«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع

ثريا العريض
ثريا العريض
TT

«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

ثريا العريض
ثريا العريض

شهدت الساحة الأدبية في المملكة العربية السعودية، أصواتاً نسائية تطالب بحقوق المرأة وتتمرد على سلطة الرجل، واتخذت الكتابة هوية وسلاحاً. وقد ذكر الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوّح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل، ونتيجة لدعم تلك المقولات بتفسيرات للنص الديني، وفق المعطيات التي راقت أصحاب ذلك التسلط».
تعد الشاعرة السعودية ثريا العريض إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع، وقد عدها بعض الدارسين إحدى شاعرات الرمزية المجددة اللاتي قدمن نصوصاً متميزة صوّرت صوت المرأة الجديدة في رحلة بحثها عن كينونتها الاجتماعية الخاصة والإنسانية العامة. وقد اختارت ثريا شعر التفعيلة منهجاً كتابياً وعت أنه يمثل ما تريد، ويمكن أن يحمل صوت تمردها، ذلك التمرد الهادئ الذي لا يصل إلى حد الرفض المطلق، لكنه يعمد إلى مساءلة الواقع حول المرأة وما تعيشه من تهميش وإقصاء. وقد ذهب عزيز ضياء إلى أنها «تكتب الشعر الحر أو الحديث فعلاً، ولكنه يتميز عن غيرها بأنه لا يتكئ ولا يبالغ في الاتكاء على الاستعارة ولا يحمل ألفاظاً أكثر مما تتحمل المعاني». ومن هنا أثارت اختيارات ثريا الفنية والمضمونية بعض الاختلاف حول تجربتها الشعرية، فمحمد العلي يرى أن قصائدها توضح رؤيتها القومية الشاملة، لكن رؤيتها رومانسية أفقية. في حين أن سعود الفرج يرى أن شعرها يتسم بالغنائية، وفي أغلبه يحاور الوطن عن مشاعر المرأة الخليجية، وبعضه يأخذ مادته من التراث. وهو يعبر عن وعي ذاتي وقومي وإنساني. أما محمد العباس فيذكر أنه إذا كانت الدكتورة سعاد الصباح قد عبرت عن همومها وتطلعاتها بقصائد أشبه ما تكون بالبيانات التي يكمل بعضها بعضاً، فإن الدكتورة ثريا العريض هجست بنفس المآزق التاريخية والعاطفية وجادلتها بنفس شعري أرق، وبلغة أكثر شفافية في قصيدة طويلة وجميلة بعنوان «مساءلة ابن أبي ربيعة» يمكن اعتبارها نموذجاً أو وثيقة اجتماعية نفسية حقوقية أمينة ومعبرة عن واقع وتطلعات جمعية.
ولعل ما يجمع كل تلك الآراء هو الاتفاق على أن ثريا تحمل في شعرها هماً فردياً وجمعياً، ووعياً إنسانياً بواقعها وبالكتابة، تجسيداً لكل ذلك.
مما سبق يمكن القول إن نسوية ثريا العريض تبدأ من وعيها بذاتها، ومن إعلانها المستمر عن وجودها، ومن نبشها الدائم في التاريخ وفي الحاضر لتأكيد أناها ووجودها، وكذلك من إثارة الأسئلة التي ترتبط بمساءلة المحيط والواقع، ومساءلة التاريخ والمجتمع عن وضع المرأة وتكميم صوتها وإقصائها. كما تتبدى أيضاً في تلك الذاتية الغنائية المليئة بالرفض والاحتجاج اللذين يسمان ديوانيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
- الحوار مع الاسم وإثبات الهوية
يمكن لقارئ ثريا العريض أن يلحظ هذا الوعي بإشكالية الهوية الأنثوية، وبالإقصاء الذي مارسته الثقافة عليها منذ العصور القديمة، ومن ثم بحثت عما يمكن أن يمثل هذه الهوية، وأن تحارب من أجله على اعتبار أنه هي. وقد وجدت في «الاسم» مكوناً جوهرياً وأساسياً تطرح من خلاله فكرة تغييب المرأة. والعلاقة بين الاسم وصاحبه علاقة جوهرية وقديمة منذ بدء الحضارات، فللاسم صلة قوية بالمقدس في الحضارات البدائية، سواء كان علماً أم اسم مكان، لأن تسمية الموجودات والمعرفة عامة جاءت في زمن قدسي أولي هو زمن الخليقة، فكانت تسمية وتعريفاً بالحقائق والجواهر، بالأسماء ومسمياتها ونعوتها. لذلك يعتبر الاسم صنواً للذات وجزءاً دالاً على الكل. وتراهم يحرصون على إخفائه لأن معرفة الاسم تمكّن من الفعل ومن التأثير في صاحبه وفي العالم. وهناك من يعتبر الاسم بمثابة أسطورة مصغرة.
يحضر «الاسم» في قصيدة «سفر» ويكون مرتبطاً بهوية المرأة –كما سبقت الإشارة:
المدى نقش امرأة لاسمها
في السطور التي سوف تأتي
منمنمة في الكهوف رقيقة
خطوطاً دقيقة
مبتهجاً طائعاً مثل حنائها
ومشتعلاً وهجاً
لا يشي بالذي يتخبأ بين أناملها
إذ يبيح اليراع بريقه
ينتشي بالتفافات أحرفها
ويبدو الحرص على بقاء الاسم وخلوده في توظيف فكرة «النقش» الذي يساوي الكتابة والتي تساوي أيضاً هوية المرأة ووسيلتها للتمرد. ويبدو أن توظيف الحناء هو ما جعل محمد رحومة يضع هذا النص ضمن محور التشكيل بالأنثى على اعتبار أن الحناء والنقش والوشم مما يرتبط بالأنثى وزينتها. غير أننا نرى أن النص يحيل إلى فعل الكتابة وديمومتها، ومن ثم ديمومة الاسم، لا سيما أن النص يُبنى على ما يؤكد ذلك كالمنمنمات التي تحيل إلى شكل فني يعتمد على الرسم الدقيق، ومن ثم تحيل النقوش إلى الحفريات الأولى التي مارسها الإنسان قديماً على جدران الكهوف ليحفظ بها تجربته ووجوده. ومما يؤكد أيضاً ارتباط تخليد الاسم بالكتابة توظيف اليراع والأحرف التي تتخبأ بين أناملها.
- توظيف التراث والأسطورة (التمثيلات الرمزية)
لقد أدرك الشعراء أهمية التوظيف الرمزي وطاقاته الإيحائية، واختلفوا في نوع الرموز التي يختارونها كما اختلفوا في آليات التوظيف. ويضع بعض الدارسين ثريا العريض ضمن شعراء الرمزية المجددة في المملكة العربية السعودية، وهذا يعني أن التمثيل الرمزي مقوم أساسي وواضح في تجربتها الشعرية، وقد تراوحت تلك التمثيلات بين اختيار بعض الرموز اللغوية كالدانة والبحر، وتوظيف رموز تراثية وأسطورية. وقد هيمن النوعان الأخيران على مجموعتيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
بالنسبة إلى الرموز التراثية، فقد اهتمت ثريا العريض بتوظيف التراث في شعرها، وقد انطلق الشاعر العربي عامةً من مفهوم خاص للتراث، فلم يعد همه الأول أن ينقل إلينا نقلاً فوتوغرافياً ملامح الشخصية التراثية كما هي في مصادرها، بل أصبح معنياً بجعلها تراثية ومعاصرة في الوقت نفسه، فيختار من ملامح الشخصية ما يتفق وتجربته المعاصرة ثم يُسقط أبعاد تلك التجربة على الملامح التي اختارها. وقد يصدق هذا في كثير على تجربة ثريا، إذ يلاحظ أن اختياراتها كانت محكومة برؤيتها للواقع العربي من جهة، ولواقع المرأة العربية من جهة أخرى. ومن هنا غلب على اختياراتها توظيف رموز نسائية، أو رموز ارتبط اسمها بالمرأة وهذا يأتي في المرتبة الثانية.
حضر التراث واضحاً منذ المجموعة الأولى «أين اتجاه الشجر؟»، والعتبة الأولى للنص، أي العنوان، تُحيل مباشرة إلى التراث وإلى رمز أساسي في هذه المجموعة وهو رمز «زرقاء اليمامة». وكذلك أيضاً يحضر الرمز نفسه في المقدمة الاستهلالية للمجموعة التي تحيل إلى الثيمتين المحوريتين في أعمال ثريا العريض وهما الوطن والمرأة، وتجمع الزرقاء هاتين الثيمتين، كما يحيل إليها تعريف الشاعرة بنفسها وبشعرها في تلك المقدمة، وبأنه تسجيل لدموع امرأة ابتُليت أو اصطُفيت بعيني زرقاء، فوجدت نفسها متورطة في عشق وطن يصارع تهوراته. من هنا يتكامل رمز الزرقاء مع الفاختة، اليمامة العربية الباحثة عن عشها الضائع وصغارها التائهين.
لقد وضع محمد رحومة رمز الزرقاء ضمن محور البوح - الرؤيا، وذكر أنها امتلكت عين الزرقاء ومن ثم راحت تشكل رؤيتها بالعين، وتميل إلى توظيفها في صورها. وتتراوح الصورة بين معاينة الواقع ونقله من خلال عيني الزرقاء، وبين تشويه للعين ورفض لوظيفتها.
تأتي النبوءة تناصاً على لسان الزرقاء، وبين علامتي تنصيص:
«أرى شجراً يتدانى إلينا
هشيماً تخطّاه وعد المطر
أرانا نمد إليه يدينا
فيأكلها جمر ذاك الشجر
أرانا وأعيننا مطفأة
تضيعنا عتمات البصر
فمن يشتري بصري؟
يشتريني؟
ويدفع عنا بلاء الخطر؟»

- ملخص لورقة قدمتها الدكتورة ميساء الخواجة، أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، في مهرجان «ربيع الشعر العربي» الذي نظّمته مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية في الكويت 25 - 28 مارس(آذار) 2018.



«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».

عاجل غارات إسرائيلية تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت