مصدر عسكري يمني: تواطؤ داخلي وراء انفجار صنعاء

أكثر من 50 قتيلا وعشرات الجرحى في محاولة لاقتحام مجمع وزارة الدفاع

جنود يمنيون بالقرب من مجمع الدفاع الذي استهدف بهجوم وسط صنعاء أمس (رويترز)
جنود يمنيون بالقرب من مجمع الدفاع الذي استهدف بهجوم وسط صنعاء أمس (رويترز)
TT

مصدر عسكري يمني: تواطؤ داخلي وراء انفجار صنعاء

جنود يمنيون بالقرب من مجمع الدفاع الذي استهدف بهجوم وسط صنعاء أمس (رويترز)
جنود يمنيون بالقرب من مجمع الدفاع الذي استهدف بهجوم وسط صنعاء أمس (رويترز)

لقي ما لا يقل عن 52 شخصا مصرعهم وجرح نحو 162 آخرين في هجوم مزدوج نفذه مسلحون مجهولون على مجمع الدفاع العسكري وسط العاصمة اليمنية صنعاء، وقد تلت ذلك إجراءات أمنية مشددة حول السفارات الغربية والمصالح الحيوية في صنعاء.
واستهدفت سيارة مفخخة مستشفى مجمع العرضي العسكري في باب اليمن في صنعاء الذي يضم مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الدفاع ودوائرها كاملة، وسمع دوي الانفجار في أنحاء متفرقة من العاصمة صنعاء، وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط»، إن عددا من السيارات التي تحمل مسلحين حاولت اقتحام المجمع عقب التفجير الانتحاري واستهدفت المستشفى بصورة مباشرة، غير أن حراسة المجمع تبادلت معها إطلاق النار لعدة ساعات قبل أن تعلن وزارة الدفاع عن سيطرتها الكاملة على الموقف والقضاء على معظم المهاجمين واعتقال عدد آخر منهم، ووصفت المصادر ما جرى في محيط مجمع الدفاع بالحرب الحقيقية التي أثارت الرعب في منطقة باب اليمن التاريخية والمكتظة بالسياح من مختلف الجنسيات، إضافة إلى أن المنطقة مكتظة بالمارة والبائعة الجائلين وبها محطات نقل الركاب بين المحافظات.
وقالت اللجنة الأمنية العليا في اليمن في وقت متأخر أمس بأن 52 طبيبا وممرضة قتلوا وأصيب نحو 162 آخرين في الهجوم الذي وقع صباح أمس الخميس على مجمع وزارة الدفاع.
وهاجم انتحاري ومسلحون يرتدون ملابس الجيش مجمع الوزارة في العاصمة صنعاء في أسوأ هجوم منفرد في اليمن منذ 18 شهرا.
وقال بيان للجنة بأن بعض القتلى من ألمانيا. ولم يوضح البيان عدد القتلى من الضباط والمسلحين.
وأدانت حكومة الوفاق الوطني في اليمن بشدة العمل «الإرهابي والإجرامي الغادر» الذي استهدف مستشفى مجمع وزارة الدفاع صباح أمس، وراح ضحيته عدد من «الشهداء» بينهم بعض الأطباء والممرضات الأجانب فيما تعرض العشرات لإصابات متفاوتة.
وأكد بيان صادر عن الحكومة «هذا العمل الإرهابي الوحشي والجبان ضد منشأة طبية ومؤسسة حكومية وطنية، يدل على أن كل من قام به أو يقف وراءه قد تجردوا من كافة القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، كما أنه يعكس ما يحملونه في نفوسهم الشريرة المريضة، من حقد مدمر وأسود ضد الإنسانية جمعاء»، بحسب وكالة الأنباء اليمنية (سبأ).
وأوضح البيان «هذا العمل الإجرامي وغيره من الأعمال الإرهابية والتخريبية التي نفذت وتنفذ، تأتي في سياق المحاولات المستميتة من قبل أعداء الوطن لإفشال النظام الجديد والتسوية السياسية، وإجهاض التغيير الذي ينشده شعبنا، والحيلولة دون نجاح مؤتمر الحوار الوطني، وجر اليمن إلى أتون الفوضى والحروب».
وأعربت حكومة الوفاق الوطني عن ثقتها بأن من يسعون إلى تحقيق مقاصدهم الهدامة من خلال مثل هذه الأعمال لن يجنوا سوى أذيال الخيبة والعار، وحتما سينالون جزاءهم العادل والرادع جراء ما يقترفونه من جرائم بحق الوطن والشعب اليمني، بحسب «سبأ».
وقالت وزارة الدفاع اليمنية إن الرئيس عبد ربه منصور هادي، القائد الأعلى للقوات المسلحة قام بزيارة إلى مقر المجمع وعقد اجتماعا ضم «رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد علي الأشول والمفتش العام في القوات المسلحة اللواء الركن محمد علي القاسمي، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن عبد الباري الشميري، ورئيس هيئة العمليات اللواء الركن الدكتور ناصر عبد ربه الطاهري، وعددا من القيادات العسكرية»، ووصف هادي الاعتداء على مستشفى مجمع الدفاع بالاعتداء الإرهابي ووجه بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة تتكون من رئيس هيئة الأركان العامة ونائبه ورئيس هيئة العمليات ورئيس الاستخبارات «على أن ترفع اللجنة تقريرا بنتائج التحقيق خلال 24 ساعة».
