«عام التحولات» في «تيسلا» يواجه طريقاً مسدوداً

يصفها البعض بعملاق المستقبل في مجال السيارات الكهربائية

في غضون خمس ساعات فقط، سحبت «تيسلا» 123 ألف سيارة «سيدان» من طراز «موديل إس» جرى تصنيعها قبل أبريل (نيسان) 2016
في غضون خمس ساعات فقط، سحبت «تيسلا» 123 ألف سيارة «سيدان» من طراز «موديل إس» جرى تصنيعها قبل أبريل (نيسان) 2016
TT

«عام التحولات» في «تيسلا» يواجه طريقاً مسدوداً

في غضون خمس ساعات فقط، سحبت «تيسلا» 123 ألف سيارة «سيدان» من طراز «موديل إس» جرى تصنيعها قبل أبريل (نيسان) 2016
في غضون خمس ساعات فقط، سحبت «تيسلا» 123 ألف سيارة «سيدان» من طراز «موديل إس» جرى تصنيعها قبل أبريل (نيسان) 2016

في فبراير (شباط)، أعلنت «تيسلا» أن عام 2018 سيكون بمثابة «عام التحولات بالنسبة لنا». ومع هذا، يبدو أنه حتى اليوم، لم تكن التحولات التي عاينتها الشركة من النمط الذي داعب مخيلتها.
كانت أسعار أسهم الشركة قد مُنِيَت بانتكاسة كبيرة في أعقاب وفاة شخص داخل سيارة طراز «تيسلا» موديل «إكس» بعدما تعرضت لحادث واشتعلت بها النيران في 23 مارس (آذار).
ومن ناحيتها، أقدمت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، الثلاثاء، على خفض التصنيف الائتماني للشركة، مشيرة إلى أن «تيسلا» تنفق ملياري دولار سنوياً ويتعين عليها جمع مزيد من الأموال.
صباح أول من أمس (الخميس)، خفض المحلل روميت جيه شاه، الذي يعمل لدى مؤسسة «نومورا إنستينيت»، ويعتبر المتابع الأكثر تفاؤلاً لـ«تيسلا»، من توقعاته لسعر سهم الشركة إلى 420 دولاراً، ما يعكس خفضاً بقيمة 80 دولاراً. وقال خلال مقابلة أجريت معه اليوم ذاته: «ما دام بمقدورهم تجنب سحب السيارات على نحو يضر بسمعة علامتهم التجارية، أعتقد أنهم سينجحون في الصمود».
بيد أنه في غضون خمس ساعات فقط، سحبت «تيسلا» 123 ألف سيارة «سيدان» من طراز «موديل إس» جرى تصنيعها قبل أبريل (نيسان) 2016، وذلك في أعقاب اكتشاف أن المزالج الصدئة في أنماط الطقس البارد من الممكن أن تتسبب في خلل بعمل عجلة القيادة. ويغطي قرار سحب السيارات ما يقرب من نصف السيارات التي باعتها «تيسلا».
من جهتها، أعلنت الشركة أنها عملت على نحو احترازي، وأن هذا الخطأ لم يسفر عن أي حوادث أو إصابات.
من ناحية أخرى، وبعد يومين من التراجع الحاد، أغلق سهم «تيسلا» عند مستوى 266.13 دولاراً، الخميس، بارتفاع بنسبة 3.3 في المائة. إلا أن قرار سحب السيارات قضى على هذه المكاسب في غضون ساعات.
وخلف هذا كله يقف إلون موسك، رجل الأعمال الذي لا يهدأ وصاحب الرؤية التي ألهبت خيال المستثمرين على مختلف الأصعدة - من قطارات الأنفاق فائقة السرعة إلى سفن الفضاء المتجهة إلى المريخ.
ومع ذلك، يواجه موسك صعوبة واضحة في مهمة تصنيع سيارة ركاب هنا على الأرض. ويرى بعض المحللين أن الأخطاء الإنتاجية التي وقعت على امتداد العامين الماضيين تكشف أن موسك قوض مصداقيته من خلال طرحه المستمر لوعود مبالغ فيها.
على سبيل المثال، في مايو (أيار) 2016 قال إن «تيسلا» سوف ترمي لإنتاج ما بين 100 ألف و200 ألف سيارة من نموذج «موديل 3» خلال النصف الثاني من عام 2017. ومع ذلك، تكشف الأرقام أن مجمل مبيعات «موديل 3» خلال هذه الفترة بلغ 1770 سيارة فقط.
بعد ذلك، في أغسطس (آب) 2017 قال موسك: «سنبقى على الطريق نحو إنجاز 5000 وحدة أسبوعياً بحلول نهاية هذا العام»، مضيفاً أن «ما يجب أن يكون الجميع على ثقة تامة منه أن (تيسلا) سوف تنتج 10 آلاف وحدة أسبوعياً بحلول نهاية العام المقبل». وبحلول أكتوبر (تشرين الأول)، قال موسك إن ثمة صعوبات كبرى وإن التوقعات الحالية من جانب الشركة تشير لإنتاج 5 آلاف سيارة «موديل إكس» أسبوعياً بحلول نهاية يونيو (حزيران). ولا يزال المستثمرون في انتظار رؤية النتائج الفعلية على أرض الواقع.
من ناحيتها، شرحت «موديز» في إطار إعلانها عن تخفيض التصنيف الائتماني للشركة أن «الإرجاء المستمر لعمليات الإنتاج من جانب الشركة منذ إطلاق (موديل 3) يشكل انحرافاً كبيراً عن التوقعات الأولى».
وأضافت الوكالة أن «قدرة (تيسلا) على تلبية مستويات الإنتاج الأسبوعية المستهدفة من جانبها والبالغة 2500 بحلول نهاية مارس و5000 بحلول نهاية يونيو، ستشكل عاملاً محورياً في تقييم القدرات التصنيعية للشركة، ومصداقيتها فيما يخص تحقيق التوقعات المرتبطة بالإنتاج».
جدير بالذكر أنه في أكتوبر 2016 ومارس 2017، عمد موسك إلى التقلقل من احتمالية أن تحتاج «تيسلا» إلى جمع أموال لتمويل توسعاتها. ومع هذا، انتهى الحال بالشركة إلى جمع 3 مليارات دولاراً عام 2017، يعتبر أكثر من نصفها اليوم سندات مصنفة على أنها رديئة.
بالنسبة لبعض المستثمرين، تعتبر «تيسلا» نموذجاً كلاسيكياً على المبالغة. كانت الشركة قد تأسست عام 2003، ولم تحقق أرباحاً. واعتمدت الشركة بشدة على خطة وضعتها كاليفورنيا للوصول بالانبعاثات الكربونية إلى مستوى الصفر، والتي أثمرت عام 2017 عن إعانة وصلت إلى 280 مليون دولار. ورغم كل الضجة المثارة حول موسك، تشير الأرقام إلى أن «تيسلا» باعت 50.145 سيارة فقط العام الماضي، ما يمثل 0.29 في المائة فقط من مجمل سوق السيارات الأميركية. ومع هذا، بلغ معدل رسملة السوق (market capitalization).
حتى بعد أسبوع سيئ من التداول، ما يقل قليلاً عن «جنرال موتورز» التي باعت العام الماضي 3 ملايين سيارة داخل الولايات المتحدة - وحصلت على 12.8 مليار دولار.
الملاحظ أن عائدات «تيسلا» المتنامية بسرعة، 11.7 مليار دولار العام الماضي، كانت الحافز وراءها تخفيضات ضريبية سخية على المستوى الفيدرالي، وكذلك على مستوى الولايات، إلا أن مستثمرين يعتقدون أنه حال رفع الدعم الضريبي، مثلما حدث في جورجيا وهونغ كونغ والدنمارك، ستتراجع مبيعات «تيسلا».
ورغم أن مشروع القانون الضريبي الذي وقعه الرئيس دونالد ترمب أبقى على ائتمان ضريبي فيدرالي بقيمة 7500 دولار لعمليات شراء سيارات كهربية، فإن الائتمان الضريبي يبدأ في الانحسار بمجرد بيع الشركة 200 ألف سيارة كهربية - مستوى تعتقد كل من «تيسلا» و«جنرال موتورز» أنهما ستصلان إليه هذا العام. ومن شأن ذلك ليس فقط تقليص الحوافز لشراء سيارة «تيسلا» أو «جنرال موتورز»، وإنما كذلك سيضع الشركتين في وضع ضعيف على الصعيد التنافسي في مواجهة منافسين مثل «بي إم دبليو» و«فولكس فاغن» و«فولفو»، وجميعهم أقل كثيراً عن هذا المستوى.
