سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

أطلقت نجوماً وأفلاماً ذات قضايا

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»
TT

سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»

بينما يحتفل صانعو فيلم «بلاك بانثر» بنجاح تجاوز سقف توقعاتهم بلغ ملياراً و244 مليون دولار، فإن الظاهرة التي يمثلها هذا الفيلم هي نجاح الفيلم المبني على شخصية بطل أسود ونجاح الممثل الذي يقود تلك الشخصية وبالتالي الفيلم. وها هو «باسيفيك ريم: ثورة»، يؤكد ذلك من حيث إن بطولته الحقيقية هي لشخصية أفرو - أميركية.
ويتردد الآن في هوليوود أن ديزني التي أطلقت «بلاك بانثر» تقوم بتعديل بعض مشاهد الجزء المقبل من «The Avengers‪:‬ Infinity War» المبرمج للعروض بعد أقل من شهر لكي ترفع من حضور شخصية «بلاك بانثر» فيه.

بيضة ذهب

لكنها ليست المرّة الأولى الذي يستطيع فيها نجم الممثلين السود في هوليوود على نحو تيار أو ظاهرة، وليست المرّة الأولى أيضاً التي تسعى فيه هوليوود للاستفادة من زخم إقبال مفاجئ على بطل فيلم أكشن أسود وهي التي داومت الاعتماد على ممثلين بيض في مثل هذه الأدوار منذ نشأتها.
فالنجاح الحالي يذكِّر بنجاح مفاجئ آخر كان وقع في مطلع السبعينات عندما توالى خروج مجموعة كبيرة من أفلام البطولة السوداء قدّمتها شركات هوليوودية رئيسية بمصاحبة شركات هوليوودية أصغر شأناً. في الحالتين (الماضية والحاضرة) يمكن لنا تلمس قدر من عطش المشاهدين للتغيير ولتلوين الشاشة بشخصيات تختلف، ولو تنميطاً، عن سواها.
التيار المذكور في مطلع السبعينات وحتى ما قبل نهاية ذلك العقد بقليل، سمي بتيار «الاستغلال الأسود» (Black Exploitation) وتم تأليف كلمة واحدة من هذه العبارة الفاضحة للمرمى المنشود من هذا التيار، وهي «Blaxploitation» التي شملت كل فيلم محض تجاري قامت هوليوود بإنتاجه في ذلك الحين لأجل استهلاك واستغلال الممثلين الأفرو - أميركيين لبطولات أفلام لا يُتوخى منها أكثر من أن تبيض ذهباً، ومعظمها فعل ذلك لأن تكاليفها كانت زهيدة (بالمقارنة) وتحقيقها كان سريعاً ولم تتطلب كتابتها سوى تقديم بطل أسود يواجه أشراراً من السود والبيض معاً ويحمل مسدساً (أو رشاشاً) يحل به مشكلاته ومشكلات مواطنيه.
هذا لا يمنع من تسجيل حقيقتين بالغتي الأهمية.
الأولى أن هذا التيار انطلق في البداية كنقد للمنوال التي تجاهلت فيه هوليوود السود الأميركيين إلا من بعض اللفتات المحدودة التي كان لا بد منها.
الثانية أن هذا التيار التجاري المحض أنتج أفلاما جيدة بقدر ما أنتج أفلاماً هزيلة لا قيمة فنية أو ضمنية لها.
أيضاً لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن تلك الموجة العارمة من الأفلام كانت في الأساس مشاركة من قِبل السينمائيين القائمين بها في التعليق على العقد السابق الذي حفل بسعي الأفرو - أميركيين للحصول على حقوق اجتماعية وقانونية متساوية مع خلانهم البيض.
هذا ما كان في بال ملفين فان بيبلز (ولد الممثل والمخرج الحالي ماريو فون بيبلز) عندما أنجز، سنة 1971، كتابة وإنتاج وتصوير ووضع موسيقى وتمثيل وإخراج فيلم حمّله عنواناً التقى سريعاً مع نبض الشارع الأسود وهو Sweet Sweetback‪›‬s Baadasssss Song. صوره في أسبوعين بميزانية بضعة ألوف من الدولارات حول بطل أسود في صراع مع المؤسسة النظامية الجائرة حسب الفيلم وبالتلاقي مع ملايين المشاهدين الأميركيين السود في الولايات المتحدة.
بعد أشهر قليلة، خرج استوديو «مترو غولدوين ماير» بمفاجأة كبيرة: فيلم بوليسي من بطولة تحر خاص أسود اسمه جون شافت. الفيلم (وعنوانه Shaft) تحلّى بأغنية من وضع وتأليف أيزاك هايز وبإخراج من الأفرو - أميركي غوردن باركس. وللبطولة تم اختيار ممثل لم يسبق له أن ظهر على الشاشة الكبيرة مطلقاً هو رتشارد راوندتري (لديه الآن قرابة 70 فيلماً في جعبته). شافت سيعاين أسباب الجريمة التي تقع في حي هارلم النيويوركي وسيجد من هي القوى البيضاء التي تعمل مع عناصر سوداء محلية لإشاعة المخدرات، ولم ينس الفيلم وجود تحر عنصري من المؤسسة الرسمية ولا مشاهد غرامية تلهب المشاهدين بصرف النظر عن لون بشرتهم في الوقت التي تمنح فيه بطل الفيلم الموقع الإثاري المتقدم الذي يغازل ذكورية الرجل الأسود.

