مهرجان دبي يختار فيلما عربيا بنكهة عالمية لاطلاق دورته العاشرة

آدم بكري في لقطة من «عمر»
آدم بكري في لقطة من «عمر»
TT

مهرجان دبي يختار فيلما عربيا بنكهة عالمية لاطلاق دورته العاشرة

آدم بكري في لقطة من «عمر»
آدم بكري في لقطة من «عمر»

هناك حكاية طريفة لجحا يوم اصطحب ابنه معه إلى السوق فركب هو الحمار وسار ابنه لجانبه ومر بقوم عاتبوا الأب على قساوته على صغيره. فنزل عن الحمار ووضع ابنه عليه ومر بقوم آخرين عاتبوا الابن لقسوته على أبيه «هو مرتاح ووالده العجوز يمشي». اختار جحا أن يركب وابنه الحمار معا فما كان من قوم آخرين إلا أن انتقدوهما: «انظروا إلى قسوة الإنسان على الحيوان المسكين». قال جحا لابنه: «انزل يا بني سنمشي لجانب الحمار لعلنا نسلم من كلام الناس. لكن ما إن فعلا حتى مرا بقوم أخذوا يهزأون بهما: «انظروا، جحا وابنه يسيران بينما كانا يستطيعا ركوب الحمار».
المفاد، كما هو واضح، أنك لا تستطيع أن تسعد كل المنتقدين. كل يريد الفعل المحدد على النحو الذي يراه هو صحيح. وكم من مرة كتب البعض معيبا على مهرجان ما أنه استعراض مسرف، وحين شد المهرجان الحزام واستغنى عن البذخ كتب البعض نفسه منتقدا غياب الاستعراض والبذخ الذي كان انتقدهما سابقا.
حال من هذا صاحب أخيرا اختيار مهرجان دبي السينمائي الدولي (من السادس حتى السادس عشر من هذا الشهر) في مناسبته العاشرة، فيلم «عمر» للافتتاح. ذلك أن فريقا من الإعلاميين تعجب اختيار فيلم عربي وتساءل منتقدا غياب «الفيلم الأكبر» للافتتاح. والمقصود بالفيلم الأكبر هو الفيلم الأميركي الذي طالما قام مهرجان دبي باختيار واحد مما هو متوفر لعرضه في الافتتاحات السابقة وسط منتقدين يعدون أن افتتاح المهرجان بفيلم أميركي ما هو إلا استجابة لمطالب شركات توزيع، أو أنه انعكاس لسياسة تشجيع العروض الأجنبية وتجنب العربية.
* سؤال صعب
* لكن ألا يستطيع المهرجان أن يكون حرا في اختياره؟
أليست المهرجانات في الأساس هي ممارسات ناتجة عن جهود ورؤى ومعايير يختارها أهل الخبرة وقد يسود بعضها كتقليد مستمر ويتعرض بعضها الآخر للتغيير؟
معظم المنتقدين، في عرف مسؤولين في مهرجان «دبي»، لم يروا فيلم «عمر» بعد. كيف لهم ذلك ولم يسبق عرضه في أي مهرجان أو تظاهرة أو صالة عربية؟ ربما التقطه البعض حين جرى عرضه في إطار مهرجان «كان» السينمائي لكن هؤلاء قلـة وغالبيتهم وقف مع الفيلم وأعجب به. أقل من هؤلاء من ذهب إلى مهرجانات «كارلوفي فاري» و«هامبورغ» و«نيويورك» و«لندن» التي عرضت هذا الفيلم.
من ناحية أخرى، فإن «عمر» هو فيلم جيد بامتياز فعلي. مهرجان دبي أحسن اختياره كعمل سينمائي له أكثر من جانب يستحق من أجله أن يطلق الدورة الجديدة. هو فيلم عودة من تمويل إماراتي لمخرج شق طريقه بنجاح قبل سنوات عندما قدم «الجنة الآن»، ثم هو فيلم فلسطيني القلب والهوى في وقت تسعى فيه بعض الدول العربية للتذكير بالمأساة المستمرة لشعب تحت الاحتلال أو مهدد باحتلال جديد ووشيك.
كما الحال في «الجنة الآن»، فيلم هاني أبو أسعد الذي وصل إلى ترشيحات الأوسكار الرسمية في عداد «أفضل فيلم أجنبي»، فإن الموضوع هنا هو تردد فلسطيني في لعب الدور الذي يفرض عليه. في الفيلم السابق كان على بطله أن يقوم بتفجير انتحاري لصالح الفلسطينيين (لكن ليس لصالح فلسطين) لكنه يمتنع. هنا عليه أن يقوم بالتجسس على الفلسطينيين لكنه يمتنع. الجانب العاطفي يلعب دورا كبيرا يؤدي إلى النهاية المتفجرة التي يخلص إليها الفيلم.
السؤال الصعب الذي ورد في الفيلم السابق حول حق الحياة وتفضيل ذلك على الموت يتبدى كذلك في الفيلم الجديد. بطله عمر (آدم بكري) هو واحد من ثلاثة أفراد يخططون لقتل جندي إسرائيلي. في الوقت ذاته يحب ناديا (ليم لـباني) شقيقة صديقه المقرب طارق (إياد حوراني). الصديق الثالث هو أمجد (سامر بشارات) الذي لا يبدي حبه لناديا أيضا.
يقدم الثلاثة على تنفيذ العملية ومطلق النار هو أمجد. في قرى فلسطين المحتلـة تستطيع أن تتظاهر وسيتعرض لك الأمن الإسرائيلي بقسوة. أن تظهر حنقك وغضبك حيال المعاملة غير الإنسانية وسيهدونك منها المزيد، لكن أن تقتل جنديا إسرائيليا فهذه هي الجريمة التي لن يغفر لها الإسرائيليون وسوف يلاحقونك للقبر كما يقول له ضابط الاستخبارات الذي يجيد الحديث باللكنة الفلسطينية لدرجة أنه يوهم عمر بأنه فلسطيني مثله (وليد زعيتر الذي هو منتج الفيلم أيضا).
يبدأ الفيلم بالجدار المنتصب عاليا ومهارة عمر في تسلـقه للطرف الثاني من الأرض، ولو أن رصاص الجنود سيتطاير فوق رأسه ما سيعيده سريعا إلى حيث أتى. بعد ذلك هناك الدورية التي توقفه وتطلب منه الوقوف على حجر ويديه فوق رأسه. أفراد الدورية يتسامرون وهو لا يستطيع أن يتحمل. ينزل عن الحجر ويعود فيبادره جندي بضربه بكعب بندقيته: «الآن اذهب وقف على قدم واحدة فوق ذلك الحجر».
* وضع دقيق
* هنا يكون المخرج أبو أسعد نجح في شحن الموقف عاطفيا وجلب الجمهور لصف بطله. شحن يعتمد على المشاعر الجاهزة بلا ريب لكن كل ذلك سيتعمق حين يمضي الفيلم في سرد ما يلاقيه عمر في سعيه للوصول لمن يحب. فبعد قتل الجنود يمسك به أفراد الجيش ويسلمونه للمحققين الذين يعذبونه ثم يستقبله الضابط رامي الذي يخيره: السجن أو العمالة. يطلق سراحه على أساس شهر من التجربة عليه فيها المساعدة في تسليم القاتل. الضابط يعتقد أن طارق هو الفاعل، لكن أمجد هو من أطلق النار. ووضع عمر دقيق حتى حيال صاحبيه وحيال حبيبته. هذا الوضع الدقيق يبلور - لجانب سقوطه ضحية الاستخبارات - وضعا متعدد الجوانب وأكثر تعقيدا. ومهارة المخرج أبو أسعد هي أنه عرف كيف يتعامل مع كل الجوانب من دون خطابات أو سياسات مباشرة ويمنحها جميعا صوتها المألوف لكي تصف به مصالحها المتناقضة.
فيلم هاني أبو أسعد تنفيذ سينمائي وجد بين النقاد الغربيين ترحيبا كبيرا يستحقه. حين مقارنته بفيلم إسرائيلي عنوانه «بيت لحم» أخرجه يوفال أدلر، والذي تحدث عن استخدام الموساد عملاء وجواسيس عرب للعمل تحت إمرتهم، فإن ما نحصده هو أن «عمر» يصور الفلسطيني ضحية لبطش مخابرات الجيش الإسرائيلي، بينما يصور «بيت لحم» العملاء الفلسطينيين كمتعاونين وأن الجيش، والسلطة بأسرها، إنما يقومون بما يقومون به من زاوية الدفاع عن الوطن لذا فهم معفون من المسؤولية.
في مقابل أن «عمر» ينقل الواقع كما هو، يختار «بيت لحم» أن يكون انتقائيا. وفي مقابل قيام الفيلم الفلسطيني بعرض كيف يهان الفلسطيني ولا يستطيع أن يفعل شيئا حيال ذلك، يعرض الفيلم الإسرائيلي رباطة جأش القوات الإسرائيلية التي لا تطلق النار على المتظاهرين! لكن «عمر» لا يفقد صوابه ولا يتخلـى عن رزانته. هو ليس هنا لخطاب حماسي بل لعرض واقع ومهرجان دبي، بتاريخه الحافل، اختار أن يعرض هذا الواقع بدوره في فترة يحاول البعض فيها أن تنسى.

* خمسة أفلام تنتظر الاكتشاف في دبي
* هناك الكثير من الأفلام التي تستحق المشاهدة في دورة مهرجان دبي المقبل، لكن الخمسة التالية تأتي من مخرجين عرفوا بأعمالهم المتميزة: «فتاة المصنع» لمحمد خان (مصر)، «سر الوسادة» لجيلالي فرحاتي (المغرب)، «هم الكلاب» لهشام لعسري (المغرب)، «ستيريو فلسطين» لرشيد مشهراوي (فلسطين) و«سلم إلى دمشق» لمحمد ملص (سوريا).
ء



شاشة الناقد: تضحيات صحافيين وانتهاكات انظمة

 «موعد مع بُل بوت» (سي د ب)
«موعد مع بُل بوت» (سي د ب)
TT

شاشة الناقد: تضحيات صحافيين وانتهاكات انظمة

 «موعد مع بُل بوت» (سي د ب)
«موعد مع بُل بوت» (سي د ب)

RENDEZ‪-‬VOUS AVEC POL‪-‬POT ★★★

* إخراج: ريثي بَنه (فرنسا/ كمبوديا)

يأتي فيلم «موعد مع بُل بوت» في وقت تكشف فيه الأرقام سقوط أعداد كبيرة من الصحافيين والإعلاميين قتلى خلال تغطياتهم مناطق التوتر والقتال حول العالم. ويُذكّر الفيلم أن الصحافة في تاريخها العريق، دائماً ما وجدت نفسها أمام مسؤوليات وتحديات عديدة. في هذا الفيلم الذي أخرجه ريثي بَنه عن الأحداث التي عصفت في بلاده سنة 1978 اقتباسات عن كتاب الصحافية إليزابيث بَكَر (Becker) وعن تجربتها بصفتها واحدة من 3 صحافيين دُعوا لمقابلة بُل بوت، رئيس وزراء كمبوديا وأحد قادة منظمة «الخمير الحمر» (Khmer Rouge) المتهمة بقتل ما لا يقل عن مليون و500 كمبودي خلال السبعينات. الصحافيان الآخران هما الأميركي ريتشارد دودمان، والأسكوتلندي مالكوم كالدويل.

لا يبدو أن المخرج اتّبع خُطى الكتاب كاملةً بل تدخّل بغايةِ ولوج الموضوع من جانب الحدث الذي وضع حياة الثلاثة في خطر بعدما جاءوا للتحقيق ومقابلة بُل بوت. في الواقع دفع الأميركي حياته ثمناً لخروجه عن جدول الأعمال الرسمي والتقاطه صوراً تكشف عن قتلٍ جماعي. وفي الفيلم لحظة مختصرة لكنها قاسية التأثير عندما يَلقى الصحافي حتفه غرقاً في نهر دُفع إليه.

الفرنسية إيرين جاكوب التي تؤدي شخصية الكاتبة بَكَر تُعايش بدورها الوضع بكل مأساته. تُفصل عن زميلها ولم تعد تعرف عنه شيئاً، وتمر بدورها بتجربة مخيفة لم تكن تعلم إذا ما كانت ستخرج منها حية.

في باطن هذا الفيلم الجيد على تواضع إنتاجه، تُطرح أسئلة فيما إذا كان الصحافي يستطيع أن يقبل التحوّل إلى جزءٍ من البروباغاندا. وهل هو أداة لنقل الرأي الرسمي بغياب حرية التعبير؟ وماذا لو فعل ذلك وماذا لو لم يفعل؟

هو ليس بالفيلم السّهل متابعته من دون معرفة ذلك التاريخ ودلالاته حول العلاقة بين النُّظم الفاشية والإعلام. والحرية التي لا تُمنح لصحافيين محليين هي نفسها التي لا تُمنح كذلك للأجانب ما دام عليهم نقل ما يُقال لهم فقط.

* عروض: موسم الجوائز ومهرجان «آسيا وورلد فيلم فيستيڤال».

‪THE‬ WRESTLE‪R‬ ★★

* إخراج: إقبال حسين شودهوري (بنغلاديش).