وفي الوقت الذي تتحرك «تيسلا»، وإن كان ببطء، نحو تعزيز قدراتها، فإن «موديز» تحذر من منافسة وشيكة داخل سوق السيارات الكهربية.
جدير بالذكر أنه من المقرر أن تطرح شركات تقليدية بمجال إنتاج السيارات 36 سيارة كهربية جديدة على الأقل بحلول عام 2021. وأضافت الوكالة أن «تيسلا» «لا تمتلك أي ميزة تكنولوجية مستدامة، ومن المحتمل أن تتوافر جميع التكنولوجيات الموجودة في سيارات تيسلا (أو تكنولوجيات أخرى على ذات القدر من الفاعلية) لدى المنافسين».
ومع ذلك، يرى البعض أن «تيسلا» تُعتَبَر عملاق المستقبل في مجال التكنولوجيا. جدير بالذكر أن شاه، الذي يتولى متابعة أخبار «تيسلا» لحساب مؤسسة «نومورا إنستينيت»، يعمل محللاً بمجال التكنولوجيا وليس محللاً معنياً بصناعة السيارات. وقد عقد مقارنة بين «تيسلا» و«إنتل» في تسعينات القرن الماضي، عندما كانت هناك أزمة في المعالجات الدقيقة تمكنت «إنتل» من حلها.
وأعرب شاه عن اعتقاده أن انجذاب المستهلكين نحو نموذج سيارات جديد من «تيسلا» - مع اصطفاف الآلاف بالساعات لدفع مبالغ مقدماً لحجز سيارات تنتمي للنموذج الجديد من «تيسلا» - يضاهي اهتمام المستهلكين بالنماذج الأولى من «آي فون».
وبذلك نجد أن شاه يقارن «تيسلا» بـ«آبل» و«إنتل» و«نفيديا» و«غوغل»، وليس «فورد» أو «جنرال موتورز». وقال خلال مقابلة أُجرِيَت معه: «أراهن على إلون، فهو الشخص الذي دشن شركتين في مرحلة مبكرة تعملان بمجال الإنتاج الصناعي عام 2008 وحقق مجمل رسملة سوق تجاوزت 60 مليار دولار»، وأضاف أن إلون يعمل تحت قيادته اليوم 37 ألف موظف، يبدي الكثيرون منهم استعدادهم للحصول على نصف مستحقاتهم في صورة أسهم.
وقال شاه: «ينبع جزء من حماسنا تجاه (تيسلا) من العلامة التجارية ذاتها، فهي علامة تجارية استثنائية».
علاوة على ذلك، يؤمن شاه بأن «تيسلا» تتمتع بالفعل بميزة تكنولوجية، رغم التقييم الذي أعلنته وكالة «موديز». وذكر أن البطاريات التي تصنعها «تيسلا» داخل مصنعها في نيفادا أكثر تقدماً بكثير عن المستوى المألوف بين البطاريات الأخرى، ما يمنح سيارات «تيسلا» مدى أكبر، وربما يساعدها على خفض أسعارها مستقبلاً. وأكد شاه أن «المركز الريادي الذي تحظى به (تيسلا) سيزداد قوة في المستقبل».
ومع ذلك، ثمة شكوك تبقى قائمة؛ فعلى سبيل المثال، من الملاحظ أن عدد عمليات البيع قصير الأجل مرتفع على نحو غير معتاد، مع مراكز تكافئ 22.53 في المائة من الأسهم الممتازة.
من جانبه، يمتلك موسك 19.9 في المائة من أسهم الشركة، لكن خلال الشهور الأخيرة باع بعض من كبار حاملي الأسهم الآخرين ما بحوزتهم من أسهم. جدير بالذكر أن «تويوتا» باعت جميع أسهمها الصيف الماضي، وفي أواخر العام الماضي باعت «ويلينغتون منيدجمنت»، شركة استثمارية خاصة، تقريباً كامل حصتها، في الوقت الذي قلص آخرون من عدد الأسهم التي بحوزتهم. أما على صعيد المشترين، فنجد «غولدمان ساكس» كانت الضامن لأسهم «تيسلا». والملاحظ كذلك أن «تيسلا» خسرت بعض كبار مسؤوليها التنفيذيين، بينهم المسؤول المالي ورئيس الموارد البشرية ومسؤولين تنفيذيين رفيعي المستوى بمجال تكنولوجيا البطاريات، وكذلك اثنين من مؤسسي «سولار سيتي»، شركة الألواح الشمسية التي تعاني حالة من التردي، وأنفقت «تيسلا» 2.6 مليار دولاراً على شرائها عام 2016.
تجدر الإشارة إلى أن مؤسسي «سولار سيتي» أبناء عمومة موسك. وقد رفع حاملو أسهم الأقلية الرافضون لهذه الصفقة دعوى قضائية ضد الرئيس التنفيذي لـ«تيسلا» ومجلس إدارتها.
ورغم أن المتخصصين المعنيين بتقييم السيارات عادة ما يمنحون «تيسلا» تقييماً رفيعة، تبقى الهندسة المالية للشركة من النقاط المثيرة للقلق، ذلك أنه بجانب إنفاق ما يصل إلى ملياري دولاراً نقداً، تحمل الشركة على عاتقها ديوناً بقيمة 230 مليون دولاراً أصبحت مستحقة أواخر عام 2018، علاوة على 920 مليون دولاراً ستصبح مستحقة نهاية عام 2019، حسبما أفادت وكالة «موديز».
واستطردت الوكالة موضحة أن «تيسلا» تملك 3.4 مليار دولار نقداً، لكن مواردها «لن تكون كافية لتناول احتياجاتها على صعيد النقد خلال الفترة المقبلة». وأضافت: «نتوقع أن تحتاج الشركة إلى دخول أسوق رأس المال لجمع رؤوس أموال كبيرة في المستقبل القريب».
من بين المؤشرات المثيرة للقلق أن حسابات «تيسلا» الواجب دفعها للموردين قفزت من نحو مليار دولاراً من عامين إلى ما يقرب من 2.5 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2017، ما يتجاوز بكثير حجم الأموال التي تدين بها مؤسسات أخرى لـ«تيسلا».
وإذا ما حافظت الشركة على وتيرة التوسع المتوقعة لها، فإنها ربما ستحتاج إلى جمع رؤوس أموال إضافية خلال عام 2019 لتمويل نمو «موديل 3» وتطوير سيارتين جديدتين أعلن عنهما موسك - سيارة كهربية شبه شاحنة و«موديل واي» الجديد.
بيد أنه في الوقت الراهن، ينصب التركيز على «موديل 3»، سيارة تتسم بانخفاض سعرها لدرجة تصل إلى 35 ألف دولار (وإن كان غالبية المعنيين بتقييم ومراجعة السيارات قادوا النسخة التي يبلغ سعرها 59 ألف دولار وتتميز بسمات إضافية).
وقد أقدم نحو 400 ألف شخص على دفع ألف دولار مقدماً لشراء السيارة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت «تيسلا» سوف تتمكن من الاستحواذ على حصة أكبر من سوق السيارات الموجهة لأصحاب الدخول المتوسطة. وبالطبع، لن يكون هذا ممكناً قبل تمكن الشركة من التغلب على بعض المصاعب الإنتاجية. من ناحيتها، تتوقع «موديز» أن «تيسلا» سوف تنتج ما لا يزيد على نصف عدد سيارات «موديل 3» الذي كانت قد وعدت بإنتاجه عام 2018.
ومن بين المنافسين المحتملين «بولت إي في» من «شيفروليه»، كانت «جنرال موتورز» قد باعت 23 ألف سيارة من طراز «بولت» عام 2017، رغم أنها طرحت للبيع في جميع الولايات الـ50 بعد منتصف العام. وتعتبر هذه السيارة الوحيدة بخلاف «تيسلا» التي كسرت حاجز المائتي ميل. واللافت أنها تحقق ذلك بسعر في متناول العملاء على نحو أفضل بكثير عما توفره «تيسلا».
وعن المستقبل، قال شاه: «ثمة حدس داخلي ينبئني أن الشركة أما ستبلغ عنان السماء أو ستقبع في القاع».

* خدمة «واشنطن بوست»



«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.