«البروج المشيدة» حلقات تلفزيونية تروي الطريق إلى 11 سبتمبر

قيادات «القاعدة» بالصوت والصورة من تفجير السفارتين إلى سقوط البرجين

جيف دانيال لعب دور رئيس «إف بي آي» (يسار) وطاهر رحيم الذي قام بدور علي صوفان عميل المباحث الأميركية (أ.ب)
جيف دانيال لعب دور رئيس «إف بي آي» (يسار) وطاهر رحيم الذي قام بدور علي صوفان عميل المباحث الأميركية (أ.ب)
TT

«البروج المشيدة» حلقات تلفزيونية تروي الطريق إلى 11 سبتمبر

جيف دانيال لعب دور رئيس «إف بي آي» (يسار) وطاهر رحيم الذي قام بدور علي صوفان عميل المباحث الأميركية (أ.ب)
جيف دانيال لعب دور رئيس «إف بي آي» (يسار) وطاهر رحيم الذي قام بدور علي صوفان عميل المباحث الأميركية (أ.ب)

على الرغم من عدم وجود سجل تاريخي معتمد يمكن الرجوع إليه لإنتاج الأعمال الروائية التلفزيونية، ها هو الثلاثي المبدع بشركة «هولو» للإنتاج التلفزيوني انتهى من إنتاج عمل روائي ضخم من 10 حلقات بعنوان «البروج المشيدة» يتناول فترة ما قبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة. وفي الحلقات سرد بالصوت والصورة للصراع ما بين «إف بي آي» و«سي آي إيه»، وقصة الحكومة الأميركية ومحاولاتها البائسة لمنع وقوع تلك الاعتداءات الرهيبة، هي بالأحرى قصة فشل في التواصل بين مؤسسات الدولة وتحذيرات لم يأبه لها أحد.
يضم الثلاثي الكاتب المبدع لورانس رايت، وهو مؤلف الكتاب الفائز بجائزة «بوليتزر» الذي حمل العنوان نفسه «البروج المشيدة»، وهي رواية ضخمة وذات لغة رصينة صحافياً، وهي تمتد بدءاً بالغزو السوفياتي لأفغانستان وحتى لحظة انهيار برجي التجارة. ويعمل لورانس رايت، وهو أحد الأعمدة الرئيسية في مجلة «نيويوركر»، وحاورته «الشرق الأوسط» من قبل مرتين، إلى جانب الممثل والسيناريست دان فوترمان، الذي ترشح سيناريو فيلميه «كابوتي» و«فوكس كاتشر» لنيل جائزة الأوسكار، بالإضافة إلى المنتج التنفيذي أليكس غيبني، المخرج الوثائقي لسلسلة الأفلام الرائعة التي وثقت سوء الممارسات المؤسسية للشركات الكبرى، مثل فيلمي «انرون: غرفة الرجال الأذكياء»، و«غوينغ كلير». وقد استمد عنوان الحلقات العشرة المثيرة من الآية القرآنية «أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ»، التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا زعيم الانتحاريين، وكان يقصد بها استهداف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك... كانت تلك إجابة الصحافي والكاتب الأميركي لورانس رايت في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» حول سبب اختياره عنوان كتابه الشهير «البروج المشيدة»... وفي ذلك قال رايت، إن بن لادن استخدم تلك الرسالة شفرةً تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة، مشيراً إلى استهداف برجي التجارة بنيويورك في سبتمبر 2011، مضيفاً: «كنت سأسميه (سيدرككم الموت)، لكن من يقرأ العنوان سيعتقد أن الكتاب يتحدث عن فك لغز إحدى الجرائم الغامضة».
وفي رسالة إلكترونية أخرى بخصوص الحلقات التلفزيونية الجديدة، قال رايت لـ«الشرق الأوسط» إنه أنتج الحلقات وفق رؤية كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، وقال إنه قدم السيناريو إلى قادة في «إف بي آي» و«سي آي إيه» ليتعرفوا على طبيعة عملهم الصعبة والسجال الدائر فيما بينهم من أجل حماية الأمن القومي الأميركي.
ويقول رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كان «إف بي آي» أكثر اهتماماً اليوم باللغة العربية بعدما تبين الدور المحوري في الحلقات للعميل علي صوفان، الذي قام بدوره ممثل جزائري، والذي يعد من التفاصيل والمشاهد محركاً أساسياً في الأحداث من جهة كشف طلاسم الهجمات وقراءة رسائل «القاعدة» وحل كنيات قادتها بعد الهجوم على السفارتين في شرق أفريقيا عام 1998، أنه سأل شخصياً الضابط اللبناني الأصل فأفاده بأن «المباحث الأميركية لم تهتم كثيراً باللغات المحلية بعد الهجمات». وأوضح أنه اختار قناة «هولو» لعرض الحلقات التلفزيونية الجديدة «لأنها خاصة بالشباب والطلبة الجامعيين الذين لم يعاصروا هجمات سبتمبر».
ومن خلال مسلسل «البروج المشيدة» عبر عشر حلقات بالصوت والصورة وشخوص قيادات «القاعدة» الذين يتحركون بخفة وإقبال على التدريبات في معسكرات التنظيم بأفغانستان، ويتحدثون بلهجات عربية من الخليج إلى المغرب العربي، نجد شبيه أيمن الظواهري بلهجة قاهرية وحس أمني عال يلازمه، يهدد ويتوعد الغرب بعد أن غيّر بطارية في هاتفه الجوال بين جبال تورا بورا، عقب قصف البوارج الأميركية بصواريخ توماهوك في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لمعسكرات «القاعدة» في أفغانستان كرد فعل على تفجير السفارتين.
كما يظهر في الحلقات أبو أنس الليبي المطلوب أميركياً على لائحة الـ«إف بي آي» في رحلة مطاردة من اسكوتلنديارد لمخبئه في مدينة مانشستر البريطانية، وكذلك يظهر الحس الأمني العالي للظواهري مرة أخرى في إصراره على حذف صور اثنين من الانتحاريين الـ19 الذين ظهروا في أول لقاء لابن لادن مع الإعلام الغربي في جبال تورا بورا أثناء عملية المونتاج، حيث كان يعد فريقه للهجوم على البرجين، وهو يقول لعناصره وهم يقدمون جوازات سفرهم السعودية لدى وصولهم إلى معسكر «القاعدة» في أفغانستان: «كأن الله يستمع إلينا وأرسلكم لنا لتنفيذ المهمة». وتعد هذه الحلقات بمهنيتها العالية وكذلك سيناريو وإنتاج لورانس رايت ومساعديه، من أبرز من كشف عن الوجه الحقيقي لتنظيم «القاعدة». كما تعتبر تأريخاً درامياً شاملاً للأحداث منذ عملية تفجير السفارتين الأميركيتين بشرق أفريقيا والتي قادت إلى 11 سبتمبر، وتسلط الضوء على المخططات الإرهابية وسقطات أجهزة المخابرات الغربية والتي انتهت بالهجوم على الولايات المتحدة. ويدور السجال حول خريطة كبيرة يظهر عليها صور قادة «القاعدة». ومنذ البداية، يبدو أن ضابط الـ«إف بي آي» علي صوفان متأكد أن بصمات «القاعدة» في الهجمات المتزامنة وراء تفجير السفارتين، ومن اللقطات المثيرة رحلته إلى لندن لحضور إحدى خطب أبو حمزة المصري في مسجد فنسبري بارك بشمال لندن واستماعه إلى «جهاد النفس» ثم التحريض المباشر على العنف.
تلك الحلقات بلمسات المؤلف لورانس رايت هي نتاج أكثر من خمس سنوات من البحث، ومئات المقابلات التي أجراها في كل من مصر، والسعودية، وباكستان، وأفغانستان، والسودان، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا. وكان رايت قد لفت الانتباه إليه من قبل بفيلم هوليوودي أكشن قبل ذلك بسنوات اسمه «الحصار» ومقال موسع مهم في «نيويوركر» تحت عنوان «رجل خلف بن لان» عن سيرة الظواهري، زعيم «القاعدة» الحالي ومن 42 ألف كلمة.
وتحقق حلقات «البروج المشيدة» مستوى غير مسبوق من الموضوعية والبصيرة عن طريق السرد الدرامي من واقع أحداث حياة أربعة رجال، هم زعيما تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن وأيمن الظواهري من جهة، ورئيس إدارة مكافحة الإرهاب في الـ«إف بي آي» جون أونيل، وعلي صوفان عميل الـ«إف بي آي» اللبناني الأصل الخبير في اللغة العربية الذي فك طلاسم «القاعدة»، وأكد لرؤسائه في أكثر من لقطة وموقف مؤثر أن «قتل رأس الثعبان أي بن لادن عقب تفجير سفارتي أميركا في شرق أفريقيا لن يكون الحل الأمثل للقضاء على التنظيم الإرهابي؛ لأنهم يعملون على بث آيديولوجياتهم عبر القارات وليس في أفغانستان وحدها». وتابع رايت في لقاء مع «الشرق الأوسط» حول شخصية بن لادن «أحياناً أتساءل لماذا فعل بن لادن ما فعله؟ لقد عاش حياة رغيدة وهانئة ولم يتعرض للسجن والتعذيب كما حدث للظواهري مثلاً». وفي سياق متصل، أكد أن تنظيم «القاعدة» خسر الكثير بعد مقتل بن لادن، مشيراً إلى أن شخصيته كانت تستقطب الكثير من الشباب المتطرفين من كل مكان. وأوضح أن كتابه المقبل سيكون تحت عنوان «الرب ينقذ تكساس» وقال: إنه سيزور لندن في مايو (أيار) المقبل للترويج لعمله الجديد.
ويدور مسلسل «الأبراج المشيدة» حول قصة الانهيار البيروقراطي الذي كان أقرب ما يكون باثنين من لاعبي الكرة اللذين يطاردان الكرة المندفعة، وهما يلوحان بأيديهما في الهواء، حتى الارتطام الشديد بعضهما بعضاً. والعمل الجديد من بطولة جيف دانيالز الذي يقوم بدور عميل المباحث الفيدرالية جون أونيل الخبير في مكافحة الإرهاب؛ وبيتر سارسغارد، الذي يقوم بدور مارتن شميدت المحلل لدى «سي آي إيه»؛ ومايكل ستولبارغ ويقوم بدور ريتشارد كلارك، كبير مستشاري مكافحة الإرهاب لدى مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس كلينتون؛ والممثل الجزائري طاهر رحيم، الذي يلعب دور العميل الفيدرالي الأميركي من أصل لبناني علي صوفان.
وأفضل أداء ممكن في «البروج المشيدة» يرجع إلى الممثلين دانيالز وسارسغارد، اللذين يقومان بدور العميلين أونيل وشميدت، واللذين بلغ الاستياء والازدراء بينهما حد الغليان؛ إذ يتابع أونيل، العميل المخضرم لعقدين من الزمان في مكتب التحقيقات الفيدرالي والمسؤول عن المكتب الميداني لمدينة نيويورك، التهديدات الصادرة عن تنظيم «القاعدة» منذ منتصف التسعينات، ويناشد وكالة الاستخبارات المركزية أن تشارك معلوماتها مع المباحث الفيدرالية في الشأن ذاته قبل وقوع الضربة التي لا مفر منها.
أحد أفضل مزايا مسلسل «البروج المشيدة» هي كيفية الاستفادة من وقائع تلك الفترة المستعرة من التاريخ الأميركي؛ فهناك إشارات مبدئية وساخرة إلى ملابس الفنانين، والهواتف المستخدمة في المكاتب، والديكورات الداخلية المثيرة للضجر، والتي تستدعي إلى الأذهان مسلسل «الشعب في مواجهة أو. جيه. سيمبسون» القصير من حقبة التسعينات.
وعلى غرار الكتاب التي تستند إليه أحداث المسلسل، فهناك حالة رائعة من التناغم يمثلها طاقم العمل، بالإضافة إلى الأداء الرائع من حفنة الممثلين البارعين على شاكلة مايكل ستولبارغ، الذي يقوم بدور قيصر مكافحة الإرهاب في إدارة الرئيس كلينتون، وبيل كامب، الممثل البارع ذي القدرات الرائعة وغير الملتفت إليه كثيراً. وأثناء قيامه بدور روبرت تشيزني، يلعب كامب مشهد استجواب رائع مدته 10 دقائق مع مرتكب عملية تفجير السفارة الأميركية في نيروبي، التي شكلت الأساس للضربات الأميركية الانتقامية التالية على إقليم خوست الأفغاني والعاصمة السودانية الخرطوم، والتي عُرفت إعلامياً باسم «عملية الوصول المطلق». ومن بين الممثلين المهمين الآخرين في المسلسل كان الجزائري طاهر رحيم، الذي يلعب دور علي صوفان، الذي كان أحد ثمانية عملاء فقط يتحدثون اللغة العربية بطلاقة في المباحث الفيدرالية الأميركية، وكان يحمل قلباً متعاطفاً وجسوراً في آن واحد.


مقالات ذات صلة

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».