وناشدت وزارة الصحة اليمنية المواطنين إلى المسارعة للتبرع بالدم لجرحى التفجير الانتحاري، وأكدت الوزارة استقبال الكثير من المستشفيات للمتبرعين، حيث نقل معظم الجرحى إلى المستشفى العسكري وبعض المستشفيات الحكومية، وأكدت بعض المستشفيات استقبالها لحالات قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم طفل وامرأة، وأشارت المعلومات إلى مقتل عضو مؤتمر الحوار القاضي عبد الجليل نعمان وزوجته في حادث محاولة اقتحام مستشفى الدفاع أثناء تواجدهما هناك.
وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»: إن السلطات اليمنية قامت بقطع الطرق المؤدية إلى السفارتين الأميركية والبريطانية عقب التفجير الانتحاري، في وقت يعتقد أن السفارتين وغيرهما من المصالح الغربية أغلقت أبوابها خشية التهديدات الأمنية، في حين أكدت المصادر أن معظم المدارس الحكومية والأهلية المجاورة للسفارات الغربية قامت بإغلاق أبوابها وصرف الطلاب إلى منازلهم خشية أعمال إرهابية تستهدفهم كما حدث في حوادث سابقة ومماثلة وقعت قرب السفارة الأميركية، كما أغلقت كافة الطرق والمداخل المؤدية إلى المجمع ولم يسمح فقط إلا للتعزيزات العسكرية والطواقم الطبية بالمرور.
واتهم مصدر في وزارة الدفاع اليمنية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بعض القادة العسكريين بالتواطؤ في تسهيل الهجوم على مجمع العرضي، وأكد المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن الهجوم مزدوج ويحمل بصمات تنظيم القاعدة إلى جانب بصمات أطراف محلية حاولت العام الماضي اقتحام المجمع تحت ذرائع المطالبة بمستحقات، قبل أن تتم عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن، واعتبر المصدر أن الذين يقفون وراء هذه العمليات يهدفون إلى إفشال مؤتمر الحوار الوطني وهو في أيامه الأخيرة قبل اختتام مخرجاته، وأنهم حاولوا إيصال رسالة إلى المجتمع الدولي الذي يقف ويساند أمن واستقرار اليمن ونجاح التسوية السياسية ممثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، حسب المصدر الذي أكد أن المهاجمين كانوا يرتدون الملابس العسكرية وأنه جرى اعتقال بعض المهاجمين وتتم ملاحقة عدد آخر كانوا يستقلون سيارات أخرى خارج المجمع.
من جانبه، يقول المحلل العسكري العميد متقاعد محسن خصروف لـ«الشرق الأوسط» إن الهجوم الذي جرى «عملية إرهابية نوعية ورسالة واضحة لمؤسسة الرئاسة والمؤسسة الدفاعية والمؤسسة الأمنية وأن هذه الرسالة تريد القول إننا هنا مهما عملتم»، وأضاف أن هذه الرسالة تهدف أيضا إلى أن «تظهر الرئيس عبد ربه منصور هادي بالموقف الضعيف وغير القادر على إدارة البلد وأن الحكومة فاشلة وأن مؤسستي الدفاع والأمن ما زالتا تدين ببعض الولاء لمن هم خارج السلطة وهذه الرسالة جرس إنذار لمؤسسة الرئاسة والدفاع والأمن بأنه لا بد من إعادة النظر في ملف الدفاع والأمن».
وفي أولى ردود الفعل على الهجوم الذي وصفته السلطات بالإرهابي، دان مجلس التعاون الخليجي الهجوم وجدد المجلس وقوفه إلى جانب اليمن بما يحفظ أمنه واستقراره، وجاء الموقف الخليجي في اتصال هاتفي أجراه أمين عام المجلس بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وفي صنعاء دانت الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل الهجوم وأكدت أنه لن يؤثر على مسيرة الحوار الوطني.
وجاء الهجوم غير المسبوق في صنعاء بعد أيام على استماع مجلس الأمن الدولي لتقرير المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بن عمر حول الأوضاع في اليمن ولقاء الأخير بعدد من المسؤولين في الإدارة الأميركية بشأن العراقيل التي تقف أمام التسوية السياسية في اليمن وقيام بعض الأطراف بافتعال المشاكل لإفشال التسوية ومؤتمر الحوار الوطني الشامل، كما يأتي هذا الهجوم قبيل أيام على عودة بن عمر إلى صنعاء للإشراف على المرحلة الأخيرة من التسوية السياسية المتمثلة في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.