يقترب الرجل المسن موجو (ناصر أودين خان) وسط أشجار ليست بعيدة عن شاطئ البحر وينتقل من واحدة لأخرى ماداً يديه إليها كما لو كان يريد أن يدفعها بعيداً أو أن يُزيحها من مكانها. ومن ثَمّ يتركها ويركض صوب أخرى ليقوم بالفعل نفسه قبل أن يعود إليها. يبعث هذا المشهد على تكراره سخرية غير مقصودة. قد تكون طريقة قديمة لممارسة تمارين المصارعة أو التدريب الوحيد المُتاح في تلك القرية، لكن موجو جادٌ في محاولته لدفع الأشجار إلى الخلف أو تغيير مواقعها، استعداداً لملاقاة مصارع أصغر منه سنّا وأكبر حجماً في المباراة المقبلة.

«المصارع» (أبلبوكس فيلمز)

هناك كثير مما يتأمله المخرج شودهوري بطيئاً قبل تلك المباراة وما بعدها. بعضُ المشاهد لديها نسبة معقولة من الشِّعر الناتج عن تصوير الطبيعة (ماء، أشجار، حياة... إلخ) وبعضها الآخر لا يفضي إلى تقدير خاص. في نصف الساعة الأولى يعكس المخرج شغفاً ما بتصوير شخصياته من الخلف. عندما يتخلى المخرج عن هذه العادة لاحقاً، يستبدل بتلك اللقطات سلسلة من المشاهد البعيدة عن شخصياته في الغالب. هنا يتحسّن تأطير اللقطات على نحوٍ نافع ولو أن شغله على الدراما يبقى غير ذي مكانة.

يطرح الفيلم مشكلة رجلٍ لا يريد الاعتراف بالواقع ويتحدى من هو أكثر قوّة منه. يحقّق طموحه بلقاء المصارع الآخر ويخفق في التغلب عليه. في الواقع يسقط أرضاً مغشياً ومن ثمّ نراه لاحقاً في بيت العائلة قبل أن يعود إلى تلك الأشجار ليصارعها. المخرج (ثاني فيلم له) طموح، لكن أدواته التّعبيرية وإمكانياته التي تفرض نفسها على السيناريو وحجم الفيلم بأسره، محدودة.

* عروض: موسم الجوائز ومهرجان «آسيا وورلد فيلم فيستيڤال».

ONE OF THOSE DAYS WHEN HEMME DIES ★★★

* إخراج: مراد فرات أوغلو (تركيا).

قرب نهاية الفيلم يبدأ الشاب أيوب مراجعة ما مرّ به طوال اليوم. لقد انطلق غاضباً من المُشرِف على العمل عندما شتم أمّه. يعمل أيوب في حقلٍ لتجفيف الطاطم. ويعرف المخرج كيف يوظّف المكان، درامياً (سهل منبطح تحت شمس حامية وصعوبة العمل)، وجمالياً (تلك الثمار المقطوعة إلى نصفين والملقاة فوق شراشف على مد النظر).

«أحد تلك الأيام التي مات فيها هيمي» (مهرجان مراكش)

نقطة الخلاف أن أيوب يُطالب بأتعابه، لكن المُشرف على العمل لم يتقاضَ المال بعد ليدفع له، مما يؤجّج غضب أيوب فينشب شجار بينهما. يركب دراجته النارية وينطلق صوب بلدته. في منزله مسدسٌ سيتسلّح به وفي البال أن يعود لينتقم. معظم الفيلم هو رحلة على الدراجة التي تتعطل مرّتين قبل إصلاحها عند المساء. الأحداث التي تقع على الطريق وفي القرية الصغيرة تُزيّن الموضوع بشخصيات تدخل وتخرج من الحدث الرئيسي الماثل. في أحد هذه الأحداث الثانوية يُساعد أيوب رجلاً عجوزاً اشترى بطيخة ولا يستطيع حملها، فيوصله والبطيخة إلى داره. وفي مشهد آخر يستمع لتوبيخ زوج شقيقته لأنه كان عرض عليه العمل في شركته ورفض. لا يقول لنا الفيلم لماذا رفض ما ينتقص من بنية الموضوع وأسباب عزوف أيوب على تنفيذ وعده لنفسه بالانتقام.

اعتمد المخرج هذين المشهدين وسواهما لملء الوقت الممتد بين عزم أيوب على الانتقام وعزوفه عن ذلك. لكنه هذه المشاهد ضرورية رغم أن الفيلم ينتهي من دون أن يبني حجة دامغة لقرار أيوب النهائي. هذا الفيلم دراما مصوّرة جيداً ومكتوبة بدراية، رغم الهفوات المذكورة.

* عروض حالياً في مهرجان «مراكش»

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز