قمة أنقرة عززت مسار آستانة ووسعت المواجهة مع واشنطن

TT

قمة أنقرة عززت مسار آستانة ووسعت المواجهة مع واشنطن

لم تخرج نتائج القمة الروسية - التركية - الإيرانية عن التوقعات التي سبقتها لجهة سعي الأطراف الثلاثة إلى «ضبط الساعات» والخروج برؤية مشتركة لبلورة ملامح التحركات المقبلة، على خلفية التطورات الكثيرة التي شهدتها سوريا على المستويين الميداني والسياسي منذ اللقاء الأول الذي جمع رؤساء البلدان الثلاثة في سوتشي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وقد يكون العنصر الجديد الوحيد الذي فرض نفسه بقوة على أجندة اللقاء، التصريحات الأميركية المتباينة حول احتمال الانسحاب من سوريا، والذي تحول إلى «إحدى النقاط الأساسية التي تركز البحث عليها» وفقا لدبلوماسي روسي، قال إن الأطراف الثلاثة تولي أهمية خاصة للنشاط الأميركي في سوريا، واحتمالات أن يطرأ تغيرات عليه ما يفتح على أسئلة في شأن «من هي الأطراف الإقليمية أو الدولية التي ستلعب دورا لتمثيل مصالح أميركا في حال قررت واشنطن في نهاية المطاف سحب قواتها».
ولم يكن مستغربا أن تكون واشنطن الطرف الغائب لكنه «الحاضر بقوة» في أعمال القمة، فهي نجحت في جعل البلدان الثلاثة الضامنة وقف النار في سوريا تتحول إلى محور يجمع لاعبيه على رفض سياسات واشنطن في سوريا، كما أن لكل منهم منفردا ملفا معقدا وخلافيا مع الولايات المتحدة.
وقد يكون هذا هو المغزى المقصود من مسارعة وسائل إعلام رسمية في روسيا فور انتهاء القمة إلى تأكيد أنها «وجهت رسالة واضحة إلى واشنطن» بأن «الثلاثي» هو اللاعب الرئيسي في سوريا حاليا، ولا يمكن الإقدام على أي خطوة من دون أخذ مواقف موسكو وأنقرة وطهران بعين الاعتبار. برز ذلك رغم أن الوثيقة الختامية للقمة لم تشر بكلمة إلى سياسات واشنطن، لكن كل بنودها حمل تأكيدا مباشرا أو غير مباشر أحيانا على أن محور الضامنين غدا الآلية الأكثر فعالية ونشاطا وأن كل التطورات التي جرت في سوريا خلال العام الأخير تدل على قدرته على فرض السيناريوهات التي يتم التوافق عليها فيما بين أعضائه.
وكان لافتا أن يركز البيان الختامي على أن «صيغة آستانة هي الآلية الوحيدة الفاعلة القادرة على خفض العمليات القتالية على كل الأراضي السورية وتأمين الاستقرار والسلام ومنح دفعة لمسار جنيف بهدف إيجاد تسوية سياسية دائمة».
الملاحظ بحسب محللين روس، أن ذكر مسار جنيف لم يأت إلا في إطار الإشارة إلى جنيف ستكون تتويجا لعملية آستانة بما يعكس ذلك من تفاهمات على ضمان مصالح موسكو وأنقرة وطهران. كما أن الملاحظ أن القرار 2254 الذي يعتبر الأساس المتفق عليه دوليا لأي تسوية في سوريا لم يذكر في الوثيقة إلا مرة واحدة، لم تأت في إطار التأكيد على «تطبيق القرار الدولي» بحسب الصياغة التي صدرت عن لقاءات ومؤتمرات دولية وإقليمية عدة في السابق، بل كان ذكره مقتصرا على الفقرة التي أكدت أن تحرك البلدان الثلاثة لتأمين وقف متين للأعمال القتالية ودفع تسوية سياسية «ينطلق من دعوة القرار 2254». وقد تكون هذه الصياغة اختيرت بعناية لتوفير مجال للتملص في وقت لاحق من ضرورة توالي تنفيذ بنود القرار بالترتيب الذي صدر فيه عن مجلس الأمن، ما يعني تجاوز عقدة «تشكيل هيئة حكم الانتقالي» والانتقال مباشرة إلى «إقامة حوار يجمع كل مكونات الشعب السوري»، وهي الصياغة التي ترى موسكو وأنقرة وطهران أن مؤتمر سوتشي عبر عنها.
ومع الفقرات التي أكدت المبادئ الرئيسة المتفق عليها مثل الحرص على وحدة الأراضي والسيادة وتوفير مجالات المساعدات الإنسانية للشعب السوري، فإن التركيز الأكبر في الوثيقة انصب على قرارات مؤتمر سوتشي بصفتها «المنعطف الأهم» الذي يوفر وفقا للوزير سيرغي لافروف «الآلية العملية الوحيدة لدفع التسوية السياسية». بهذا المعنى فإن تطابق مواقف موسكو وأنقرة وطهران حيال تقديم «الإصلاح الدستوري» على المهمات الملحة الأخرى، وجد انعكاسا في الوثيقة التي تشكل رافعة التحرك الثلاثي خلال المرحلة المقبلة. وسوف يرمي هذا الملف بظلاله على تحرك المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا المكلف بالإشراف على اللجنة الدستورية التي يجري تشكيلها. ما يعني أن «سلة الدستور» ستكون لها أولوية في البحث خلال أي جولة مفاوضات مقبلة، بالتوازي مع محافظة «سلة الإرهاب» على مكانتها التي فرضت من جانب موسكو وطهران، وسيشغل ملف الانتخابات الدرجة الثالثة من الاهتمام، بينما سيتم تغييب «سلة الحكم» تدور حولها سجالات كثيرة منذ إعلانها.
ومع مضي الأطراف الثلاثة خلال المرحلة المقبلة في استكمال عملية إعادة رسم خرائط مناطق خفض التوتر بما يعكس توازنات القوى الجديدة وتوزيع مناطق النفوذ، يبرز عدد من النقاط التي يصفها بعضهم في موسكو بأنها إشكالية، وأنه لا يمكن التقدم من دون إيجاد توافقات بشأنها.
الأولى: رؤية الأطراف الثلاثة للمرحلة المقبلة على صعيد الحاجة الملحة إلى تثبيت الوضع الميداني الحالي سياسيا مع إطلاق الحديث عن ملف إعادة الإعمار الذي سيفرض نفسه خلال المرحلة المقبلة. وهنا جاءت تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين خلال أعمال القمة لتشير إلى أن موسكو بدأت تفكر جديا في هذا الملف. وترى أوساط روسية أنه لا يمكن التقدم على هذا الصعيد بشكل منفرد، لأن البلدان الثلاثة ليست قادرة على توفير الموارد اللازمة، ما يعني ضرورة الاعتماد على مانحين دوليين وإقليميين، وفي هذا الإطار يبرز دور الاتحاد الأوروبي الغائب عن نقاشات الوضع الميداني وعن التسوية السياسية حتى الآن، كما تراهن موسكو على دور أساسي لمجلس التعاون الخليجي الذي تم تغييبه أيضا عن مسار آستانة والجهود الثلاثية الجارية. وترى أوساط روسية أن موسكو لا تريد التسرع في وضع هذا الملف أمام «مقايضات محتملة» باعتبار أن قطار التسوية السياسية لم ينطلق بعد، لكنها تدرك أنها سوف تضطر إلى فتح هذا الملف عاجلا أو آجلا.
الثانية: رغم التوافقات الكبرى والمهمة بين الأطراف الثلاثة لكن العناصر الخلافية ما زالت قائمة حيال عدد من القضايا. وبالدرجة الأولى تتساءل أوساط روسية حاليا عن رد فعل إيران والنظام على تعزيز الوجود التركي على الأراضي السورية على المدى البعيد. وثمة من يرى أن أنقرة سوف تضطر عاجلا أو آجلا إلى الانسحاب وإخلاء المناطق الخاضعة لسيطرتها وتسليمها إلى أطراف سورية. وفتحت الدعوة المباشرة التي وجهها الرئيس الإيراني حسن روحاني في أنقرة إلى التعاون مع الحكومة السورية وتسليمها المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في شمال البلاد على التأكيد بأن هذا الملف كان مطروحا للبحث على المستوى الرئاسي، لكن هل يعني ذلك أن ثمة صفقة يمكن أن تذهب أنقرة اعقدها؟ يرى خبراء روس أنه من المبكر بعد تعليق آمال في هذا الاتجاه، لكنهم يقرون بأن موسكو تعمل بهدوء لإنجاح سيناريو مماثل.
