«نظريّة المعرفة عند ابن خلدون... دراسة تحليلية» لعلي الوردي

علي الوردي
علي الوردي
TT

«نظريّة المعرفة عند ابن خلدون... دراسة تحليلية» لعلي الوردي

علي الوردي
علي الوردي

عن دار «شركة الوراق للنشر المحدودة» يصدر قريباً كتاب «نظريّة المعرفة عند ابن خلدون - دراسة تحليليّة»، وهي أساساً دراسة أكاديمية نال عنها عالم الاجتماع علي الوردي أطروحة الدكتوراه. وهي مكتوبة باللغة الإنجليزية، وقد ترجمها إلى العربية د. أنيس عبد الخالق محمود القيسي.
وننشر هنا مقدمة د. الوردي للكتاب:
يعدّ ابن خلدون من الشخصيّات الغامضة التي يصعُب فهمها، ولم يتّفق نقّادُه على المعنى الحقيقي لكتاباته قطّ. ويعزو البعضُ إليه بعضَ النيّات التي لعلّه لم يفكّر بها قطّ.
وبينما يذكر أحد الكُتّاب أنه شخصٌ متديّنٌ للغاية، يعدّه آخر ملحداً وعلمانياً إلى أبعد الحدود. وبينما يعدّه أحدهم عروبياً متفانياً، يعدّه آخر بربرياً عدواً لدوداً للعرب. وفي الآونة الأخيرة شَبَّهَ أحد الكُتّاب العرب مقدّمته بالكتاب المقدّس لكي يستنهض الجيل الجديد في العالم العربي اليوم، كرمز لعظمة أجدادهم ودليلاً على ذكائهم المبدع؛ في حين دافع كاتب عربي آخر عن حرق جميع كتبه ونبش عظامه أيضاً بدعوى أنه كان عدواً مؤكّداً للأمّة العربيّة.
وقد ولّى الزمن الذي كانت تعدّ فيه هذه الحقيقة معلومة موضوعيّة موجودة «هناك»، وبالتالي فإن أي شخص يتمتّع بنظرة ثاقبة يستطيع أن يفهم حقيقتها الكاملة. إن هذه الفكرة لم تعدّ صحيحة. فالحقيقة الآن ظاهرة معقّدة للغاية ومن المستحيل أن يُنظر إليها كلياً من منظور منفرد. ويمكن أن نشبّه الحقيقة بهرم متعدد الأوجه. فلا يستطيع أحد أن يرى جميع أوجهه في آن واحد وهو واقفٌ في مكان واحد. وقد أشار مانهاين إلى أن الحقيقة لا يمكن أن تُفهم إلاّ من خلال شكل دائريّ، أي من خلال نظرة عامّة تجمع جميع الآراء الشخصيّة المختلفة.
إن الخطأ الذي وقع فيه منتقدو ابن خلدون هو أنهم يحاولون فرض فئاتهم ومبادئهم الفكريّة الخاصّة، أي رؤاهم الخاصّة، على ابن خلدون. وكانت النتيجة أن خرج كلّ منهم في دراسته بتفسير مختلف إلى حدٍّ ما.
فالمفكّر العربي طه حسين، والمترجم الفرنسي لمقدّمة ابن خلدون دي سلان (*)، يشكوان من غموض كتابات ابن خلدون وتناقضاتها. والواقع أن ابن خلدون بعيدٌ عن تقديرهم، فكتاباته واضحة جداً مقارنة بالكُتّاب الآخرين في عصره وثقافته. ويمكن أن يُعزى غموض ابن خلدون الذي يشكو منه دي سلان إلى أن الأخير درس ابن خلدون من زاوية «سكونيّة»، بينما كان ابن خلدون ينظر إلى الظواهر الاجتماعيّة من زاوية «متحرّكة».
ويرى ابن خلدون أن الشيء نفسه يمكن أن يُنظر إليه على أنه جيّدٌ وسيّءٌ، مفيدٌ وضارّ. وهذا رأي متناقضٌ بشكل صادم لمَن ينظرون إلى الأمور من خلال منطق أرسطو. فلا يستطيع دي سلان ومعظم نُقّاد ابن خلدون، ولا سيما الكُتّاب العرب في العصر الحديث، أن يفهموا كيف يمدح ابن خلدون العربَ ويعلن في الوقت نفسه بأنهم أكثر الشعوب همجيّة على الأرض.
ولأن هؤلاء الكُتّاب يعيشون تحت تأثير الحضارة الحديثة، فهُم لا يستطيعون الامتناع عن الاستنتاج بأن «الهمجيّة» هي إحدى أكثر الصفات المهينة والمخزية التي يمكن أن توْسَم بها أي أمّة. ولكن عندما ننظر من خلال منظور ابن خلدون، نرى أن تلك «الهمجيّة» ليست مهينة كما يعتقد أولئك المنتقدون. فعندما نتتبّع حجّة ابن خلدون، قد نرى أن مفردة «همجيّة» تحمل المعنى نفسه الذي تحمله مفردات «الرجولة» و«الشجاعة» و«الحُريّة» و«الفخر» وما إلى ذلك. وقد تعني الحضارة لدى ابن خلدون «النعومة» و«الأنوثة» و«الجبن» و«الذلّ»، وما إلى ذلك. وقد عدّها ابن خلدون من علامات النقص لدى الشخص.
ويمكن أن نفسّر الكثير من حالات الاختلاف والجدل المحتدم بين الحين والآخر بين الأطراف المتصارعة والمدارس والطوائف وما إلى ذلك، على أنها نزاعٌ بين آراء مختلفة بشأن الزاوية التي يُنظر منها إلى الحقيقة. وقد يكون لأي طرف، سواءً كان يدري أو لا يدري، فئاتٌ وتصوّرات تتعارض مع آراء الطرف الآخر تماماً، فيحاول كلّ منهما أن يقنع الآخر دون جدوى، وبأن الحقّ في صفّه. ويعود السبب في عقم هذا الجدل دائماً إلى فشل كلّ طرف في فهم التصوّرات الخفيّة الكامنة في تفكير الآخرين. وأول خطوة ينبغي أن نتّخذها لكي نفهم حقيقة ما يقوله أو يدّعيه الآخرون هي أن نحاول الوصول إلى أعماق عقولهم لكي نفهم «المبادئ الأولى» لتفكيرهم؛ أي أن ننظر من خلال منظورهم الخاص.
لقد عاش ابن خلدون في ثقافة تختلف عن ثقافتنا تماماً، والحقّ أنه هاجم معظم النزعات الفكريّة وعُقد المواقف في عصره. ولكن على الرغم من ذلك لن نستطيع أن نفهم وجهة نظره ما لم ندرس تلك النزعات والقِيَم التي هاجمها أولاً. ولكي نفهم المعنى الحقيقي لنظريّة ابن خلدون، من الضروري أن نضع أنفسنا في مكانه وننظر إلى العالم من خلال عينيه. إن أحد الأهداف الرئيسة لهذه الدراسة دحض هذه الفكرة التي أرى أنها باطلة من أي أساس علميّ. فابن خلدون، مثل أي مفكّر بالضبط، هو ابن عصره. وعلى الرغم من مظهر الإبداع العالي في نظريّته الاجتماعيّة، إلاّ أنها نتاجٌ نهائي لسلسلة طويلة من الحركات الفكريّة الإسلاميّة. وليس من قبيل المبالغة أن نقول بأن نظريّته كانت نوعاً من التوليف بين الآيديولوجيّات المتضاربة والمعتقدات الطائفيّة في الإسلام. وليس من الغريب أن نجد نظريّة كهذه تظهر في المجتمع الإسلاميّ، لكن من الغريب إلى حدٍّ ما أن نجدها تظهر في وقت متأخّر جداً.
تتناول الأطروحة الحاليّة أربعة مواضيع تشكّل أهم المحاور التي تدور حولها نظريّة ابن خلدون. وسنقدّم هذه المواضيع من زاوية الثنائيّات ـ نقطة إزاء أخرى. وسنستعمل مفهوم فيبر «النمط المثاليّ» بكثافة عند مناقشة تلك الثنائيّات. ولأن الدراسة الحاليّة تتناول الفكر في ضوء سوسيولوجيا المعرفة أساساً، فإن مفهوم «النمط المثاليّ»، أو ما يسمّيه بيكر «الطوبولوجيا البنّاءة»، سيبدو أداة ضروريّة في هذه الدراسة، لأن العقل البشري يميل عُموماً إلى التفكير من زاوية الثنائيّات في الطوبولوجيا. وسنرى فيما بعد أن التفكير هو نتاجٌ اجتماعيٌّ. وهو، كما يشير رايت ملز، حوارٌ صامتٌ مع عدوّ وهميّ. ولذلك، فإن أي نقطة تثار للمناقشة أو التفكير بصورة طبيعيّة تتّخذ شكل «المؤيِّد» و«الوهميّ». ويمكن أن نقول إن معظم فلسفات التاريخ ونظريّاته عن البشريّة ما هي الإنتاجاتٌ لخلافات شديدة. وليس ثمّة مفكّرٌ يستطيع أن يقدّم نظريّة دون أن يكون على علم تامّ أوّلاً ببعض الخلافات التي نوقشت بالفعل، وبقيت دون حلّ أحياناً. والظاهر أن العقل البشري ينمو ويزدهر على مواضيع يعارض فيها طرفان بعضهما البعض إلى أبعد الحدود. وبمجرّد أن يتمّ التفكير بقيمة معيّنة، يظهر عكسُها في العقل، وهكذا يحدث جدلٌ ساخنٌ، سواءً كان صامتاً داخل «الذات»، أو صاخباً بين المتحدّثين.
وقد سببت المواضيع الأربعة التي يبدو ابن خلدون كان مهتماً بها جداً، طوال تاريخ الإسلام، خلافات مثيرة. وهي كالآتي:
1) المثاليّة والواقعيّة.
2) اليقين والاحتمال.
3) العقل والدين.
4) الإسلام والبداوة.
ولذلك، قسّمت الدراسة على أربعة أقسام، يتناول كلّ منها إحدى هذه الثنائيّات الأربع.



