حرب على «الخلايا النائمة» بعد تفجير البقاع

توقيف 17 شخصا من جنسيات لبنانية وعربية * معلومات عن ست سيارات مفخخة

نقطة تفتيش ضهر البيدر بعد تفجيرات أمس (أ.ف.ب)
نقطة تفتيش ضهر البيدر بعد تفجيرات أمس (أ.ف.ب)
TT

حرب على «الخلايا النائمة» بعد تفجير البقاع

نقطة تفتيش ضهر البيدر بعد تفجيرات أمس (أ.ف.ب)
نقطة تفتيش ضهر البيدر بعد تفجيرات أمس (أ.ف.ب)

تدهور الوضع الأمني في لبنان أمس، بعد مرحلة استقرار حذر شهدتها البلاد على ضوء تشكيلة الحكومة اللبنانية الحالية. إذ استهدفت سيارة مفخخة يقودها انتحاري نقطة تفتيش ضهر البيدر لقوى الأمن الداخلي على الطريق العام الجبلي الذي يربط بيروت بدمشق، إلى الشرق من بيروت، قبل وقت قصير من عبور المدير العام لجهاز الأمن العام اللواء عباس إبراهيم على حاجز النقطة، ما أدى إلى مقتل عنصر من قوى الأمن، إضافة إلى الانتحاري، وأصيب 33 شخصا بجروح.
الانتحاري فجّر نفسه بسيارة كان يتّجه بها إلى البقاع (شرق لبنان) على حاجز ضهر البيدر الواقع عند المنطقة الفاصلة بين جبل لبنان والبقاع، لدى وصولها إلى الحاجز وطلب عناصره من السائق الترجل. وأوضحت قوى الأمن الداخلي، في بيان لها، أن إحدى دورياتها {اشتبهت بسيارة رباعية الدفع من نوع نيسان (مورانو) فضية اللون، على الطريق الداخلية في بلدة صوفر متجهة غربا إلى بلدة بحمدون، ولدى محاولة توقيفها فرّ السائق من أمام الدورية وعاد أدراجه شرقا باتجاه البقاع. وعلى الفور أعلمت الدورية حاجز ضهر البيدر بمواصفات السيارة المشتبه بها، ولدى وصولها إلى الحاجز طلب عناصره من السائق الترجّل فأقدم على تفجير السيارة ما أدى إلى مقتل عنصر من قوى الأمن هو محمود جمال الدين، ومقتل الانتحاري، وجرح 7 عناصر من قوى الأمن وعنصرين من الجيش اللبناني، إضافة إلى مدنيين آخرين كانا يمرون في المنطقة}.
وقال شهود عيان لـ{الشرق الأوسط} إن الانتحاري توقف ليسأل أحد المواطنين عن الاتجاهات، وتصرّف بطريقة أثارات الريبة، فجرى التبليغ عنه وملاحقته من قبل القوى الأمنية.
ومن ناحية ثانية، أوضح اللواء إبراهيم بصبوص، مدير عام قوى الأمن الداخلي، أن السيارة المستخدمة بالتفجير كانت متجهة من البقاع إلى بيروت قبل أن تطاردها دوريات من قوى الأمن الداخلي، مشيرا إلى أن سائقها {عاد أدراجه إلى البقاع}. وتفقّد بصبوص موقع التفجير، كما تفقده مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر الذي أشار إلى أن زنة العبوة تتراوح ما بين 25 إلى 30 كلغم، فيما فرضت القوى الأمنية طوقا أمنيا حول مكان الانفجار وقطعت طريق ضهر البيدر بالاتجاهين.
وبعد وقوع التفجير تبين أنه وقع على بعد أمتار من موكب مدير عام الأمن العام اللواء إبراهيم أثناء توجهه إلى البقاع. وقال إبراهيم في حديث لقناة {إل بي سي آي}: {كنا قد اشتبهنا بسيارة ونحن في طريقنا، وعندما أوقفت عند حاجز ضهر البيدر، حصلت عملية التفجير.. الانفجار وقع لحظة مرور السيارة التي كنت أستقلها وبعد لحظات من مرور موكبي}. واتهم إبراهيم الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء الانفجار، بعد تسريب جهاز الاستخبارات الإسرائيلية وثيقة عن محاولة استهدافه، لافتا إلى أن {الإرهاب له وجوه كثيرة وإسرائيل هي أحد وجوهه}.
وكانت وسائل إعلام لبنانية كشفت عن وثيقة مسرّبة من الموساد، تفيد بأن جماعات مسلحة تأتمر بـ{كتائب عبد الله عزام} المرتبطة بتنظيم {القاعدة}، تخطط لعمل إرهابي كبير في لبنان يستهدف شخصية أمنية رفيعة، يرجح أن تكون اللواء إبراهيم. ويعد هذا التفجير الأول الذي يستهدف نقطة لقوى الأمن الداخلي، بعدما استهدف تفجيران على الأقل حواجز للجيش اللبناني شرق لبنان. ولقد وقع في أعلى نقطة على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق، التي تكون عادة مكتظة بالسيارات، علما أن طرقا تربط شرق لبنان بالحدود السورية، كانت تعرّضت لتفجيرات سابقة استهدفت سيارات رباعية الدفع، قيل إنها مواكب أمنية تعود لحزب الله اللبناني.
من ناحية أخرى، أعقب التوتر الأمني أمس، جهودا لبنانية كبيرة بذلتها الأجهزة الرسمية منذ الاثنين الماضي، لتطويق محاولات لهزّ الاستقرار، بناء على معلومات وصلت إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام، عن وجود تهديد أمني، تعاطت معه القوى الأمنية بجدية. وتحرك الجيش اللبناني على تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت، مركز ثقل نفوذ حزب الله اللبناني، كما نفذ عمليات أمنية في الجرود المحاذية للحدود اللبنانية، ضمن إجراءات للحفاظ على الاستقرار. ورفعت الأجهزة الأمنية من وتيرة استنفارها، لمنع تمدد تنظيم {الدولة الإسلامية في العراق والشام} المعروف بـ{داعش} إلى لبنان، كما لمنع إيقاظ خلايا نائمة من المتشددين المتعاطفين معه في لبنان. ويذكر أنه ارتفعت وتيرة المخاطر الأمنية في لبنان، بموازاة تدهور الوضع الأمني في العراق، بعد ثلاثة أشهر من الهدوء الحذر، عمت سائر المناطق اللبنانية بعد تشكيل الحكومة الحالية، على ضوء اتخاذ الحكومة قرارا بتنفيذ خطة أمنية في الشمال وخطة أخرى في البقاع (شرق لبنان) لحماية الاستقرار.
وعلى أثر تدهور الوضع الأمني، دعا رئيس الحكومة تمام سلام إلى اجتماع أمني عاجل في السراي الحكومي، حضره نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع سمير مقبل، ووزير الداخلية نهاد المشنوق وقادة الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى مدعي عام التمييز القاضي حمود. وأكد اللواء بصبوص أن لدى قوى الأمن الداخلي {تدابير أمنية مع الجيش على مدى 24 ساعة في كل الظروف والأيام، استنادا إلى معلومات أمنية}، وفي حين طمأن قائد الجيش العماد جان قهوجي إلى أن {هناك مبالغة}، مشددا على أن {الأمر ليس بهذه الخطورة}. أما وزير المال علي حسن خليل، المنتمي إلى حركة أمل، فقال {إننا بمواجهة مفتوحة تتطلب أن تكون كل الأجهزة الأمنية مستنفرة}، لافتا إلى أن {المعطيات كانت تشير إلى عمل إجرامي كبير كان يحضر}.
وفي سياق متصل، بعد وقت قصير على تفجير ضهر البيدر، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن القوى الأمنية أقفلت طرقا عدة في داخل بيروت، منها عين التينة (حيث مقر إقامة رئيس مجلس النواب نبيه بري) وطريق المطار واليونسكو، الواقعة على المدخل الجنوبي للعاصمة. وضوعفت التدابير الأمنية منذ ظهر أمس في سائر المناطق اللبنانية. وألغى ديفيد هايل، سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان، زيارته التي كانت مقررة إلى وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، {لدواع أمنية}، ودعت السفارة الفرنسية في لبنان رعاياها إلى الحد من تحركاتهم إلا في الحالات القصوى على كل الأراضي اللبنانية.
جدير بالإشارة، شهد لبنان سلسلة تفجيرات وأعمال عنف منذ اندلاع النزاع في سوريا المجاورة ومشاركة حزب الله حليف نظام دمشق في صف قوات النظام فيها علنا، أدت إلى مقتل العشرات. ويعود آخر التفجيرات إلى 16 مارس (آذار) وأدى إلى مقتل أربعة أشخاص في قرية النبي عثمان الشيعية بمحافظة البقاع على مقربة من الحدود السورية.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.