الثالثة: مهما كان القرار الأميركي النهائي حول تقليص الوجود العسكري أو إنهائه، أو ربط هذه العملية بتطورات الواقعين الميداني والسياسي، فإن أسئلة كثيرة تبرز لدى أوساط روسية حول الطرف أو الأطراف التي ستشغل مكان الولايات المتحدة، أو بالأصح ستكون قادرة على تمثيل مصالح واشنطن وفقا لتعليق نشر أمس في صحيفة روسية. والسؤال يشير إلى أن غياب واشنطن لا يعني غياب تأثيرها ونفوذها، ما يعني أن مساعي البلدان الثلاث لوضع سيناريوهات تلبي مصالحها وتقسيم مناطق النفوذ فيما بينها لا يمكن إلا يواجه برد فعل من جانب واشنطن ولندن وباريس التي عادت في الفترة الأخيرة إلى تنشيط تحركاتها تجاه سوريا.
الرابعة: لا يمكن تجاهل واقع أن إجلاء المسلحين وتوسيع مناطق سيطرة النظام لا يلغي حقيقة بقاء عشرات الألوف من المسلحين المعارضين لنظام بشار الأسد، وأن هؤلاء يشكلون عبر ترحيلهم إلى مناطق أخرى قنبلة موقوتة مؤجلة، خصوصا مع تجمع الجزء الأكبر منهم في مناطق الشمال السوري. وبرغم أن بعض «الصقور» في روسيا يميل إلى مواصلة «عمليات التطهير» بالتدريج، لكن هذا السيناريو لا يحظى بإجماع ضمن الثلاثي من جانب، كما أنه يمكن أن يحمل تداعيات سلبية لجهة مواصلة تدهور الوضع بدلا من استغلال الإنجازات التي تحققت والشروع بترجمتها سياسيا. وفي هذه النقطة ثمة خلاف وفقا لمصادر في موسكو بين النظام والروس، إذ يرى الأول ضرورة استكمال الحسم العسكري، بينما تخشى موسكو عودة الأمور إلى الانفلات بشكل أوسع وتضييع فرصة فرض تسوية سياسية تقوم على موازين القوى الحالية. وبدأت أوساط في روسيا بالعودة إلى فرضيات كانت طرحت في وقت سابق لحل هذه الإشكالية، إذ وضع مجلس السياسات الخارجية الذي يديره وزير الخارجية السابق إيغور إيفانون رؤية لدمج الفصائل المسلحة المعارضة في هياكل الجيش والأجهزة الأمنية باعتبار تلك «الآلية الوحيدة لتجاوز هذه المعضلة» لكنه أقر أن هذا السيناريو سوف يحظى برفض قاطع من جانب النظام كما من جانب الجزء الأكبر من الفصائل.
أخيرا، تبقى مشكلة مكانة ودور المكون الكردي من دون حل، وهي مشكلة تؤسس وفقا لخبراء روس لمجموعة من التعقيدات باعتبار أنها تعرقل التقدم نحو تسوية سياسية بسبب التباينات الواسعة حولها داخل الثلاثي، كما أنها توفر مجالا لاستمرار تدخل أطراف خارجية ترى في هذه الورقة آلية لعرقلة جهود موسكو. ورغم أن روسيا تسعى إلى مواجهة هذه المعضلة عبر «فرض» تمثيل للأكراد في أي عملية تفاوضية مقبلة لكن الوضع الميداني المتغير بعد العملية العسكرية التركية والتجربة السابقة في جولات جنيف وجولة سوتشي عكسا أن المكون الكردي لن يحظى بتمثيل يرضي أطرافه الأساسية.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.