لغز حفرة بحر الشمال يُحسم: كويكب أشعل تسونامي قبل 46 مليون عام

أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
TT

لغز حفرة بحر الشمال يُحسم: كويكب أشعل تسونامي قبل 46 مليون عام

أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)
أثر اصطدام فضائي قديم (غيتي)

نجح بحث جديد، أخيراً، في حسم جدل علمي استمر لسنوات بشأن أصل حفرة غامضة في بحر الشمال؛ إذ أشار إلى ارتطام كويكب ضخم بالمياه قبل ملايين السنوات، مُحدِثاً موجات تسونامي هائلة.

ووجد العلماء أنّ فوهة «سيلفربيت» الواقعة على عمق نحو 700 متر تحت قاع بحر الشمال الجنوبي، وعلى مسافة نحو 80 ميلاً قبالة سواحل مقاطعة يوركشاير البريطانية، تشكّلت نتيجة اصطدام كويكب أو مذنّب بالمنطقة قبل ما بين 43 و46 مليون عام، مما أحدث تسونامي وصل ارتفاعه إلى 330 قدماً (100 متر تقريباً).

ومنذ اكتشاف الجيولوجيين لهذا التكوين عام 2002، أثارت الحفرة أو الفوهة، التي يبلغ عرضها نحو 3 كيلومترات وتحيط بها حلقة من الصدوع الدائرية تمتد لنحو 20 كيلومتراً، نقاشاً علمياً واسعاً حول طبيعتها.

مع ذلك، أفاد الباحثون بأنّ دراستهم الجديدة تمثّل أوضح دليل حتى الآن على أنّ التكوين يُعد واحداً من فوهات الاصطدام النادرة على سطح الأرض، ممّا يضعه في الفئة عينها مع فوهات شهيرة مثل فوهة «تشيكشولوب» في المكسيك، المرتبطة بالانقراض الجماعي للديناصورات.

واستند الفريق إلى نماذج حاسوبية، إضافة إلى تحليل صور زلزالية حديثة وعيّنات جيولوجية مجهرية جُمعت من أعماق قاع البحر.

وقال عالم الرسوبيات في كلية الطاقة وعلوم الأرض والبنية التحتية والمجتمع بجامعة «هيريوت- وات»، الذي قاد فريق البحث، دكتور أوسدين نيكولسون، إنّ صور المسح الزلزالي الحديثة أتاحت للعلماء رؤية غير مسبوقة للفوهة.

وأضاف: «كذلك كشفت عيّنات أُخذت من بئر نفط في المنطقة عن بلورات نادرة من الكوارتز ومعادن الفلسبار المتعرّضَيْن لصدمة شديدة، وُجدت على العمق نفسه لقاع الفوهة».

وأشار إلى أنّ العثور على هذه البلورات كان بمثابة «البحث عن إبرة في كومة قشّ»، لكنه يُشكّل دليلاً حاسماً على صحة فرضية الاصطدام؛ لأن البنية البلورية لهذه المعادن لا يمكن أن تتكوَّن إلا تحت ضغوط صدمية هائلة.

ويشير العلماء إلى أنّ هذه المعادن المجهرية لا تتكوّن إلا في ظل ضغوط هائلة لا تنشأ عادة إلا عند اصطدام الكويكبات بالأرض، وهو ما يعزّز بقوة فرضية وقوع هذا الحدث.

وكانت بحوث سابقة قد رجَّحت أن التكوين الجيولوجي نتج عن ارتطام كويكب فائق السرعة، واستند مؤيّدو هذا الفرض إلى ملامحه البنيوية، من بينها شكله الدائري الواضح، ووجود قمة مركزية تحيط بها صدوع متحدة المركز، وهي سمات تُعد من العلامات المميّزة لفوهات الاصطدام المعروفة.

مع ذلك، طرح علماء آخرون تفسيرات مختلفة، من بينها تحرُّك طبقات الملح الجوفية الذي قد يشوّه الطبقات الصخرية، في حين رأى البعض الآخر أنّ نشاطاً بركانياً ربما يكون قد أدّى إلى انهيار قاع البحر.

وعام 2009، صوَّت جيولوجيون على هذه المسألة، وأوضح تقرير نشرته مجلة «جيوساينتست» آنذاك أنّ غالبية المشاركين رفضوا تفسير اصطدام الكويكب.

مع ذلك، تبدو النتائج الحديثة، التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز»، والمموَّلة من مجلس بحوث البيئة الطبيعية البريطاني، كأنها تقلب تلك القناعة رأساً على عقب.

وقال نيكولسون: «تشير ما لدينا من الأدلة إلى أنّ كويكباً بعرض نحو 160 متراً قد اصطدم بقاع البحر بزاوية منخفضة آتياً من الغرب».

وأضاف: «وخلال دقائق قليلة تشكّلت ستارة من الصخور والمياه بلغ ارتفاعها نحو 1.5 كيلومتر قبل أن تنهار في البحر، مولِّدة تسونامي تجاوز ارتفاعه 100 متر».

وكان الاصطدام قد تسبَّب في انفجار عنيف في قاع البحر، وأطلق أمواجاً هائلة اجتاحت المنطقة.

من جهته، قال البروفيسور غاريث كولينز من «إمبريال كوليدج لندن»، الذي شارك في النقاش العلمي عام 2009 وشارك في الدراسة الجديدة، إن الباحثين «قد عثروا أخيراً على الدليل الحاسم الذي أنهى الجدل».

وأضاف: «كنتُ دائماً أرى أن فرضية الاصطدام هي التفسير الأبسط والأكثر اتساقاً مع الملاحظات». وتابع: «من المثير حقاً أننا وجدنا أخيراً الدليل القاطع. ويمكننا الآن استغلال هذه البيانات الجديدة لفهم كيفية تأثير الاصطدامات في تكوين الكواكب تحت السطح، وهو أمر يصعب دراسته في الكواكب الأخرى».

كذلك أعرب دكتور نيكولسون عن حماسته لمواصلة البحث في تاريخ اصطدامات الكويكبات، قائلاً إنّ فوهة «سيلفربيت» تمثّل مثالاً نادراً ومحفوظاً بشكل استثنائي على فوهة اصطدام فائق السرعة.

وأوضح أن مثل هذه الفوهات نادرة نسبياً؛ لأن الأرض كوكب شديد الديناميكية؛ إذ تعمل حركة الصفائح التكتونية وعمليات التعرية على طمس معظم آثار هذه الأحداث عبر الزمن.

وأضاف أن نحو 200 فوهة اصطدام مؤكدة رُصدت على اليابسة، في حين لم يُكتشف تحت المحيطات سوى نحو 33 فوهة فقط.

وختم بالقول إن «هذه النتائج قد تسهم في تعميق فهم العلماء للدور الذي لعبته اصطدامات الكويكبات في تشكيل تاريخ كوكب الأرض، فضلاً عن المساعدة في استشراف ما قد يحدث مستقبلاً حال وقع اصطدام مماثل».


المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

المغامر «محمد المصري»: كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة

الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)
الرحّالة «محمد المصري» بعد وصوله إلى مكة المكرمة (صفحته على «فيسبوك»)

استطاع المغامر المصري محمد محمود أبو عجيزة، الشهير باسم «محمد المصري»، أن يحقق إنجازاً جديداً في جولاته بالدراجة الهوائية؛ إذ وصل من القاهرة إلى مكة المكرمة لأداء العمرة على الدراجة.

خاض «محمد المصري» (33 عاماً) المغامرة الجديدة بالسفر إلى مكة المكرمة بعد استعدادات عديدة، وحصوله على التأشيرة، وتجهيز نفسه للرحلة التي استغرقت 31 يوماً، ويحكي عنها قائلاً إنها «رحلة طويلة قضيت فيها 19 يوماً فعلياً على الدراجة الهوائية، وربما شعرت بإرهاق في بعض الأوقات، لكن كل الإرهاق اختفى لدى وصولي إلى مكة المكرمة»، لافتاً إلى أن البعض كان يرى هذه الرحلة مستحيلة، لكنه كان يرى أمراً آخر، وهو أن الإرادة والعزيمة والإصرار على القيام بالرحلة تمهد الطريق لكل شيء، وقال: «كانت لديّ قناعة بأن ربنا قادر يوصلني».

«محمد المصري» هو شاب من قرية ريفية بمركز بسيون بمحافظة الغربية (دلتا مصر)، يعمل في نجارة الموبيليا، وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة. «المصري» يعشق ركوب الدراجات، وأصبح من الهواة المعروفين في هذا المجال، وحصل على تكريم من وزير الشباب والرياضة المصري السابق أشرف صبحي.

يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «عملي الأصلي نجار موبيليا، والآن رحّالة مصري أقوم برحلات منذ عام 2014، وسافرت إلى كل أنحاء مصر تقريباً، والهدف من السفر هو دعم السياحة، والاستمتاع بالأماكن المختلفة داخل مصر».

الرحّالة «محمد المصري» في إحدى الفعاليات (صفحته على «فيسبوك»)

ويتابع: «الدراجة تجعلني جزءاً من الطبيعة التي أسير فيها، وفي 2013 كونت فريقاً من هواة الدراجات والسفر باسم (نشوف بلدنا بالعجلة)، وهو مسجل في الاتحاد المصري للدراجات، وفي 2023 انطلقت أولى رحلاتي للعمرة، والتي استغرقت نحو 75 يوماً على الدراجة حتى وصلت إلى حدود جازان مع اليمن. وفي عام 2024 قمت برحلة حج من مصر إلى الأردن، ثم إلى تبوك بالسعودية. وفي هذا العام رحلة العمرة التي قمت بها استغرقت 31 يوماً، من بينها 19 يوماً على الطريق بالدراجة، بمسافة 1750 كيلومتراً، بمعدل نحو 228 ساعة على كرسي الدراجة».

وأشار إلى أن أصعب التحديات التي واجهها تكاد تنحصر في السير ليلاً بالدراجة، وتقلبات الطقس في بعض الأحيان، ولكنه في النهاية استطاع أن يحقق ما أراده وخطط له بالإصرار والعزيمة.

وأضاف: «أسعى إلى القيام برحلة حول العالم، ولديّ خطة للسفر بالدراجة إلى تركيا في نهاية العام الحالي، ومن المقرر أن أزور 3 أو 4 دول خلال هذه الرحلة».

وأكد المصري أنه يقوم برحلاته بعد اتخاذ كافة الاستعدادات، من بينها استخراج التأشيرات المطلوبة وحساب التكلفة، ووضع جدول زمني وخطة محكمة للرحلة لا تخلو من عناصر تمكنه من الاستمتاع بالطريق.

خلال الرحلة إلى مكة المكرمة (صفحة «محمد المصري» على «فيسبوك»)

وشرح المغامر المصري تفاصيل تكلفة الرحلة من مصر إلى السعودية، بداية من الحصول على التأشيرة السياحية إلى مستلزمات الطريق والمرور بالعبّارة، ثم استكمال الطريق واستئجار فندق في مكة المكرمة، لتصل التكلفة كلها وفق قوله إلى نحو 30 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، مؤكداً أن أي شاب لديه العزيمة والإصرار يمكن أن يخوض هذه الرحلة وهذه المغامرة ويحقق حلمه بالسفر.

بعد وصول «المصري» إلى مكة المكرمة قوبل بترحاب واهتمام من وسائل إعلام وجهات مختلفة، وأعلن حصوله على موافقات مبدئية لتنظيم رحلة جماعية بالدراجة من مصر إلى السعودية بمشاركة دراجين مصريين، في تجربة رياضية ومغامرة غير مسبوقة.

وهي رحلة «هدفها زيارة المسجد النبوي والحرم المكي لأداء عمرة، وأيضاً بهدف ممارسة الرياضة والمغامرة، وإيصال رسالة أن الإرادة تستطيع أن تصل إلى أبعد مكان»، على حد تعبيره.

ويصف «المصري» فلسفة المغامرة قائلاً: «الترحال ليس رفاهية... الترحال فلسفة حياة، ليس من الضروري أن تقيم في فندق فاخر لتعيش المغامرة، أحياناً قطعة أرض هادئة، وخيمة، وسماء مليئة بالنجوم، تمنحك إحساساً لا يمكن وصفه».


«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
TT

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين، عبر إتاحة فرصة نادرة لهم لملامسة أعمال فنّية شهيرة، من بينها تمثال «المسيح المحجَّب» الذي يعدُّه كثيرون أحد أهم روائع النحت في التاريخ.

وذكرت «الغارديان» أنه في 17 مارس (آذار) الحالي، يستضيف المتحف مبادرة بعنوان «الدهشة في متناول اليدّ»، نُظِّمت بالتعاون مع الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر في نابولي، وتتيح لنحو 80 زائراً من المكفوفين وضعاف البصر فرصة التعرُّف من قرب إلى روائع الأعمال الفنية الرخامية المعروضة في الكنيسة.

وسيُرشد الزائرين خلال الجولة مرشدون من ضعاف البصر أيضاً، ضمن برنامج يهدف إلى وضع مفهوم الإتاحة في صميم التجربة المتحفية.

تحفة رخامية يأسر فيها الكفن المنحوت الجسد بواقعية مدهشة (إ.ب.أ)

وخلال الفعالية، ستُزال الحواجز الواقية المحيطة بالتماثيل، بما يسمح للمشاركين، بعد ارتداء قفازات من اللاتكس، باستكشاف السطح الرخامي الدقيق للمنحوتات عبر اللمس، ومن بين تلك الأعمال تمثال «المسيح المحجَّب» الذي نحته جوزيبي سانمارتينو، ويُجسّد السيد المسيح مغطّى بكفن شفاف نُحت من الكتلة الحجرية نفسها. كذلك يشمل المسار اللمسي النقوش البارزة عند قدمَي تمثالَي «العفّة» (لا بوديتشيزيا) و«التحرّر من الوهم» (إل ديزينغانو).

وقالت المرشدة كيارا لوكوفاردي لوكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»: «إن الرداء الذي يغطّي المسيح استثنائي حقاً. من الصعب تصوُّر كيف تمكّن سانمارتينو من نحته. إنه لغز عصيّ على التفسير، سواء لمَن يبصرون أو لمَن لا يبصرون. وعندما تلمسه تشعر كأنَّ العروق تنبض تحته».

وانتهى العمل على تمثال «المسيح المحجَّب» عام 1753، ويُعد من أكثر الإنجازات إثارة للدهشة في فنّ الرخام؛ إذ تبدو شفافية الكفن الذي يغطي جسد المسيح واقعية إلى حد أنّ كثيرين لا يزالون يعتقدون أنه نتاج سرّ كيميائي مفقود قادر على تحويل القماش إلى حجر.

وقالت رئيسة متحف كنيسة «سانسيفيرو» ماريا أليساندرا ماسوتشي: «تأتي هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع يهدف إلى إنشاء فضاء ثقافي شامل ومتاح للجميع، عبر مسارات وأدوات مُصمَّمة لتلبية الحاجات المختلفة لزائري المتحف».

تجربة حسّية تسمح للمكفوفين باكتشاف فنّ النحت عبر لمس أدق تفاصيل الحجر (إ.ب.أ)

من جهته، قال جوزيبي أمبروسينو من الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر إنّ المشروع يجسّد مبدأ أوسع مفاده أنّ الاستمتاع بالجمال ينبغي أن يكون حقاً إنسانياً عاماً وعالمياً.

وأضاف: «لا ينبغي أن يكون الفنّ امتيازاً مقتصراً على البصر، فمشروعات الإتاحة مثل هذه تُحوّل المتحف إلى فضاء حقيقي للاحتواء والإدماج، وتؤكد أنّ الفن ملك للجميع. وفي هذه الحالة لن يُسمح للزائرين بلمس التمثال الرخامي فحسب، بل سيصبح الجمال نفسه قادراً على التدفُّق عبر الأيدي ليصل مباشرة إلى القلب».