سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

أطلقت نجوماً وأفلاماً ذات قضايا

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»
TT

سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»

بينما يحتفل صانعو فيلم «بلاك بانثر» بنجاح تجاوز سقف توقعاتهم بلغ ملياراً و244 مليون دولار، فإن الظاهرة التي يمثلها هذا الفيلم هي نجاح الفيلم المبني على شخصية بطل أسود ونجاح الممثل الذي يقود تلك الشخصية وبالتالي الفيلم. وها هو «باسيفيك ريم: ثورة»، يؤكد ذلك من حيث إن بطولته الحقيقية هي لشخصية أفرو - أميركية.
ويتردد الآن في هوليوود أن ديزني التي أطلقت «بلاك بانثر» تقوم بتعديل بعض مشاهد الجزء المقبل من «The Avengers‪:‬ Infinity War» المبرمج للعروض بعد أقل من شهر لكي ترفع من حضور شخصية «بلاك بانثر» فيه.

بيضة ذهب

لكنها ليست المرّة الأولى الذي يستطيع فيها نجم الممثلين السود في هوليوود على نحو تيار أو ظاهرة، وليست المرّة الأولى أيضاً التي تسعى فيه هوليوود للاستفادة من زخم إقبال مفاجئ على بطل فيلم أكشن أسود وهي التي داومت الاعتماد على ممثلين بيض في مثل هذه الأدوار منذ نشأتها.
فالنجاح الحالي يذكِّر بنجاح مفاجئ آخر كان وقع في مطلع السبعينات عندما توالى خروج مجموعة كبيرة من أفلام البطولة السوداء قدّمتها شركات هوليوودية رئيسية بمصاحبة شركات هوليوودية أصغر شأناً. في الحالتين (الماضية والحاضرة) يمكن لنا تلمس قدر من عطش المشاهدين للتغيير ولتلوين الشاشة بشخصيات تختلف، ولو تنميطاً، عن سواها.
التيار المذكور في مطلع السبعينات وحتى ما قبل نهاية ذلك العقد بقليل، سمي بتيار «الاستغلال الأسود» (Black Exploitation) وتم تأليف كلمة واحدة من هذه العبارة الفاضحة للمرمى المنشود من هذا التيار، وهي «Blaxploitation» التي شملت كل فيلم محض تجاري قامت هوليوود بإنتاجه في ذلك الحين لأجل استهلاك واستغلال الممثلين الأفرو - أميركيين لبطولات أفلام لا يُتوخى منها أكثر من أن تبيض ذهباً، ومعظمها فعل ذلك لأن تكاليفها كانت زهيدة (بالمقارنة) وتحقيقها كان سريعاً ولم تتطلب كتابتها سوى تقديم بطل أسود يواجه أشراراً من السود والبيض معاً ويحمل مسدساً (أو رشاشاً) يحل به مشكلاته ومشكلات مواطنيه.
هذا لا يمنع من تسجيل حقيقتين بالغتي الأهمية.
الأولى أن هذا التيار انطلق في البداية كنقد للمنوال التي تجاهلت فيه هوليوود السود الأميركيين إلا من بعض اللفتات المحدودة التي كان لا بد منها.
الثانية أن هذا التيار التجاري المحض أنتج أفلاما جيدة بقدر ما أنتج أفلاماً هزيلة لا قيمة فنية أو ضمنية لها.
أيضاً لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن تلك الموجة العارمة من الأفلام كانت في الأساس مشاركة من قِبل السينمائيين القائمين بها في التعليق على العقد السابق الذي حفل بسعي الأفرو - أميركيين للحصول على حقوق اجتماعية وقانونية متساوية مع خلانهم البيض.
هذا ما كان في بال ملفين فان بيبلز (ولد الممثل والمخرج الحالي ماريو فون بيبلز) عندما أنجز، سنة 1971، كتابة وإنتاج وتصوير ووضع موسيقى وتمثيل وإخراج فيلم حمّله عنواناً التقى سريعاً مع نبض الشارع الأسود وهو Sweet Sweetback‪›‬s Baadasssss Song. صوره في أسبوعين بميزانية بضعة ألوف من الدولارات حول بطل أسود في صراع مع المؤسسة النظامية الجائرة حسب الفيلم وبالتلاقي مع ملايين المشاهدين الأميركيين السود في الولايات المتحدة.
بعد أشهر قليلة، خرج استوديو «مترو غولدوين ماير» بمفاجأة كبيرة: فيلم بوليسي من بطولة تحر خاص أسود اسمه جون شافت. الفيلم (وعنوانه Shaft) تحلّى بأغنية من وضع وتأليف أيزاك هايز وبإخراج من الأفرو - أميركي غوردن باركس. وللبطولة تم اختيار ممثل لم يسبق له أن ظهر على الشاشة الكبيرة مطلقاً هو رتشارد راوندتري (لديه الآن قرابة 70 فيلماً في جعبته). شافت سيعاين أسباب الجريمة التي تقع في حي هارلم النيويوركي وسيجد من هي القوى البيضاء التي تعمل مع عناصر سوداء محلية لإشاعة المخدرات، ولم ينس الفيلم وجود تحر عنصري من المؤسسة الرسمية ولا مشاهد غرامية تلهب المشاهدين بصرف النظر عن لون بشرتهم في الوقت التي تمنح فيه بطل الفيلم الموقع الإثاري المتقدم الذي يغازل ذكورية الرجل الأسود.

سيل أكبر

«شافت» الذي تكلف مليون دولار جلب سريعاً 12 مليون دولار بحسبة ذلك الزمان، والشركة المنتجة لم تتأخر وأقدمت في العام التالي على تحقيق جزء ثانٍ بعنوان «ضربة شافت الكبيرة» Shaft‪›‬s Big Score.
لكن السينما لم تكن في وضع انتظار الجزء الثاني بل ألهب نجاح «شافت» و«سويت سويتباك» حماس الآخرين سريعاً فتم إطلاق سيل من تلك الأفلام في الأشهر الأخيرة من سنة 1971 وطوال العام التالي. أحد أهم هذه الأفلام كان «الحافلة آتية» (The Bus is Coming) لوندل جيمس فرانكلين وموضوعه يصبّ مباشرة في موضوع العنصرية كون بطله مايك ب. سيمس عاد من فيتنام ليجد أن شقيقه قُتل على أيدي عصبة من رجال البوليس العنصريين فقرر الانتقام منهم.
على أثره فيلم أقرب إلى «شافت» منه إلى «الحافلة آتية» وهو «نسيم بارد» (Cool Breeze) الذي سارعت م. ج. م. لتحقيقه قبل إطلاقها «ضربة شافت الكبيرة». هذا الفيلم كان إعادة صنع لفيلم كلاسيكي بعنوان «الغابة الإسفلتية» (The Asphalt Jungle) الذي أخرجه جون هيوستون ولم يحمل، تبعاً للقصة التي وضعها ويليام بارنت أي شخصية ملوّنة. «نسيم بارد» أخرجه سينمائي أبيض هو باري بولاك.
‫في مطلع عام 1972 بدأ سيل أكبر بالوثوب إلى شاشات العرض وبنجاحات متوالية. والفيلم الأول من بينها كان من إخراج غوردن باركس جونيور، أي ابن غوردن باركس الذي حقق «شافت». الفيلم الذي اختاره بوليسي المعالجة وعنوانه «سوبر فلاي» مع أغنية مناسبة من كيرتس مايفيلد تحذّر من سطوة بطله رون أو نيل الذي كان ظهر في فيلم من بطولة سيدني بواتييه عنوانه «المنظمة» (The Organisation لدون مدفورد).‬
دور سيدني بواتييه، وهو الممثل الذي كان حقق نجومية كبيرة قبل بداية تيار «الاستغلال» لكن في أفلام أعلى شأناً درامياً وفنياً وإنتاجياً من تلك الموجة (من بينها مثلاً «في حرارة الليل» لنورمان جويسون)، كان مصاحباً وموحياً لتلك الحقبة. كان اعتبر من أواخر الستينات بمثابة الأمل الأسود الكبير بين أترابه. تحوّل إلى نجم بموازاة نجوم الشاشة البيضاء آنذاك ومنهم وورن بايتي وجاك نيكولسون وروبرت ردفورد. لكنه لم يشترك في فيلم رخيص التكلفة ومنتم إلى تيار السينما الاستهلاكية التي بدت أقل شأناً من تلك الإنتاجات الأرقى التي كانت هوليوود لا تزال تنجزها.
بعض ممثلي هذه السينما الاستهلاكية تبوأوا لاحقاً مكانة موازية لمكانة سيدني بواتييه أو كادت ومنهم جيم براون الذي انطلق بفيلم عنوانه «سلوتر»، من إخراج جاك ستارت، ونجاح هذا الفيلم أدى لجزء ثان هو «غنيمة سلوتر الكبيرة».
سنة 1972 ذاتها شهدت الانتقال إلى استخدام شخصيات رعب كلاسيكية تم تلوينها مثل «دراكولا» الذي بات اسمه «بلاكولا»، وفي العام التالي «بلاك فرنكنستين»، كلاهما ضخَّ بعض النجاح لكنهما ابتعدا عن جادة المعالجات المعادية للعنصرية. هذه المعالجات استمرت في سلسلة من الأفلام من بينها «هامر» (من بطولة فرد ويليامسون الذي أكمل الدرب حتى ما بعد انتهاء سنوات التيار منفرداً) و«رجل المتاعب» و«بلاك غن» و«تريك بايبي» وكلها كانت من إخراج سينمائيين بيض سارعوا لامتطاء الجياد المتوفرة.
لكن عام 1973 شهد تطوراً مثيراً للملاحظة، وهو: دخول المرأة مجال البطولة لهذه الأفلام وبدأ كل شيء بفيلم رديء الصنع اسمه «كوفي» (باسم القهوة السوداء) الذي قامت ببطولته بام غرير التي تحوّلت إلى أيقونة في هذه السينما. «كوفي» تعلن الحرب على مروّجي المخدرات بعدما تسبب مروّجوها بإدمان شقيقتها الصغيرة. أخرج هذا الفيلم (الأبيض) جاك هِل الذي اشتغل أيضاً على سلسلة من أفلام السجون النسائية.
أفضل من «كوفي» كان «كليوباترا جونز» إخراج جاك ستارت مع تامارا بودبسون في دور مقاتلة في سبيل الغاية ذاتها، وهي إيقاف انتشار المخدرات. الفيلم يبدأ بإشراف كليوباترا على حرق حقل من حشيشة الكيف في تركيا، قبل أن ينتقل إلى قلب هارلم لأن إحدى العصابات تتضرر مما قامت به البطلة وتقرر قتلها.
نهاية الموجة العامرة دنت بحلول سنة 1977، وبعد أن شهدت أكثر من 40 فيلماً من هذا النوع. فيلم النهاية كان «أخوة» (إنتاج «وورنر») الذي عاد إلى نطاق الأوضاع العنصرية التي فجرت ذلك التيار بداية. «أخوة» كان في الوقت ذاته رومانسياً مستوحى من أحداث فعلية المناضلة المعروفة أنجيلا ديفيز.

أين هم الآن؟

> تامارا دوبسون بطلة Cleopatra Jones: اعتزلت التمثيل سنة 1983 بعد حفنة أخرى من الأفلام آخرها فيلم سجون اسمه «Chained Heat».
> بام غرير: بعد «كوفي» وأفلام أخرى مشابهة وجدت سبيلاً للتمثيل في أفلام درامية أفضل لكنها غابت لفترة إلى أن وضعها كوينتن تارانتينو بطلة فيلمه «جاكي براون» سنة 1997.
> جيم براون: حالياً منتج منفذ لحلقات The All Summit التلفزيونية. سينمائياً شق طريقه بنجاح حتى منتصف الثمانينات قبل قيامه بأدوار مساندة غالباً.‬



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً