تحت النظام السابق بموجب قانون النزاهة. ثم جاء قانون العزل السياسي. ومن قام بالثورة يرى في ذلك ضرورة حتمية للمحافظة عليها. وبالتالي، هذا الأمر الذي نعيشه الآن هو أننا دولة ليس لديها جيش أو شرطة أو جهاز وظيفي قادر، وبالتالي نحن نحتاج لتدريب الجيش والشرطة وفي الوقت نفسه علينا أن نتوصل إلى تشكيل فريق إداري يقوم بتسيير شؤون الدولة. وكما ترى، كل ذلك معوقات إلى جانب المعوقات التي يسببها وجود السلاح في الخارج. نحن أشبه بمن يحاول إطفاء الحرائق في بيئة تشب فيها حرائق في كل مكان، وبالتالي نحن في مواجهة التعطيل. لكن أعود وأؤكد لك مجددا أننا وصلنا إلى المرحلة التي خرج الشعب بكامله ليقول للكتائب لا، وللمطالبة بالجيش والشرطة. وسنرى خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إن شاء الله، تغيرا واضحا في المشهد الأمني في البلاد وفي عملية إدارة الدولة.
* هل يعني ذلك أنكم تعدون الليبيين بتغير أحوالهم خلال ثلاثة أشهر؟
- ليست هذه وعودا بل استقراء للواقع المعاش. أنا لا أستطيع أن أعد بل أن أبذل الجهد وأستقرئ الأمور وأن أتوقع. الوعود مسألة أخرى.
* هل وجدت حلا أو تصورا للميليشيات والمجموعات المسلحة المنتشرة في كل مكان بما في ذلك العاصمة طرابلس؟
- نحن الآن بصدد تفكيكها. تشكل لجان يوميا واليوم (أول من أمس) شكلت لجنة لتصفية الميليشيات أو المجموعات المسلحة في بنغازي. وقبل أيام شكلت لجنة في طرابلس ونجحت في إخلاء 12 مقرا للكتائب والعملية مستمرة. الحل في إخراج الميليشيات من المدينة ثم النظر في عملية تجريدها من السلاح ثم استيعاب أعضائها في صفوف الجيش والشرطة. ويوم السبت المقبل (اليوم) ستسافر دفعة من نحو 500 شخص إلى تركيا من أجل التدريب العسكري وبعدها ستسافر دفعة أخرى إلى إيطاليا. والآن، يعد نحو 700 شخص للتدرب في البلاد ثم بعد شهرين يرسلون إلى فرنسا للتأهيل في صفوف الشرطة. نحن نسير بخطة حثيثة في استيعاب الثوار في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وبعض المؤسسات المدنية. ومن جانب آخر نسعى لنزع السلاح من الميليشيات. واضح أن كل هذه المسائل تحتاج إلى وقت. أذكر أن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين جاءنا في بداية فبراير (شباط) الماضي وأول كلمة قالها هي أنه علينا التحلي بالصبر وينبغي أن نقيس الزمن بوحدة قياسنا وليس بوحدة قياس العالم الآخر وما يقوم به الآخرون في يوم واحد، نحن نحتاج لإنجازه شهرا كاملا لأن ظروفنا صعبة. وحقيقة نحن نعيش هذه الظروف ونحاول برؤية واقعية أن نتجاوزها. صحيح الشعب مستعجل ولكن الوقت عامل أوجد في هذا الكون ولا نستطيع أن نتجاوزه إلا بمقدراتنا.
* أنا أفهم الصعوبات التي تواجهونها وكما عرضتموها. ولكن، في تصوركم، ما هو الخطر الداهم الذي تواجهه ليبيا اليوم؟ هل مجموعات أنصار الشريعة؟ هل المجموعات السلفية؟ هل المطالب الجهوية؟
- وجود السلاح خارج أيدي الجيش والشرطة هو الأخطر. وفي المقام الثاني هناك وجود مجموعات يمكن تسميتها دينية أو متطرفة أو سمها ما شئت، هي متوزعة في البلاد، أعدادها غير معروفة ومن جنسيات مختلفة، وهي متمركزة في أماكن معروفة من قبل الدولة وهي تمتلك السلاح. وهذه بالطبع تمثل خطرا. والأمور الأخرى، غير هذين الأمرين، طبيعية ولكنها تحتاج لوقت لتجد حلولا لها. لكنها ليست الخطر الأكثر ضررا على البلاد.
* قبل يومين، كنت في بنغازي ودرنة ووعدت بإدخال قوات الجيش سريعا إليهما. متى سيجري ذلك؟
- لقد صدرت الأوامر لوزارة الدفاع ولوزارة الداخلية من أجل إدخال الجيش والشرطة لبنغازي. الأوامر صدرت من الحكومة والمسألة الآن مسألة ترتيب ونأمل أن يحصل ذلك في أسرع وقت.
* هل في نهاية الأسبوع مثلا؟
- نأمل ذلك.
النفط والكهرباء
* لقد اشتكيتم أكثر من مرة من أن القطاع النفطي في ليبيا وهو العمود الفقري لاقتصادها رهينة فئات هنا وهناك وهنالك. كيف هو حال الصناعة النفطية الليبية اليوم؟
- الصناعة النفطية الليبية متوقفة تماما اليوم.
* أي لا وجود لعمليات تصدير بتاتا؟
- ربما نحن اليوم في خمس الإنتاج النفطي وبعض العمليات التصديرية. وهذه المسألة سببها خيانة حرس المنشآت النفطية الذين كلفوا بحمايتها وغدروا بالوطن واستولوا عليها.
أنت تعلم أنه يحكمنا مجتمع قبلي وتعقيدات اجتماعية. ورأى المؤتمر الوطني العام أن يعالج هذه المسألة بنفسه من خلال لجنة أزمة وأخذت هذه اللجنة فترة من الزمن وبعد ذلك أعيد الملف إلى الحكومة وهي الآن أعطت مهلة «للذين وضعوا أيديهم على الصناعة النفطية» وهي بصدد تجهيز نفسها لمواجهة هؤلاء الناس وإخراجهم.
* هل ستخرجونهم بالقوة؟
- إذا اقتضى الأمر، الجواب هو نعم.
* هل هناك مهلة زمنية، أو إنذار؟
- لا نستطيع أن نوجه إنذارا لأي أحد. ما تتجه إليه الحكومة هو أن تتوافر لها الجاهزية، ونأمل أن يكون ذلك سريعا وعندها ستبادر إلى هذا الأمر سريعا ومن دون إمهال إذ أننا أمهلناهم كثيرا ولن يكون ثمة إمهال جديد.
* يعني ذلك أن الحل التوافقي لم يعد مطروحا؟
- الحل التوافقي طرحناه كثيرا ومرارا ولكن هؤلاء الناس لم يرعووا. وهم يرون في موقفنا ضعفا من الدولة والحكومة، وضعفا من الشعب، وبالتالي نحن لن نتوانى عندما نجد أن الوقت مناسب في فرض إرادة الدولة على من يخالف القانون.
* هل تشعرون اليوم أن لديكم القوة الكافية والإمكانيات المادية والعسكرية واللوجستية لإعادة فرض سلطة الدولة على المنشآت النفطية؟
- ليس لنا خيار آخر. هذا من واجبنا ولا بد لنا من أن نقوم بهذا الواجب.
* كيف تعمل الدولة الليبية من غير عائدات نفطية؟
- نعمل بما لدينا الآن من رصيد ولكن نأمل أن تعود إلينا قريبا العائدات النفطية.
* وماذا عن القطاع الكهربائي وهو الآخر شبه معطل؟
- هذا متعلق بالنفط والغاز لأن المحطات الكهربائية إما تعمل بالديزل أو بالغاز وفي حال النقصان تتوقف الكهرباء ومن أوقف النفط أوقف بالفعل نفسه الكهرباء. حال الكهرباء ليست جيدة اليوم لكن الحد الأدنى متوافر.

* الدستور

* أين أصبح الدستور؟
- إجراءات انتخابات لجنة الدستور مستمرة على قدم وساق ومتى ستنتخب اللجنة سينتخب الدستور.
* متى انتخاب اللجنة إذا؟
- نأمل في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل. المؤتمر الوطني العام شكل الهيئة العليا للانتخابات وهي تمارس أعمالها وفق القانون الذي صدر بإنشائها. وهذه الهيئة هي التي ستدعو إلى انتخاب لجنة كتابة الدستور.
* هل هناك، وفق تصوراتكم، مهلة زمنية محددة ستعطى للجنة من أجل كتابة الدستور أم ستعمد إلى استشارات واسعة قبل ذلك؟
- هناك خارطة طريق موجودة وفق الإعلان الدستوري المؤقت الذي تدار به الدولة، والذي انتخب بموجبه المؤتمر الوطني العام وشكلت الحكومة وصدر قانون تشكيل المفوضية العليا للانتخابات ووضع قانون لجنة كتابة الدستور. نحن نلتزم بخارطة الطريق.
* متى تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام؟
- لم تحدد مهلة معينة للمؤتمر الوطني العام. ولكن هناك حرص من المؤتمر الوطني العام ومن الشعب في الانتهاء من المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن، وثمة رغبة وإرادة في تسريع عملية الانتخابات وكتابة الدستور لأن الجميع يريد أن يخرج من المرحلة الانتقالية والانتهاء من الاحتقان الموجود في الشارع.
* ما هو تعريف أقرب وقت ممكن؟
- نعني بذلك ألا يتجاوز فترة ستة أشهر أي حتى منتصف العام المقبل أو نهايته. حتى لو افترضنا أن الأمور ستمتد لنهاية العام المقبل فليس ذلك بالكثير لأننا نريد تأسيس شيء في خضم أزمة طاحنة وللمستقبل ونحن كأمة شرقية عربية ننسى أن الوقت عامل ينبغي أن يراعى ويعتبر، وننسى أن عملية الإتقان مسألة ضرورية ينبغي أن تراعى، وأن الوقت لا يمكن تجاهله وإغفاله. حماس الجماهير والثائرين شيء مهم ولكن تجاوز الحدود يفضي إلى الاندفاع. الأهم هو الحصول على منتج جيد وللمستقبل. ولو حدث أي انقطاع في المسار الانتخابي الآن وأردنا أن نعاود الأمور من جديد، لامتد الوقت ربما إلى ثلاث سنوات أخرى.
* لو أخذنا بالاعتبار ما أشرتم إليه، لماذا الإسراع في إعلان أن الدستور والقوانين ستستوحى من أحكام الشريعة الإسلامية؟ ما هي خلفية ما صدر عن المؤتمر الوطني؟
- الآن، هناك الكثير من المجموعات التي تقول إنها تريد تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. الشعب الليبي ليس مختلفا على ذلك والكل يقول إن الشعب الليبي مسلم مائة في المائة. ونحن جميعنا ليست لدينا مشكلة في أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع.
* لكن البيان يقول بـ«مصدر التشريع» وليس «المصدر الرئيس»؟
- ما يصدر عن المؤتمر الوطني العام إجراءات مرحلية آنية مؤقتة. عندما سيكتب الدستور وينتخب البرلمان وتشكل حكومة دائمة، فإن البرلمان سيكون صاحب الصلاحية في تعديل الدستور «وفق ما يراه». قضية كتابة الدستور تتطور مع الأيام وكل مرحلة لها مقتضياتها وظروفها قد تقتضي اتخاذ قرارات ولكنها قابلة للمراجعة في أي وقت وهي إذن غير نهائية. لكن أعيد وأؤكد أن الشعب الليبي بأكمله لا يرى مشكلة في أن يكون الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع لأن المنطق وطبيعة الأشياء تفترض ذلك. لكن أن نقول المصدر «الوحيد» للتشريع مسألة يختلف الليبيون حولها.
* قبل أسابيع حصل اجتماع في المغرب حول أمن الحدود في ليبيا. وأنا أذكر أن اجتماعا آخر سبقه في باريس بداية العام الجاري حول الموضوع نفسه علما بأن هناك شكوى من الغربيين ومن غيرهم حول انفلات الحدود في ليبيا. كيف تردون على من يطرح هذه المشكلة عليكم؟
- مسألة الحدود إقليمية ودولية تقتضي من الجميع التعاون من أجل التغلب عليها إذ أنها تتناول موضوع الهجرة غير الشرعية وتجارة المحرمات من أسلحة ومخدرات ورقيق. كل هذه المسائل ذات طابع دولي وهي بحاجة لتعاون جميع الدول. وليبيا تحتاج للمساعدة لوجستيا واستشاريا وجميع أنواع المساعدات لأنه إذا أراد الأوروبيون أن يحموا بلدانهم من الهجرة غير الشرعية وغيرها ينبغي أن يبذلوا جهدا ومالا من أجل أن نتعاون جميعا للتغلب على هذه المعضلة.
* ألم يستجيبوا لما تطلبه ليبيا؟
- الاستجابة تبقى من دون المستوى المطلوب.
* الفرنسيون يقولون: إنهم منفتحون على أي طلبات ليبية؟
- صحيح. لكن هذا الانفتاح ما زال من دون حاجاتنا.
* ماذا تريدون تحديدا؟ تجهيزات، معدات، تدريب، رقابة إلكترونية...
- المطلوب معدات وخبرات وتدريب وأموال، وتزويدنا بآلات عالية التقنية حتى نستطيع أن نتجاوب مع هذا الأمر.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل على عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار والمتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام» عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها بملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة لا يزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران- إسرائيل- أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، السلاح، أو الشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.