سيل أكبر

«شافت» الذي تكلف مليون دولار جلب سريعاً 12 مليون دولار بحسبة ذلك الزمان، والشركة المنتجة لم تتأخر وأقدمت في العام التالي على تحقيق جزء ثانٍ بعنوان «ضربة شافت الكبيرة» Shaft‪›‬s Big Score.
لكن السينما لم تكن في وضع انتظار الجزء الثاني بل ألهب نجاح «شافت» و«سويت سويتباك» حماس الآخرين سريعاً فتم إطلاق سيل من تلك الأفلام في الأشهر الأخيرة من سنة 1971 وطوال العام التالي. أحد أهم هذه الأفلام كان «الحافلة آتية» (The Bus is Coming) لوندل جيمس فرانكلين وموضوعه يصبّ مباشرة في موضوع العنصرية كون بطله مايك ب. سيمس عاد من فيتنام ليجد أن شقيقه قُتل على أيدي عصبة من رجال البوليس العنصريين فقرر الانتقام منهم.
على أثره فيلم أقرب إلى «شافت» منه إلى «الحافلة آتية» وهو «نسيم بارد» (Cool Breeze) الذي سارعت م. ج. م. لتحقيقه قبل إطلاقها «ضربة شافت الكبيرة». هذا الفيلم كان إعادة صنع لفيلم كلاسيكي بعنوان «الغابة الإسفلتية» (The Asphalt Jungle) الذي أخرجه جون هيوستون ولم يحمل، تبعاً للقصة التي وضعها ويليام بارنت أي شخصية ملوّنة. «نسيم بارد» أخرجه سينمائي أبيض هو باري بولاك.
‫في مطلع عام 1972 بدأ سيل أكبر بالوثوب إلى شاشات العرض وبنجاحات متوالية. والفيلم الأول من بينها كان من إخراج غوردن باركس جونيور، أي ابن غوردن باركس الذي حقق «شافت». الفيلم الذي اختاره بوليسي المعالجة وعنوانه «سوبر فلاي» مع أغنية مناسبة من كيرتس مايفيلد تحذّر من سطوة بطله رون أو نيل الذي كان ظهر في فيلم من بطولة سيدني بواتييه عنوانه «المنظمة» (The Organisation لدون مدفورد).‬
دور سيدني بواتييه، وهو الممثل الذي كان حقق نجومية كبيرة قبل بداية تيار «الاستغلال» لكن في أفلام أعلى شأناً درامياً وفنياً وإنتاجياً من تلك الموجة (من بينها مثلاً «في حرارة الليل» لنورمان جويسون)، كان مصاحباً وموحياً لتلك الحقبة. كان اعتبر من أواخر الستينات بمثابة الأمل الأسود الكبير بين أترابه. تحوّل إلى نجم بموازاة نجوم الشاشة البيضاء آنذاك ومنهم وورن بايتي وجاك نيكولسون وروبرت ردفورد. لكنه لم يشترك في فيلم رخيص التكلفة ومنتم إلى تيار السينما الاستهلاكية التي بدت أقل شأناً من تلك الإنتاجات الأرقى التي كانت هوليوود لا تزال تنجزها.
بعض ممثلي هذه السينما الاستهلاكية تبوأوا لاحقاً مكانة موازية لمكانة سيدني بواتييه أو كادت ومنهم جيم براون الذي انطلق بفيلم عنوانه «سلوتر»، من إخراج جاك ستارت، ونجاح هذا الفيلم أدى لجزء ثان هو «غنيمة سلوتر الكبيرة».
سنة 1972 ذاتها شهدت الانتقال إلى استخدام شخصيات رعب كلاسيكية تم تلوينها مثل «دراكولا» الذي بات اسمه «بلاكولا»، وفي العام التالي «بلاك فرنكنستين»، كلاهما ضخَّ بعض النجاح لكنهما ابتعدا عن جادة المعالجات المعادية للعنصرية. هذه المعالجات استمرت في سلسلة من الأفلام من بينها «هامر» (من بطولة فرد ويليامسون الذي أكمل الدرب حتى ما بعد انتهاء سنوات التيار منفرداً) و«رجل المتاعب» و«بلاك غن» و«تريك بايبي» وكلها كانت من إخراج سينمائيين بيض سارعوا لامتطاء الجياد المتوفرة.
لكن عام 1973 شهد تطوراً مثيراً للملاحظة، وهو: دخول المرأة مجال البطولة لهذه الأفلام وبدأ كل شيء بفيلم رديء الصنع اسمه «كوفي» (باسم القهوة السوداء) الذي قامت ببطولته بام غرير التي تحوّلت إلى أيقونة في هذه السينما. «كوفي» تعلن الحرب على مروّجي المخدرات بعدما تسبب مروّجوها بإدمان شقيقتها الصغيرة. أخرج هذا الفيلم (الأبيض) جاك هِل الذي اشتغل أيضاً على سلسلة من أفلام السجون النسائية.
أفضل من «كوفي» كان «كليوباترا جونز» إخراج جاك ستارت مع تامارا بودبسون في دور مقاتلة في سبيل الغاية ذاتها، وهي إيقاف انتشار المخدرات. الفيلم يبدأ بإشراف كليوباترا على حرق حقل من حشيشة الكيف في تركيا، قبل أن ينتقل إلى قلب هارلم لأن إحدى العصابات تتضرر مما قامت به البطلة وتقرر قتلها.
نهاية الموجة العامرة دنت بحلول سنة 1977، وبعد أن شهدت أكثر من 40 فيلماً من هذا النوع. فيلم النهاية كان «أخوة» (إنتاج «وورنر») الذي عاد إلى نطاق الأوضاع العنصرية التي فجرت ذلك التيار بداية. «أخوة» كان في الوقت ذاته رومانسياً مستوحى من أحداث فعلية المناضلة المعروفة أنجيلا ديفيز.

أين هم الآن؟

> تامارا دوبسون بطلة Cleopatra Jones: اعتزلت التمثيل سنة 1983 بعد حفنة أخرى من الأفلام آخرها فيلم سجون اسمه «Chained Heat».
> بام غرير: بعد «كوفي» وأفلام أخرى مشابهة وجدت سبيلاً للتمثيل في أفلام درامية أفضل لكنها غابت لفترة إلى أن وضعها كوينتن تارانتينو بطلة فيلمه «جاكي براون» سنة 1997.
> جيم براون: حالياً منتج منفذ لحلقات The All Summit التلفزيونية. سينمائياً شق طريقه بنجاح حتى منتصف الثمانينات قبل قيامه بأدوار مساندة غالباً.‬



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز