التوتر التجاري والجيوسياسي العالمي يعزز مكاسب النفط والذهب

البورصات تراجعت بشكل حاد... والدولار الضعيف يعزز منافسيه

منصات حفر في حقل نفطي بالولايات المتحدة الأميركية (رويترز)
منصات حفر في حقل نفطي بالولايات المتحدة الأميركية (رويترز)
TT

التوتر التجاري والجيوسياسي العالمي يعزز مكاسب النفط والذهب

منصات حفر في حقل نفطي بالولايات المتحدة الأميركية (رويترز)
منصات حفر في حقل نفطي بالولايات المتحدة الأميركية (رويترز)

يبدو المشهد الجيوسياسي مقلقاً بشكل متزايد، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية بقيمة 50 مليار دولار على السلع صينية الصنع. وسارعت الصين للرد باستهداف 3 مليارات دولار من الصادرات الأميركية، وتنظر في اتخاذ تدابير انتقامية إضافية.
وعزز تعيين شخصيات مقرّبة من ترمب، والمعروفة بمناهضتها العلنية لإيران، من إمكان إعادة فرض عقوبات أميركية على إيران في موعد أقصاه 12 مايو (أيار) المقبل؛ حيث حلّ مايك بومبيو بدلاً من ريكس تيلرسون في منصب وزير الخارجية، بينما تولى جون بولتون منصباً مهماً كمستشار للأمن القومي خلفاً للجنرال هربرت ماكماستر.
وقال تقرير صادر عن «ساكسو بنك»: «سرعان ما استجابت السوق لهذه المتغيرات، فتراجعت أسعار الأسهم بشكل حاد، إذ خسر مؤشر داو جونز للمعدل الصناعي 700 نقطة، فيما تراجع مؤشر (إس آند بي) بنسبة 2.5 في المائة بعد موجة بيع. ومن ناحية أخرى، ارتفع الطلب على أصول الملاذات الآمنة. وتراجع عائد السندات الأميركية ذات مدة 10 سنوات إلى 2.8 في المائة، فيما كسر الين الياباني عتبة الـ105 مقابل الدولار للمرة الأولى منذ انتخاب ترمب رئيسا. وتلقى الين دفعة نتيجة لانخفاض مراكز البيع على المكشوف». وجاءت التداولات وفق مؤشر «بلومبيرغ» للسلع أكثر ليونة على مدار الأسبوع، استجابة للأحداث الجارية خلاله، مما أدى إلى ارتفاع تداولات النفط الخام نتيجة للتهديد الإيراني، وانخفاض مستوى الإمدادات وأسعار المعادن الصناعية، وعرقلة توقعات النمو العالمي. ولعبت هذه التطورات دوراً كبيراً في دعم أسعار الذهب مع تغطية قصيرة عقب الزيادة الحذرة لأسعار الفائدة الأميركية، مما وفر دفعة إضافية للأسعار.

معركة «فول الصويا»

وكانت السلع الزراعية أضعف بشكل عام، مع تدهور قطاع الحبوب، بعد أن ساعدت المخاوف من اندلاع حرب تجارية وتراجع القواعد الأساسية في جني الأرباح من المتداولين المضاربين. وعلى مدى ثمانية أسابيع وصولاً إلى 13 مارس (آذار)، غيّرت الصناديق مراكزها في ثلاثة محاصيل رئيسية، هي القمح والذرة وفول الصويا.
وتجاوز صافي عقود الذرة وفول الصويا مستوى هو الأعلى له منذ نحو أربع سنوات. وكان من الصعب الحفاظ على مركز بمثل هذا الحجم، وفقاً للتاريخ الحديث؛ وكثيراً ما أدى إلى انعكاسات حادة.
وتعتبر الصين أكبر مشترٍ لفول الصويا الذي تنتجه الولايات المتحدة، وهي تجارة تبلغ قيمتها نحو 15 مليار دولار سنوياً. ويمكن لأي تصعيد باندلاع حرب تجارية أن يدفع الصين نحو محاولة استيراد مزيد من فول الصويا مستعينة بمورّدين من أميركا الجنوبية. ومع ذلك، يبدو هذا السيناريو مستبعداً على نطاق واسع، نظراً لصعوبة تلبية كامل الطلب الصيني على هذا المحصول من جهات خارج أميركا.

النفط يرتفع بدعم جيوسياسي

هذا وقد ارتفعت أسعار النفط الخام بعد عدة أسابيع من السبات، وبدأ الارتفاع بعد نجاح خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت في اجتياز مستويات فنية رئيسية، وبعد تلقي الدعم الأساسي من خلال التركيز المتجدد على انقطاع الإمدادات. وتشير التوقعات إلى احتمال أن تعمد واشنطن إلى إعادة فرض عقوبات ضد إيران في 12 مايو المقبل، مما قد يضرّ بقدرة طهران على إنتاج وتصدير النفط الخام. ويزداد إمكان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي وقعته مع إيران، في أعقاب قرار ترمب بتعيين وزير خارجية جديد ومستشار للأمن القومي، من الشخصيات المعروفة بمعاداتها العلنية لإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية.
ومع ذلك، يتوقع أن تتأثر قدرة إيران على استقطاب رأس المال الأجنبي الإضافي اللازم للمحافظة على الإنتاج، ناهيك عن توسيعه، بابتعاد المستثمرين الأجانب؛ باستثناء متوقع من روسيا والصين.
وقال التقرير: «في ضوء الأحداث الجارية، يحظى عزم الصين إطلاق عقود نفط آجلة مقوّمة باليوان، والتي طال انتظارها، في 26 مارس الجاري، بقدر كبير من الاهتمام والترقّب. لقد أصبحت الصين بالفعل أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وسيكون كبار المصدّرين، وعلى رأسهم إيران وروسيا، مسرورين جداً بالتحايل على البترودولار. وكما اقتضت الحال دوماً مع إطلاق عقود آجلة جديدة، يعتمد نجاحها إلى حد كبير على قدرتها في استقطاب المنتجين والباحثين عن التحوّط والمضاربين الذين وجودهم ضروري لتوفير السيولة اللازمة».
ويمكن أن يصل هدف ارتفاع أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى 71 دولاراً للبرميل، وتعتمد إمكانية حدوث ذلك على مدى استمرار السوق في التركيز على تعطل الإمدادات، بالمقارنة مع الزيادة المستمرة في الإنتاج من الدول غير الأعضاء في «أوبك»، والمخاطر التي قد تؤثر على نمو الطلب في المستقبل جراء اندلاع حرب تجارية عالمية.

الذهب ينشط مع تراكم السحب

وعلى غرار مناسبات سابقة، استجابت أسعار الذهب مجدداً بشكل إيجابي لارتفاع آخر في أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي). وفيما اجتهد المحللون لاتخاذ قرار بشأن التشاؤم أو التفاؤل حيال ارتفاع الأسعار هذا، أكدت السوق على الجانب «التشاؤمي» لهذه الخطوة، وشهدت أسعار الذهب مزيداً من الارتفاع على التغطية القصيرة، وتجدد عمليات الشراء، مع ظهور سحبٍ سوداء في آفاق الاقتصاد العالمي.
وساعد ارتفاع التوترات التجارية والتركيز المتجدد على الاستقرار في الشرق الأوسط، في دفع المستثمرين نحو الذهب نتيجة بحثهم عن ملجأ من سوق الأسهم المتجددة، وضعف الدولار أمام الين الياباني على أقل تقدير. وتفرض مخاطر اندلاع حرب تجارية تهديدات بتقليص حجم التجارة العالمية، مما يخلق رياحاً معاكسة للنمو العالمي والمخزونات، ويدفع أكثر نحو تنويع الطلب والبحث عن ملاذ آمن.
ولعبت قوة الين الياباني أمام الدولار دوراً في المساعدة على التعويض من التأثير السلبي للذهب على ارتفاع العائدات الحقيقية، بينما حظيت السوق بفرص شراء جديدة إثر قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة.
ووصلت حيازات الذهب عبر المنتجات المتداولة في البورصة إلى أعلى مستوياتها منذ خمس سنوات، مع استمرار تكدّس المستثمرين على المدى الطويل. ولعبت صناديق التحوّط دور بائعي عقود الذهب الآجلة خلال الأسابيع الستة الماضية، ولديها الآن مجال لإعادة بناء عقود الشراء مع تحسن التوقعات الفنية والأساسية. وبات المشهد المستقبلي لسوق الذهب أكثر وضوحاً، إثر عودته مجدداً إلى منطقة قوبل فيها المعدن بالرفض في مناسبات كثيرة على مدى السنوات الأربع الماضية. ومن المحتمل أن تكون عمليات التغطية القصيرة قبل ارتفاع أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي قد انطلقت في مسارها، بحيث أصبح الشراء الجديد مطلوباً في السوق لاكتساب الزخم اللازم لاجتياز عتبة 1375 دولاراً للأونصة. وسط توقعات بتدهور فئات الأصول الأخرى، وما زال الدعم الرئيسي للذهب عند 1300 دولار للأونصة، بينما يمكن أن يشير اختراق عتبة 1375 دولاراً للأونصة إلى امتداد نحو 1475 دولاراً.

الدولار الضعيف ينعش اليورو والإسترليني

وعلى صعيد الصرف الأجنبي، بدأ اليورو الأسبوع الماضي قويا، بفضل السلاسة النسبية لمفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولكن التراجع الحاد في مؤشر «زد إي دبليو» للثقة الاقتصادية في ألمانيا، قلّل من ارتفاع اليورو مع بلوغه أدنى مستوى له في 20 يوما عند 1.2237.
وعلّق رئيس معهد «زد إي دبليو» على الاستطلاع قائلا: «لقد جعلت المخاوف من نزاع تجاري عالمي بقيادة أميركا الخبراء أكثر حذرا في توقعاتهم. اليورو القوي يعيق أيضا التوقع الاقتصادي لألمانيا، وهي دولة تعتمد على الصادرات. ولكن إلى جانب التقييم الإيجابي المستمر للخبراء للوضع الحالي، لا يزال التوقع إيجابيا بشكل كبير»، ومع ذلك، ارتفع اليورو على خلفية دولار ضعيف في نهاية الأسبوع، لينهيه مرتفعا عند 1.2351.
واستفاد الجنيه الإسترليني من تدفق أنباء إيجابية الأسبوع الماضي، كان أولها توصل بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق أولي حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولاحقا خلال الأسبوع، رفعت بيانات الأجور الجنيه مقابل الدولار المتراجع في كافة القطاعات. وبدأ الجنيه الأسبوع مقابل الدولار عند 1.3930، وأنهاه مرتفعا بنسبة 1.5 في المائة عند 1.4132.
ورغم أن المجلس الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة ورفع المعدل المستهدف في المدى الطويل، فإن توقع السياسة فشل في عكس مسار الدولار المتراجع. فقد تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له في 30 يوما فور صدور البيان، وهو الآن أقل بنسبة 3 في المائة منذ بداية السنة. وكان الدولار قد خسر بشكل ملحوظ نحو 10 في المائة من قيمته مقابل سلة من العملات في 2017.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.