بسطاء خرجوا من عباءة «الإخوان» وصوتوا للاستقرار

{الشرق الأوسط} ترصد كيف انتخبت ناهيا في «رئاسية مصر»

ناخب في ناهيا بعد تصويته في الانتخابات أمس («الشرق الأوسط»)
ناخب في ناهيا بعد تصويته في الانتخابات أمس («الشرق الأوسط»)
TT

بسطاء خرجوا من عباءة «الإخوان» وصوتوا للاستقرار

ناخب في ناهيا بعد تصويته في الانتخابات أمس («الشرق الأوسط»)
ناخب في ناهيا بعد تصويته في الانتخابات أمس («الشرق الأوسط»)

يأمل خالد عبد الحليم، وهو سائق في قرية ناهيا في محافظة الجيزة (غرب القاهرة)، في أن تكون الانتخابات الرئاسية التي انتهت، أمس، «فرصة لتصحيح الصورة» النمطية المأخوذة عن قريته باعتبارها «معقلاً» للمتشددين. واعتبر أن «خروج آلاف الأهالي للتصويت رسالة تعكس حرصاً على استقرار الأوضاع في البلاد».
شوارع ضيقة ذات طرق غير ممهدة، باستثناء الشارع الرئيسي، ومجموعة من المحال البسيطة، تحيطها زراعات القمح والبرسيم على مساحات واسعة، تلخص حال القرية التي عانى قاطنوها كثيراً من تصنيفها في عداد «معاقل الإرهاب»، إلا أنهم أصروا على تصحيح هذه الصورة بالنزول إلى صناديق الانتخاب.
ويرى رشوان الزمر، وهو أحد أفراد عائلة القياديين في «الجماعة الإسلامية» عبود وطارق الزمر، أن «المنطقة باتت أكثر هدوءاً من ذي قبل بفضل السيطرة الأمنية واختفاء بعض العناصر، وهروب البعض الآخر إلى الخارج».
ورصدت «الشرق الأوسط» إقبالاً بدا ضعيفاً في الساعات الأولى من الصباح، قبل أن يرتفع تدريجياً بعد الظهيرة، عقب خروج الموظفين من أعمالهم، يحملون قمصاناً بصورة الرئيس عبد الفتاح السيسي وأخرى بصورة نائب القرية علاء والي الذي تكفل بسيارات لنقل الناخبين والمندوبين إلى لجان الاقتراع.
بقبقاب وجلباب تقليدي، دخلت امرأة مسنة إلى لجنة «مدرسة ناهيا الابتدائية بنين»، متحدثة مع المندوبين وأفراد الأمن الموجودين لطلب الانتخاب للمرة الثانية، إلا أن الموظفين أكدوا لها عدم جواز التصويت أكثر من مرة، لترد بلهجتها البسيطة، قائلة: «والله العظيم لو أطول انتخب كل يوم كنت انتخبت».
تسهيلات التصويت في القرية وصلت إلى الوحدة المحلية التي منحت موظفيها نصف يوم راحة للذهاب إلى الصناديق والإدلاء بأصواتهم طوال أيام الاقتراع. ويوضح رئيس الوحدة محمد عيد أن عدد الذين أدلوا بصوتهم في ناهيا حتى نهاية اليوم الثاني يزيد على 6800 مواطن، فيما يبلغ إجمالي عدد السكان أكثر من 80 ألفاً.
ويؤكد عيد لـ«الشرق الأوسط» أن هذا العدد يعد «مقبولاً نسبياً»، خصوصاً قبل انتهاء اليوم الثالث أمس، وتوقع توافد من لم يدلوا بأصواتهم قبل نهاية اليوم. وعزا ذلك إلى الهدوء الذي باتت تشهده القرية بعد توقف المظاهرات والمسيرات التي كانت تخرج منها منذ أكثر من سنتين لدعم «الإخوان»، فضلاً عن سيطرة الأمن على البلطجية الذين كانوا يقطنونها، مستدركاً: «كل هؤلاء اختفوا تماماً ولم يعد لهم نشاط يذكر».
ولا يقلل خالد عبد الحليم الذي التقته «الشرق الأوسط» بعد إدلائه بصوته، أمس، من غلاء المعيشة وضغوط الحياة، لكنه يرى أن ذلك «لا يقارن بالشأن الذي صنعه الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصر في الداخل والخارج». وقال: «شقيقاي الاثنان كانا ينتميان إلى جماعة الإخوان، وكانا يخرجان في مسيرات داعمة للتنظيم في كرداسة، إلا أنهما توقفا عن ذلك في السنوات الأخيرة، بعد خفوت وجود الجماعة واستقرار الأوضاع. الأمر اختلف كلياً في الفترة الأخيرة».
ويضيف: «أهل مكة أدرى بشعابها، وأنا عشت طوال حياتي في كرداسة (المدينة التي تتبعها ناهيا)، وأرى بعيني أن الجماعات الإسلامية في المنطقة قلة لا تذكر لكنها ذات صوت عال، يظهر للبعض منه كبر حجمها، فمعظمهم الآن تركوا البلاد وسافروا إلى تركيا والسودان، ومن تبق منهم لم يعد له نشاط ملحوظ. لا أحد يستطيع أن يتحدى الدولة أو يقف في وجهها».
أحد الأسباب التي دفعت عبد الحليم إلى التحمس للتصويت كان رغبته في حياة أكثر أماناً لنجله الضابط في القوات المسلحة والمشرف على إحدى لجان التصويت في مدينة طوخ في محافظة القليوبية، بعد العمليات التي تنفذها عناصر إرهابية ضد قوات الجيش والشرطة والمدنيين. وهو يرى أن استهداف موكب مدير أمن الإسكندرية اللواء مصطفى النمر «كان محاولة لتخويف المواطنين ودفعهم للإحجام عن النزول... العمليات الإرهابية الأخيرة دفعتني للاتصال بابني أكثر من 5 مرات يومياً للتأكد من سلامته، ولا أغلق الهاتف إلا بعد الاطمئنان عليه».
وعن لافتات الدعاية الموجودة في شوارع القرية، يوضح أن «السيسي لا يصرف شيئا من جيبه، ولا أعتقد أنه أمر أحداً بذلك، لكن نائبي الدائرة علاء والي وسعيد حساسين هما من تطوعا بتوفير سيارات لنقل الناخبين والمندوبين إلى لجان التصويت».
ويؤكد مدير مكتب رئيس مجلس مدينة كرداسة أحمد فروجة أن الانتخابات الرئاسية اختلفت كثيراً عن أي انتخابات سابقة، وأن المسؤولين التنفيذيين «لم يتوقعوا حجم هذا الحضور، نظرا لكتلة الإخوان الموجودة في المنطقة»، موضحاً أن «ناهيا وحدها تضم أكبر عدد من المقرات الانتخابية في مدينة كرداسة بواقع 7 مقرات، الواحد منها يضم لجنتين أو ثلاثا فرعية».
صاحب مخبز على مدخل القرية يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه أدلى بصوته «من أجل الخدمات» التي يأمل في أن يوفرها الرئيس للأهالي، بعد عودة الهدوء تدريجياً إلى القرية، لافتاً إلى أن «المنطقة قبل أكثر من سنتين كانت تعاني اضطراباً شديداً، بسبب مظاهرات مؤيدي الإخوان، قبل أن يختفي ذلك تماماً بعد بسط قوات الأمن سيطرتها عليها».
مطالبات أهالي القرية من المسؤولين غاية في البساطة، لا تتعدى حلول مشاكل الصرف الصحي ورصف الطرق، فضلاً عن بعض المنشآت الخدمية. وعن ذلك يجيب فروجة: «انتهينا من تنفيذ محطة الصرف الصحي في ناهيا بنسبة 99 في المائة لخدمة الأهالي بتكلفة 101 مليون جنيه (أكثر من 5 ملايين دولار)، ونعمل أيضاً بشكل مستمر في خدمات المياه والكهرباء، وصيانة أعمدة الإنارة وتمهيد الطرق، وأبرزها الشارع الرئيسي للقرية، لكن بعض ممارسات الأهالي تقصر من العمر الزمني للطرق المرصوفة، لذا نعمل على إعادة تأهيلها بشكل مستمر، وخلال السنوات المقبلة ستكون هناك طفرة كبيرة في الخدمات».
وارتبطت ناهيا في ذاكرة الكثيرين بأنها معقل «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية» في مصر، خصوصاً بعدما خرج منها القيادي البارز في «الإخوان» عصام العريان، فضلاً عن القيادي التاريخي في «الجماعة الإسلامية» عبود الزمر، المدان في اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، وشقيقه الرئيس السابق لحزب «البناء والتنمية»، الذراع السياسية للجماعة، الهارب في تركيا طارق الزمر، لكن الوضع يكاد يكون مختلفاً كلياً في الفترة الأخيرة.
ويتردد عبود الزمر على القرية من حين إلى آخر من مقر إقامته في منطقة الهرم، آخرها في الأيام الماضية لحضور عزاء أحد أقاربه، بعد اعتزاله النشاط السياسي. أما العريان المحبوس حالياً فقد نزح جده إلى القرية ليستقر وأبناؤه بها ويكونوا مجموعة من الأسر ما زالت موجودة حتى الآن.
ويعزز رشوان الزمر هذا التصور، قائلاً: «لا أحد ينكر وجود منتمين إلى جماعات الإسلام السياسي في القرية، لكن هذا الوجود ليس بالشكل الذي يراه البعض. هم فقط تخدمهم آلات إعلامية تضخم من حجمهم الحقيقي، ولا يجب أن نأخذ هذا الأمر على أنه الواقع الوحيد للمنطقة، فعلى رغم انتماء عبود وطارق الزمر إلى أسرتي، فإنني وكثيرين من أفراد العائلة خرجنا للإدلاء بأصواتنا في الانتخابات، رغبة منا في عودة الاستقرار إلى المنطقة التي عانت كثيراً بسبب توجهات بعض المحسوبين عليها».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأهالي لديهم رغبة ملحة في محو الصورة السيئة التي وضعهم فيها الإعلام، ونحن على رأسهم، فالبعض ما زال يتعامل معنا على أننا جهاديون أو غير ذلك، وهذا غير صحيح بالمرة، ويؤثر علينا بشكل كبير، فنحن نقف وراء كل ما من شأنه استقرار الدولة والأوضاع، لنا ولأجيالنا المقبلة».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.