شهادات غير قاطعة لمسؤولين ليبيين سابقين في قضية تمويل ساركوزي

ضياع أرشيف عهد القذافي ساهم في اختفاء معلومات مهمة

ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الأليزيه بباريس في ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الأليزيه بباريس في ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)
TT

شهادات غير قاطعة لمسؤولين ليبيين سابقين في قضية تمويل ساركوزي

ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الأليزيه بباريس في ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الأليزيه بباريس في ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)

تبدو أدلة ليبية خاصة بالقضية المثارة لدى محققي باريس، عن تمويل العقيد الراحل معمر القذافي لانتخابات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، هشَّة وضعيفة. إلا أن بعض قيادات النظام الليبي القديم، وبعض المقربين من القذافي، لديهم إصرارٌ على أن التمويل قد حدث، وبملايين الدولارات، وأنه «توجد أدلة قوية ستظهر لاحقاً».
لم تقدم معظم هذه الأطراف، حتى الآن، إلا مكاتبات عدة كانت جرت منذ 2005 مع الجانب الفرنسي، منها ما هو ممهورٌ بتوقيع منسوب لساركوزي نفسه، حين كان ما زال وزيراً للداخلية في بلاده، بيد أنها لا تتضمن أي دليل على تحويل مباشر لأموال لدعم حملته.
ومع ذلك، ذكر قادة من نظام القذافي، وصديق سابق لساركوزي، أنهم كانوا شهوداً على التمويل «وعلى صفقات بين طرابلس وباريس أكبر بكثير من التمويل».
وفي زاوية فندق صغير من الفنادق ذات الطابع الأوروبي في ضاحية الزمالك الراقية في قلب القاهرة، بدأ المترجم السابق للقذافي، الدكتور مفتاح المسوري، بلا وثائق قاطعة، يمكن أن تُقدم للمحققين الفرنسيين، باستثناء قوله إنه «سمع من القذافي، في مارس (آذار) 2011 أنه دفع 20 مليون دولار لتمويل حملة ساركوزي». وسبق ذلك اتهامات من قيادات كانت مقربة من العقيد، الذي قُتل في غارات حلف شمال الأطلسي (الناتو) على ليبيا، تشير إلى أن التمويل بلغ نحو خمسين مليون يورو.
ورغم ضعف هذه المزاعم، فإنها تبقى مُربِكة ومثيرة لغضب ساركوزي الذي شنّ في المقابل، وخلال الشهر الماضي، هجوماً على أنصار القذافي.
يكمُن الخطر، هنا، عموماً، في أن الاتهامات صادرة، أولاً وأخيراً، عن شخصيات ليبية وغير ليبية، ما زالت على قيد الحياة، تقدم نفسها بصفتها شهود إثبات. ومن بين هؤلاء، قادة من الوزن الثقيل، جرى القبض عليهم في تونس وموريتانيا والنيجر، والزج بهم في سجون طرابلس بعد مقتل القذافي، مثل رئيس المخابرات العسكرية عبد الله السنوسي، ورئيس الحكومة في العهد السابق، البغدادي المحمودي، ومدير الأمن الداخلي، عبد الله منصور، الذي قدم شهادة مصورة بالفيديو لسجَّانيه من الجماعات المتطرفة، حول ملابسات تمويل انتخابات ساركوزي.
ونفى الرئيس الفرنسي الأسبق وجود أدلة مادية بشأن الاتهامات عن تلقيه أموالاً ليبية لحملته الانتخابية في 2007، والتي فاز إثرها بالرئاسة واستمر فيها حتى 2012، لكن بدا من حديثه للمحققين في باريس، كما سربته صحف عدة قبل أسبوعين، أنه ينظر إلى أنصار القذافي على أنهم ربما كانوا وراء ما سيتعرض له من محنة جراء هذه القضية.
وبمجرد استدعائه للتحقيق في باريس، شن مقربون من النظام الليبي السابق، من بينهم ابن عم القذافي، أحمد قذاف الدم، هجوماً لاذعاً على ساركوزي في وسائل إعلام فرنسية. ولم تقتصر الاتهامات على التمويل، لكنها حمَّلت الرئيس السابق مسؤولية تدمير ليبيا أيضاً.
من زاوية داخل بهو الفندق المصري، كان الدكتور المسوري يتابع، قبل يومين، ما تبثه قناة «فرانس 24» عن القضية وأبعادها، حيث كان الرجل قبل اثني عشر عاماً حاضراً في اجتماع بين ساركوزي والقذافي، وآخرين.
وعمل المسوري في مكتب القذافي، منذ عام 1996.
يقول وهو يرتب أوراقاً تخص المصالحة بين الليبيين، إنه لم يكن مجرد مترجم للفرنسية لدى العقيد الراحل، لكنه كان مستشاراً له أيضاً. وفي الأيام الماضية أثارت تصريحات أطلقها أثناء وجوده في كل من تونس والقاهرة، عن قضية ساركوزي، لغطاً جديداً، رغم أن ما ذكره لا يزيد كثيراً عما نقله عنه، في عام 2013، موقع «ميديابارت» الفرنسي.
يقول المسوري، وهو ينظر من وراء نظارته الطبية، متذكراً تلك الأيام من عام 2005، ويبدو واثقاً: «جاءنا ساركوزي في زيارة كوزير للداخلية، بدعوة من نظيره الليبي نصر المبروك. كان من الطبيعي أن يستقبله الأخ القائد (القذافي) كما هو معتاد بالنسبة لهذا المستوى من الضيوف. التقى به بالفعل في باب العزيزية (مقر الحكم في العاصمة)».
يضيف: إن ساركوزي طلب لقاءً ثنائياً مع القذافي... «فخرج المرافقون. أما هما فتكلما سوياً بلغة إنجليزية ركيكة. استمر اللقاء بينهما من خمس إلى عشر دقائق». ويشير إلى أن ساركوزي قال، خلال الاجتماع، إنه يريد أن يرشح نفسه للانتخابات، وأن القذافي رحب بأن يكون لليبيا صديق في قصر الإليزيه. وقال له: مستعدون لمد يد العون لك، وأن نساعدك. وانتهت الزيارة. ويفسر المسوري تعبير «مد العون» بأنه وعد من القذافي بدعم مالي.
وذكر ثلاثة من قيادات النظام السابق، من بينهم المسوري، أنهم كانوا على علم بنقل أموال إلى حملة ساركوزي، لكنهم لم يشاهدوا عملية النقل نفسها. وطلب اثنان من هؤلاء القادة عدم ذكر اسميهما، في هذه القصة لأسباب أمنية، لكنهما وافقا على أن يكون حديثهما مسجلاً.
وفي سؤال مباشر للمسوري:
«هل كنت في أي وقت من الأوقات شاهداً على خروج أموال لحملة ساركوزي؟».
فأجاب: أنا كشاهد، لا. لم أر أي حقيبة متجهة لساركوزي أو أي رئيس آخر».
«وهل حملتَ حقائب أموال لآخرين؟».
فأوضح: «نعم... حملت». لكنه رفض ذكر أي أسماء للزعماء الذين نقل لهم أموالاً من مخصصات القذافي... «لا يمكن أن أقول... هناك رؤساء أفارقة، وبعضهم ما زال في السلطة». ويضيف: إن تمويل حملات الرؤساء ليس حكراً على ليبيا، بل إن كثيراً من مرشحي الرئاسة في العالم الغربي يتلقون أموالاً لدعم حملاتهم الانتخابية سواء من دول، أو شركات، أو رجال أعمال.
وبحسب مقربين من القذافي، كانت هناك أموال تخصص للبند السياسي بمكتب القائد، يتم جلبها من المصرف المركزي، وتوضع في حقائب في مقر المراقب المالي للرئاسة في مقر الحكم بطرابلس، ويكتب على كل حقيبة قيمة ما فيها؛ مليون. مليونان. ثلاثة، وهكذا.
يقول «هذه مخصصات الرئاسة تأتي كتلة واحدة، وتصرف وفقاً لإرادة الرئيس (القذافي)». ويضيف: «بالطبع، لا يعلم المصرف المركزي بأوجه صرف الرئاسة لهذا الأموال. حتى المراقب المالي ليس لديه تفاصيل عن وجهة الكثير من هذه المخصصات. هذا ليس حكراً على القائد، وإنما أي رئيس دولة يتبنى سياسة الحضور الدبلوماسي في الخارج، يقوم بذلك».
ويستند المسوري في شهادته حول تمويل حملة ساركوزي على قصة وحيدة، على ما يبدو. وفيما عدا روايته لها، من الصعب إثبات صحتها مادياً.
تقول هذه الرواية، إن صحافية فرنسية سألت القذافي في مارس 2011، عن حجم الأموال التي دفعها لحملة ساركوزي. فقال لها القذافي إنه لا يتذكر الآن، وأنه سيبلغها غداً عن طريق المسوري.
يضيف مترجم القذافي، وهو يمسح براحة يده على لحيته الخفيفة: «في اليوم التالي قال لي القائد: (على فكرة أنا استفسرت عن موضوع المساهمة الخاصة بحملة ساركوزي، الذي سألت عنه الصحافية، وأن المبلغ 20 مليون دولار)». ويقول المترجم الذي يؤلف القصائد الشعرية بالعربية والفرنسية: «أنا شاهد... وهذا ما عرفته».
وسبق للنيابة الفرنسية أن استمعت إلى إفادة من المسوري عبر الهاتف، في قضية ساركوزي، على خلفية تصريحاته التي أطلقها في وسائل إعلام فرنسية عام 2013، يقول: سألوني، حينذاك، فأكدت لهم نفس الكلام. وقلت لهم بما عرفته من القذافي عن موضوع التمويل.
وبسؤال المسوري مجدداً، عما إذا كان قد رأى أي وثيقة تحوي مخاطبة من ساركوزي للقذافي يقول فيها له إنه يحتاج إلى أموال لدعم حملته الانتخابية، يجيب: «لا... أصلاً لا يوجد رئيس (أو وزير داخلية في حالة ساركوزي حينذاك) يقول أنا أريد أموالاً». ويزيد موضحاً بشأن ما إذا كان هناك أي مكاتبات مصرفية حول الموضوع: «طبعاً لا يوجد دليل مصرفي؛ لأنه لا يوجد تحويل مصرفي من الأساس. إذا كان هناك تحويل مصرفي فيكون من خارج ليبيا وبأسماء غير آخرين».
خلال شهادته في التحقيقات، حين كان ما زال محتجزاً في سجن الهضبة، يقول مدير الأمن الداخلي، عبد الله منصور لمستجوبيه: سمعت أنه تم تحويل أموال لساركوزي عبر فرع لمصرف ليبي في لبنان. وكان السنوسي مشرفاً على هذه العملية.
ويبدو من شهادات من كانوا موجودين في قناة التواصل بين ساركوزي والقذافي، من ليبيين وفرنسيين، إضافة إلى رجلي الأعمال اللبناني، زياد تقي الدين، والفرنسي من أصل جزائري ألكسندر الجوهري، إنها تخلو، على ما يبدو، حتى الآن، من وثائق مادية مباشرة. أي أنه يمكن القول إن هناك شهادات شفهية ومؤشرات فقط، إلى أن يثبت العكس.
من جانبه، يعلق المسوري قائلاً: «الأمر بسيط... هناك اعترافات السنوسي، والبغدادي، ومنصور، في محاضر التحقيق معهم عقب القبض عليهم في طرابلس. اذهبوا إليهم... فهم ما زالوا موجودين إلى الآن في السجون». وفي الأيام الماضية أبدت عائلة السنوسي قلقاً من انقطاع التواصل مع ابنها في محبسه.
يقول مصدر من العائلة: «لا نعرف في الوقت الراهن أين هو بالتحديد... منذ ثلاثة أشهر (أي من قبل الجدل الأخير حول قضية التمويل) نحن نحاول التواصل معه، أو معرفة مصيره، دون جدوى. في السابق لم تكن أخباره تنقطع عنا إلا أسبوعاً أو أسبوعين». وتشير تسريبات في العاصمة الليبية إلى أن محققين غربيين التقوا السنوسي في مقر أحد المسؤولين في طرابلس بعد جلبه إليهم من محبسه، وأن القوة التي جاءت به من السجن رجعت من دونه.
يقول مصدر قضائي ليبي، إن محققين فرنسيين زاروا العاصمة بالفعل، في وقت سابق، قبل هذه الواقعة، وأنهم لم يلتقوا بأي من هذه القيادات المسجونة في طرابلس، وقاموا فقط بالاطلاع على محاضر فيها إقرار من بعض مسؤولي النظام السابق تحوي معلومات تخص قضية ساركوزي. ويضيف: «أخذوا نسخاً من هذه المحاضر، لكنهم لم يلتقوا لا بالسنوسي، ولا بالبغدادي، ولا بمنصور».
وعما إذا كان يعتقد أن مثل هذه الشهادات كافية، أم أنها تظل مجرد قرائن، يجيب الدكتور المسوري قائلاً، إن «القضاء يؤمن بأدلة، وحين يأتي أحد ويقول لك أنا رأيت، فيسمونه شاهد إثبات. أي قاضٍ في العالم ينظر لأداة الجريمة ولشهود العيان، وهؤلاء شهود عيان على العلاقة (بين ساركوزي والقذافي)، وكلامهم مكتوب قضائياً، حتى قبل إثارة القضية».
وعلى كل حال، ساهم السطو على أرشيف الدولة الليبية منذ وقت مبكر من عام 2011 في اختفاء معلومات مهمة. وتقول واحدة من القصص التي رواها عبد الله منصور، من سجنه في طرابلس: «حين بدأت فرنسا في قصف ليبيا مطلع ذلك العام، كان سيف الإسلام، نجل القذافي، متحمساً للإعلان، لأول مرة، عن أن والده موَّل الحملة الانتخابية لساركوزي. كان سيف يريد الانتقام من الرئيس الفرنسي، باعتباره ناكراً للجميل، ويتهمه بأنه يحشد الدول الغربية لضرب ليبيا».
يقول منصور في تحقيقات معه مصورة بالفيديو وهو بملابس المسجونين الزرقاء، عندما كان في سجن الهضبة، على طريق مطار طرابلس الدولي: «حين سأل سيف الإسلام والده عن الوثائق التي تثبت ذلك، لم يتم العثور على أي تسجيلات تخص الموضوع. فتم إخطار رجال المخابرات. وبعد البحث، فوجئ الجميع بأن كل هذه الوثائق اختفت». يقول قيادي من النظام السابق: كانت خيانة من أطراف داخل حلقة القذافي.
ومنذ 2011 اختفى معظم أرشيف عهد القذافي الذي استمر في الحكم 42 عاماً.
يقول مستشار للمجلس الرئاسي أثناء وجوده في مصر مؤخراً: «لم نستطع الوصول إلى معظم أرشيف الدولة في قطاعات الرقابة الاقتصاد والمالية، وفي مؤسسات الأمن الخارجي والأمن الداخلي (الاستخبارات)، وفي جهاز التخطيط. كما اختفى الكثير من أرشيف السجلات المدنية وتعداد السكان والسجلات العقارية، ومعاملات الشركات الأجنبية التي كانت تستثمر مليارات الدولارات في ليبيا قبل مقتل القذافي».
تعيش ليبيا في فوضى عارمة منذ ذلك الوقت. لا يوجد يقين بشأن أي شيء. كل قصة تتفرع منها مئات الخيوط بلا نهاية محددة.
