بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي يعيد بناء الحياة الجحيمية للعراقيين.. سردا

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية
TT

بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية

ماذا يتوقع القارئ من رواية بعنوان «فرانكشتاين في بغداد»؟ أعترف أنني للوهلة الأولى ذعرت من العنوان الذي يحمل دلالتين للعنف والقتل (الشخص والمكان)، هل هذا ما حفزني على قراءة الرواية إلكترونيا بعد أن حملتها من موقع الأدب العراقي المعاصر (قبل فوزها بجائزة البوكر)؟ أم الضجة الجميلة والاحتفاء بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة بنسختها العربية ومن ثم فوزها بهذه الجائزة؟ أم اسم المؤلف وهو من الشباب المجتهدين الذي اختار البقاء في العراق وشهد التراجيديا العراقية بمختلف مراحلها؟ أم أنني أذعنت للمؤلف وهو يستدرج غريزة الخوف وفضوله في من خلال العنوان اللافت؟
هذه رواية تنصب لقارئها الفخاخ والكمائن وتضج بالمفاجآت، وهي رواية شريرة إلى حد ما، فهي لا تدع القارئ يستمتع بلذة تحقق توقعاته أثناء القراءة أو استباق الأحداث كما يحدث مع بقية الروايات أو الأفلام. ورغم ذلك فهناك حالة تماهٍ بين الأحداث والقارئ، أجزاء الجثث المنسية بعد الانفجارات التي تعثر بها هادي العتاك مثلا يمكن أن يتعثر بها أي عراقي، كقراء كنا مستعدين للقبول بأن الشسمة (ما التقطه هادي العتاك من بقايا الجثث وروح حسيب جعفر ونداء إيليشوا واسم دانيال وملابسه) سيثأر من القتلة ويضمحل ويتلاشى، لكن سعداوي تصرف بالشسمة (وقد يكون العكس هو الصحيح) بطريقة يصعب على القارئ أن يخمنها، ولذلك لم تراودني فكرة القفز على الصفحات رغم أنني كثيرا ما أفعلها مع روايات أخرى. هذه رواية تحتوي على فضاءات بيض كثر، لكنها مع ذلك تقول كل شيء وبسرعة عجيبة، إنها تسحب القارئ إلى الركض وتجعلنا نلهث داخل صفحاتها كي نسرع في الخروج منها، ومع ذلك تظل مسترخية في حبكتها وهي تتدفق بين يدي القارئ لأن أماكنها وأحداثها ومعظم شخوصها تكاد تكون معروفة سلفا من قبل القارئ العراقي تحديدا (لكنها أيضا ستتدفق للقارئ العربي والأجنبي) لذلك فالقارئ سينفتح على الرواية من خلال ترسيخ التفكير والرؤية الذاتية للأحداث والشخوص.
رواية «فرانكشتاين» في بغداد الصادرة عن دار الجمل لعام 2013 تبدأ بجملة غريبة وغير إنسانية «إني أطلب منك ألا تصفح عني» هذه الجملة مقتبسة من رواية «فرانكنشتاين» لميري شيلي، تشكل هذه الجملة برأيي مدخل الرواية وثيمتها، فالمجرم لا يطلب الصفح لأنه يعرف أن الإجرام سمة أساسية فيه كما في باقي البشر، إنه فقط يطلب أن يكون مسموعا من الآخر، وبعد ذلك فليفعل هذا الآخر ما يشاء أو ليحكم عليه بما يشاء. الاقتباس الثاني اختاره المؤلف بعناية فائقة ليعبر عن رجوع الضحية، كأن الألم يأبى الموت ويطلب الراحة بالثأر، وهو اقتباس عن قصة شهيد مسيحي. والاقتباس الثالث جاء على لسان الشسمة، وهو الخوف الذي يطلق عليه الرصاص ولا يموت، هو الجلاد والضحية معا. «الشسمة» الذي يتحدث إلينا بكثير من الحنان، فهو يريد القارئ أن يكون إلى جانبه، يريد من ينصت إليه، من يفهمه ومن يرشده، يريد إجابات عن أسئلته، يبحث عن يقين ما، فحوى وجوده ومغزى شهوته للقتل (شهوة الجميع للقتل). «فرانكشتاين» سعداوي تمحو الفوارق بين الذاكرة الفردية لأي عراقي، والتي تمكنه من سرد الماضي القريب الذي عايشه والذاكرة الجمعية لأبناء البلد الواحد. وحسب تصوري، ستغدو هذه الرواية ضمن الخزين السردي لأبناء الرافدين كما «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي.

* الخوف الذي لا اسم له
التخيل في الرواية هو ابتداع شخصية الشسمة وأفعاله القائمة على مجموعة من الاستباقات والاستذكارات (وهو شخصية فنتازية لا تمت للواقع بصلة)، وهذا (التخيل/ السرد الاصطناعي) خدم هيكلية الرواية وشخوصها الواقعيين وسرديتها الطبيعية التي تروي سلسة من الأحداث يريدنا سعداوي أن نصدق حقيقتها، وأغلبها قد وقع فعلا، فالمؤلف استثمر الكثير من التفجيرات التي وقعت ببغداد في الفترة بين 2005 و2006 في أحداث الرواية كي يزيد من جرعة مصداقيتها، كما في تفجير سوق الصدرية وتفجير ساحة الطيران وواقعة جسر الأئمة. تعيد قيامة «الشسمة» لملمة الواقع (زمن السرد) وتربطه بالماضي والمستقبل، وسوف تؤول السردية الطبيعية في رواية أحمد سعداوي ذات يوم إلى اعتبار أن الأحداث التي جرت في زقاق 7 في حي البتاويين بأنها حقيقية. وسوف يحصل الشسمة على حق المواطنة باعتباره شخصية تجاوزت الخيال للواقع وتحررت من مؤلفها الذي ابتكرها.

* إدارة الشخصيات
سيطر المؤلف على العلاقات بين الشخوص حتى إنه كان أشبه بمدير الأفراد الناجح، لم تطغَ شخصية على أخرى. الكل متساوون في الظهور والاختفاء حتى الشخصيات التي بالغ المؤلف في ابتكارها من أمثال المنجم الكبير والصغير، خدمت هدف الروي بطريقة ما.
قبل بداية الفصل الأول يفاجئنا التقرير النهائي وهو التقرير الذي أعدت قراءته بعد انتهائي من الرواية، هذا التقرير يشير إلى أن الأحداث تجري في زمن الاحتلال وما خلفه من مؤسسات (الإدارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي للعراق) ونعرف أن هناك عملا تقوم به هذه الدائرة (المتابعة والتعقيب) وهو توقع الانفجارات قبل وقوعها والقبض على المجرمين، لكن عملها الحقيقي هو الإجابة عن سؤال (متى وكيف أموت) ص259، وهو السؤال الحقيقي والوحيد لسياسيي العراق الجديد الذي يجعلهم يقصدون مكتب العميد سرور لأجله، وإن هذه الدائرة تجاوزت صلاحيات عملها، لذلك تم توقيفها عن العمل. منذ الصفحات الأولى تمسك هذه الرواية بتلابيب القارئ، فما علاقة هذه الدائرة بالمنجمين وتسريحهم منها؟ وما علاقة هذه الدائرة بالأدب والروائيين ومؤلف رواية ما مجهول الهوية يعيش في فندق في شارع أبي نواس ورد ذكره في توصيات لجنة تقصي الحقائق؟
الرواية تتكون من تسعة عشر فصلا، اختار الروائي لكل فصل اسما تغلب عليها الصفات، مثل المجنونة والكذاب والمجرم والصحافي والمؤلف.
سعداوي لم يجمل الواقع ولم يحاول تطمين القارئ، بل تقصد أسلوب الصدمة، حيث افتتح الفصل الأول بانفجار ينهي حياة أناس أبرياء ويحدث تدميرا كبيرا. إذن أين ذروة رواية تبدأ بانفجار؟ نعم فهذه رواية عراقية تنتمي للعراق ما بعد 2003، والزمن في هذه الرواية جزء كبير من ثيمتها، حيث الانفجارات تفاصيل يومية مألوفة، الراوي يتحدث عن العجوز إيليشوا المسيحية نصف المجنونة بسبب حنينها إلى ابنها الذي فقدته في حرب الثماني سنوات مع إيران، هذا الحنين الذي يتحول إلى هاجسها الوحيد للاستمرار في الحياة: ص13 «الميتون إلى الطب العدلي والجرحى إلى مستشفى الكندي. بعض الزجاج المهشم هنا أو هناك. عمود متسخ بالدخان، حفرة صغيرة أو كبيرة في إسفلت الشارع، وأشياء أخرى لا تتمكن، بسبب بصرها الغائم، من رؤيتها أو الانتباه إليها». الدمار والموت والخراب والبصر الغائم هو الانطباع الأول للمكان الذي تدور به أحداث الرواية.
يستخدم المؤلف أسلوب الراوي العليم (الشخص الثالث) الذي يرى الشخوص ويصفهم وتتداخل أزمان الروي بين الحاضر (الحوادث التي يتعرف القارئ أثناء القراءة) والمستقبل (ما سيتعرف عليه القارئ لاحقا باستمرار القراءة)، في ص24 (شاهدت «دنيه» كما كانت تسميه دائما في طفولته وشبابه. تحققت أخيرا نبوءة قديسها الشفيع. نادت عليه فأتاها: تعالَ يا ولدي.. يا دنيه).
تجري الحوارات بين الشخوص بلغة أقرب إلى اللهجة العراقية، وهذا ما يمنحها مصداقية وواقعية: ص37 (أعطني صبرا يا رجل). ولن تكون جملة فرج الدلال بذات الدلالة لو أنها كتبت بالفصحى: ص112 (ما تموتين وتخلصيني عمر تفكه رب الحلو).
حاول سعداوي أيضا «وقد أفلح» أن يجعل حي البتاويين البغدادي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية يمثل التشكيلة الحقيقية للكثير من أحياء بغداد القديمة، فالمرأة المسيحية إيليشوا تسكن في بيت بناه اليهود، وجارتها المسلمة أم سليم تتبارك بوجودها في الحي، بينما يستعمل جارها الجشع (فرج) جارتها الأرمنية لإقناع إيليشوا ببيع بيتها، الجنوبي أبو إنمار صاحب فندق العروبة يجد نفسه وحيدا بعد غياب سلطة الدولة بسبب الاحتلال الأميركي، هادي العتاك المتشرد الكذاب يستحوذ على بيت مهدم بسبب غياب سلطة الدولة أيضا. يبرع المؤلف في التقاط يوميات نساء البتاويين أو النساء العراقيات عامة (قد يراها بعض القراء مبالغة) وكيف تتداخل طقوسهن الدينية بحيث تضيع الحدود بين الديانات المختلفة، فالراوي يتحدث عن العجوز الآثورية: ص105 (وضعت قبضة الحناء الداكنة على حائط الكنيس اليهودي المهجور، وكذلك على باب الأورفلي المطل على مدخل شارع السعدون وهو الجامع الوحيد في حي البتاويين). هذا المربع المدهش (إيليشوا، هادي العتاك، فرج الدلال، أبو إنمار) هو بطل الرواية الحقيقي.

