«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع

ثريا العريض
ثريا العريض
TT

«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

ثريا العريض
ثريا العريض

شهدت الساحة الأدبية في المملكة العربية السعودية، أصواتاً نسائية تطالب بحقوق المرأة وتتمرد على سلطة الرجل، واتخذت الكتابة هوية وسلاحاً. وقد ذكر الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوّح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل، ونتيجة لدعم تلك المقولات بتفسيرات للنص الديني، وفق المعطيات التي راقت أصحاب ذلك التسلط».
تعد الشاعرة السعودية ثريا العريض إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع، وقد عدها بعض الدارسين إحدى شاعرات الرمزية المجددة اللاتي قدمن نصوصاً متميزة صوّرت صوت المرأة الجديدة في رحلة بحثها عن كينونتها الاجتماعية الخاصة والإنسانية العامة. وقد اختارت ثريا شعر التفعيلة منهجاً كتابياً وعت أنه يمثل ما تريد، ويمكن أن يحمل صوت تمردها، ذلك التمرد الهادئ الذي لا يصل إلى حد الرفض المطلق، لكنه يعمد إلى مساءلة الواقع حول المرأة وما تعيشه من تهميش وإقصاء. وقد ذهب عزيز ضياء إلى أنها «تكتب الشعر الحر أو الحديث فعلاً، ولكنه يتميز عن غيرها بأنه لا يتكئ ولا يبالغ في الاتكاء على الاستعارة ولا يحمل ألفاظاً أكثر مما تتحمل المعاني». ومن هنا أثارت اختيارات ثريا الفنية والمضمونية بعض الاختلاف حول تجربتها الشعرية، فمحمد العلي يرى أن قصائدها توضح رؤيتها القومية الشاملة، لكن رؤيتها رومانسية أفقية. في حين أن سعود الفرج يرى أن شعرها يتسم بالغنائية، وفي أغلبه يحاور الوطن عن مشاعر المرأة الخليجية، وبعضه يأخذ مادته من التراث. وهو يعبر عن وعي ذاتي وقومي وإنساني. أما محمد العباس فيذكر أنه إذا كانت الدكتورة سعاد الصباح قد عبرت عن همومها وتطلعاتها بقصائد أشبه ما تكون بالبيانات التي يكمل بعضها بعضاً، فإن الدكتورة ثريا العريض هجست بنفس المآزق التاريخية والعاطفية وجادلتها بنفس شعري أرق، وبلغة أكثر شفافية في قصيدة طويلة وجميلة بعنوان «مساءلة ابن أبي ربيعة» يمكن اعتبارها نموذجاً أو وثيقة اجتماعية نفسية حقوقية أمينة ومعبرة عن واقع وتطلعات جمعية.
ولعل ما يجمع كل تلك الآراء هو الاتفاق على أن ثريا تحمل في شعرها هماً فردياً وجمعياً، ووعياً إنسانياً بواقعها وبالكتابة، تجسيداً لكل ذلك.
مما سبق يمكن القول إن نسوية ثريا العريض تبدأ من وعيها بذاتها، ومن إعلانها المستمر عن وجودها، ومن نبشها الدائم في التاريخ وفي الحاضر لتأكيد أناها ووجودها، وكذلك من إثارة الأسئلة التي ترتبط بمساءلة المحيط والواقع، ومساءلة التاريخ والمجتمع عن وضع المرأة وتكميم صوتها وإقصائها. كما تتبدى أيضاً في تلك الذاتية الغنائية المليئة بالرفض والاحتجاج اللذين يسمان ديوانيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
- الحوار مع الاسم وإثبات الهوية
يمكن لقارئ ثريا العريض أن يلحظ هذا الوعي بإشكالية الهوية الأنثوية، وبالإقصاء الذي مارسته الثقافة عليها منذ العصور القديمة، ومن ثم بحثت عما يمكن أن يمثل هذه الهوية، وأن تحارب من أجله على اعتبار أنه هي. وقد وجدت في «الاسم» مكوناً جوهرياً وأساسياً تطرح من خلاله فكرة تغييب المرأة. والعلاقة بين الاسم وصاحبه علاقة جوهرية وقديمة منذ بدء الحضارات، فللاسم صلة قوية بالمقدس في الحضارات البدائية، سواء كان علماً أم اسم مكان، لأن تسمية الموجودات والمعرفة عامة جاءت في زمن قدسي أولي هو زمن الخليقة، فكانت تسمية وتعريفاً بالحقائق والجواهر، بالأسماء ومسمياتها ونعوتها. لذلك يعتبر الاسم صنواً للذات وجزءاً دالاً على الكل. وتراهم يحرصون على إخفائه لأن معرفة الاسم تمكّن من الفعل ومن التأثير في صاحبه وفي العالم. وهناك من يعتبر الاسم بمثابة أسطورة مصغرة.
يحضر «الاسم» في قصيدة «سفر» ويكون مرتبطاً بهوية المرأة –كما سبقت الإشارة:
المدى نقش امرأة لاسمها
في السطور التي سوف تأتي
منمنمة في الكهوف رقيقة
خطوطاً دقيقة
مبتهجاً طائعاً مثل حنائها
ومشتعلاً وهجاً
لا يشي بالذي يتخبأ بين أناملها
إذ يبيح اليراع بريقه
ينتشي بالتفافات أحرفها
ويبدو الحرص على بقاء الاسم وخلوده في توظيف فكرة «النقش» الذي يساوي الكتابة والتي تساوي أيضاً هوية المرأة ووسيلتها للتمرد. ويبدو أن توظيف الحناء هو ما جعل محمد رحومة يضع هذا النص ضمن محور التشكيل بالأنثى على اعتبار أن الحناء والنقش والوشم مما يرتبط بالأنثى وزينتها. غير أننا نرى أن النص يحيل إلى فعل الكتابة وديمومتها، ومن ثم ديمومة الاسم، لا سيما أن النص يُبنى على ما يؤكد ذلك كالمنمنمات التي تحيل إلى شكل فني يعتمد على الرسم الدقيق، ومن ثم تحيل النقوش إلى الحفريات الأولى التي مارسها الإنسان قديماً على جدران الكهوف ليحفظ بها تجربته ووجوده. ومما يؤكد أيضاً ارتباط تخليد الاسم بالكتابة توظيف اليراع والأحرف التي تتخبأ بين أناملها.
- توظيف التراث والأسطورة (التمثيلات الرمزية)
لقد أدرك الشعراء أهمية التوظيف الرمزي وطاقاته الإيحائية، واختلفوا في نوع الرموز التي يختارونها كما اختلفوا في آليات التوظيف. ويضع بعض الدارسين ثريا العريض ضمن شعراء الرمزية المجددة في المملكة العربية السعودية، وهذا يعني أن التمثيل الرمزي مقوم أساسي وواضح في تجربتها الشعرية، وقد تراوحت تلك التمثيلات بين اختيار بعض الرموز اللغوية كالدانة والبحر، وتوظيف رموز تراثية وأسطورية. وقد هيمن النوعان الأخيران على مجموعتيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
بالنسبة إلى الرموز التراثية، فقد اهتمت ثريا العريض بتوظيف التراث في شعرها، وقد انطلق الشاعر العربي عامةً من مفهوم خاص للتراث، فلم يعد همه الأول أن ينقل إلينا نقلاً فوتوغرافياً ملامح الشخصية التراثية كما هي في مصادرها، بل أصبح معنياً بجعلها تراثية ومعاصرة في الوقت نفسه، فيختار من ملامح الشخصية ما يتفق وتجربته المعاصرة ثم يُسقط أبعاد تلك التجربة على الملامح التي اختارها. وقد يصدق هذا في كثير على تجربة ثريا، إذ يلاحظ أن اختياراتها كانت محكومة برؤيتها للواقع العربي من جهة، ولواقع المرأة العربية من جهة أخرى. ومن هنا غلب على اختياراتها توظيف رموز نسائية، أو رموز ارتبط اسمها بالمرأة وهذا يأتي في المرتبة الثانية.
حضر التراث واضحاً منذ المجموعة الأولى «أين اتجاه الشجر؟»، والعتبة الأولى للنص، أي العنوان، تُحيل مباشرة إلى التراث وإلى رمز أساسي في هذه المجموعة وهو رمز «زرقاء اليمامة». وكذلك أيضاً يحضر الرمز نفسه في المقدمة الاستهلالية للمجموعة التي تحيل إلى الثيمتين المحوريتين في أعمال ثريا العريض وهما الوطن والمرأة، وتجمع الزرقاء هاتين الثيمتين، كما يحيل إليها تعريف الشاعرة بنفسها وبشعرها في تلك المقدمة، وبأنه تسجيل لدموع امرأة ابتُليت أو اصطُفيت بعيني زرقاء، فوجدت نفسها متورطة في عشق وطن يصارع تهوراته. من هنا يتكامل رمز الزرقاء مع الفاختة، اليمامة العربية الباحثة عن عشها الضائع وصغارها التائهين.
لقد وضع محمد رحومة رمز الزرقاء ضمن محور البوح - الرؤيا، وذكر أنها امتلكت عين الزرقاء ومن ثم راحت تشكل رؤيتها بالعين، وتميل إلى توظيفها في صورها. وتتراوح الصورة بين معاينة الواقع ونقله من خلال عيني الزرقاء، وبين تشويه للعين ورفض لوظيفتها.
تأتي النبوءة تناصاً على لسان الزرقاء، وبين علامتي تنصيص:
«أرى شجراً يتدانى إلينا
هشيماً تخطّاه وعد المطر
أرانا نمد إليه يدينا
فيأكلها جمر ذاك الشجر
أرانا وأعيننا مطفأة
تضيعنا عتمات البصر
فمن يشتري بصري؟
يشتريني؟
ويدفع عنا بلاء الخطر؟»

- ملخص لورقة قدمتها الدكتورة ميساء الخواجة، أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، في مهرجان «ربيع الشعر العربي» الذي نظّمته مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية في الكويت 25 - 28 مارس(آذار) 2018.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.