في العام الماضي، جرى نقل مساجين النظام السابق من سجن الهضبة إلى سجون أخرى تديرها ميليشيات، ولا تشرف عليها النيابة العامة، وذلك عقب اجتياح السجن في حرب بين قوات في العاصمة في مايو (أيار) الماضي. وكان من بينهم السنوسي والمحمودي ومنصور.
وقبل أيام أطلقت السلطات البريطانية سراح الجوهري بعد احتجازه لأكثر من شهر بشأن قضية ساركوزي. والجوهري، هو الآخر، مطلوب للمثول أمام القضاء الفرنسي حول الموضوع نفسه. يقول قيادي من نظام القذافي: «يعلم هذان الرجلان (تقي الدين، والجوهري) تفاصيل نقل الأموال لساركوزي، حيث كانا محسوبَين على الجانب الفرنسي المرتبط بطرابلس، وبخاصة مع السنوسي».
من جانبه، ذكر تقي الدين اسم رجل أعمال عربي، قال إنه كانت له صلة، مثل الجوهري، بموضوع «ساركوزي - القذافي»، مع أنه لم يرد ذكره، من قبل، ضمن اللغط الدائر حول التمويل. وهذا مؤشر على أن قضية الرئيس الفرنسي السابق يمكن أن تؤثر على كثيرين ما زالوا بعيدين عن الأضواء. كما ذكر تقي الدين، اسم بشير صالح، الذي يتحدث الفرنسية، ويوصف بأنه كان مديراً لمكتب القذافي.
وأصيب صالح فيما يعتقد أنها محاولة اغتيال في أواخر فبراير (شباط)، في جنوب أفريقيا، التي يقيم فيها منذ سنوات، حيث هجر فرنسا بعد خروج ساركوزي من قصر الإليزيه. وينفي صالح أي علاقة له بقصة التمويل. لكن قيادياً في النظام السابق يقول، في مقابلة مسجلة معه في فيلته بالقاهرة، إن صالح يرفض الزج باسمه في القصة خوفاً على حياته.
ويتحرك هذا القيادي نفسه، رغم إقامته في العاصمة المصرية، بخطوات محسوبة في ظل هواجس تعتريه بأنه يمكن استهدافه من خصوم غامضين، بعد أن كان لزمنٍ مقرباً من القذافي ونجله ورؤساء أجهزة أمنية في طرابلس.
ويقوم بعض من زعماء النظام السابق، ممن تفرقت بهم السبل في مصر وتونس، بالتواصل وإرسال برقيات بين حين وآخر إلى زعماء دوليين ولمنظمات دولية بما فيها الأمم المتحدة، كان آخرها برقية تتضمن مخاوف على مصير السنوسي. ولدى بعضهم طرق منذ سنوات لتنشيط حملات قانونية وإعلامية ضد ساركوزي داخل باريس.
وفي منزل آخر قرب القاهرة، محاط بحراسات أمنية خاصة، ومزود بكاميرات مراقبة، يقول مسؤول ليبي كان مقرباً من القذافي متحدثاً عن ساركوزي: «سنسحقه. لقد كان ناكراً للجميل. أعطيناه أمولاً فقصفنا بالصواريخ».
لكن أين الوثائق؟ أين الأدلة؟ يجيب موضحاً، إن هناك «أدلة ووثائق سُلمت للسلطات الفرنسية خلال السنوات الماضية... هناك فريق نشط يعمل على هذا الأمر. لو لم تكن هناك أدلة لما تعامل القضاء الفرنسي مع الموضوع بهذه الجدية».
بيد أنه يقرُّ بأن معظم أرشيف الدولة الليبية، نقله زعيم في الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، إلى قطر، بعد اجتياح المنتفضين لمقر القذافي في باب العزيزية، مشيراً كذلك، وبمرارة، إلى ضلوع أطراف من النظام السابق في تسليم وثائق أخرى مهمة للسلطات الفرنسية نفسها منذ بداية 2011، أي قبل خروج القذافي من طرابلس.
ومثل كثير المقربين الآخرين من النظام السابق، يبدو الاعتماد حتى الآن على مجرد تكهنات ومؤشرات في قضية تمويل حملة الرئيس الفرنسي السابق. ومن بين جدران غرفة الاستقبال المزينة بصور القذافي، يقول هذا القيادي المخضرم، وهو يرشف القهوة: «ما يمكن أن أقوله لك هو أن كل من كان على علاقة بموضوع التمويل، جرى استهدافه أو ما زال عرضة للاستهداف».
ويتابع قائلاً: «لقد جرى القبض على المحمودي في تونس في 2012، وتسليمه لليبيا، بعد أن ذكر محاميه، وقتها، أن موكله يريد أن يتحدث عن الأموال التي دفعتها ليبيا لساركوزي. كما أن السنوسي اختطف من موريتانيا، في العام نفسه».
وحدثت هذه الأمور في عهد ساركوزي... نعم، لكنها لا يبدو أنها تعكس مؤشراً قوياً؛ لأن هناك مسؤولين ليبيين آخرين من النظام السابق جرى تسليمهم من الخارج للحكام الجدد في طرابلس، أو محاولة استهدافهم في منافيهم الاختيارية، حتى بعد خروج ساركوزي من قصر الإليزيه.
ويعد منصور، وهو شاعر رهيف الحس كما أنه رجل أمن يتسم بالقسوة، من بين هؤلاء، حيث سلمته النيجر لطرابلس في 2014. ويضيف القيادي الليبي في أسى: «وأنا أيضاً تعرضت لهجوم في 2013»، بالإضافة إلى استهداف صالح في جنوب أفريقيا أخيراً... «كلنا يعلم حقيقة ما جرى. وهناك من يسعى لدفن الماضي».
ورافق هذا الرجل، القذافي كظله، منذ الصغر. وله علاقات قوية بالسنوسي والمحمودي ومنصور. ويقول إنه أصبح يخشى على حياتهم بعد تفجر قضية التمويل في فرنسا... «هذه القيادات مستهدفة، وقد بعثنا، نحن قيادات النظام السابق، رسالة للأمم المتحدة، حملناها المسؤولية عن حياة هؤلاء الذين هم في السجون؛ لأننا نعدهم شهوداً رئيسيين في قضية ساركوزي».
حتى مترجم القذافي يبدو أنه يخشى على حياته من عواقب تصريحاته الأخيرة بشأن ساركوزي، مشيراً إلى أن بعضاً ممن تولوا المسؤولية في ليبيا، ينظرون إلى الرئيس الفرنسي السابق بوصفه بطلاً ومنقذاً لهم من القذافي.
وبعد قليل من الصمت يقول: «(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)... وكل شيء متوقع... ربما حين أعود لليبيا، يلقون القبض عليَّ، ويجبرونني على العودة عن تصريحاتي، وبخاصة أن هناك إشاعات تقول إن مسؤولين كباراً في ليبيا اتصلوا بجهات أمنية ليبية بشأن البحث عني، أو إجباري على الرجوع عن أقوالي».
وكان بهو الفندق قد خلا من الرواد. وعبر النافذة بدت ضاحية الزمالك أكثر هدوءاً. وللخروج من زخم قصص التمويل المخيفة، ردد المسوري مقتطفات من قصائده إحداها باللغة الفرنسية، تتحدث عن النسيم والزهور وهجر الحبيب. ولا يعد الرجل، على ما يبدو، من أنصار النظام السابق. وهو ينظر إلى نفسه باعتباره دبلوماسياً لا علاقة له بالسياسة.
يقول إنه يعتقد، بصفته مواطناً ليبياً، أن «ثورة فبراير» جاءت من أجل حرية الرأي؛ و«لذلك أتمنى أن يكون ما سمعته عن أنني مطلوب من السلطات في ليبيا، مجرد شائعات، لأن أي إجراء ضدي بسبب تصريحاتي عن ساركوزي، يعد نقيضاً للديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون».



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.