* موت يطال الجميع
في الفصل الثالث المعنون «روح تائهة» يتلاشى جسد حسيب حارس الفندق بفعل تفجير تصدى له، لكن أحلام أحبته هي من يجمع أشلاء هذا الجسد المتناثر، يا له من التقاط مؤثر من قبل المؤلف، حيث يستلهم (الموروث الشعبي/ الديني) للأحلام وعلاقتها بالأموات. وعندما يستعيد حسيب وعيه بعد الانفجار تختلط الفنتازيا بالواقع، فالجسد تلاشى، لكن الوعي باق، والبصر قادر على الرؤية. لا يبالغ سعداوي في الوصف المثقل بالتفاصيل، بل يلجأ إلى الجمل القصيرة المؤثرة كأنها ضربات سريعة، أو صور متلاحقة لإعلانات سردية متتالية. الأموات في هذا الفصل يعون موتهم ويعرفون أنهم محض جثث، ومن بقيت جثته سليمة هو المحظوظ بينهم. حسيب جعفر يعرف أنه ميت ويعود إلى مكان الانفجار باحثا عن جثته، وواضح جدا أن المؤلف «ولو بعقله الباطن» قد استعار بعض مشاهد فيلم «شبح 1990» الشهير في هذا الفصل، في الصفحة 46 من نفس الفصل هناك روح الشاب الذي يرتدي تي شيرت أحمر ويضع سوارين في معصمه، وهي إشارة إلى الموت الذي يطال الجميع بمختلف الحجج، فهذا المراهق يبدو أنه من مقلدي الموضة الغريبة الذين يتعرضون للقتل على يد الجماعات المتشددة. فنتازيا القتل تحول كل شيء إلى كوابيس إلى الحد الذي تختفي فيه الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الجثث تتكلم والقديس في الصورة يهدد المسخ (الموت الذي يطال الجميع). إنه سيغرس رمحه في صدره، لكنه لن يفلح أبدا، بل سيتحول القديس إلى مسخ بعد أن تقتطع أم دانيال من اللوحة وجهه فقط. هذه رواية لا تخدع القارئ، بل تفتح عينيه لتجعله يواجه موته ومصيره بكامل وعيه.
في الفصل الرابع (الصحافي) يضعنا المؤلف في مواجهة نماذج للصحافيين طفت على السطح بعد الانفتاح الإعلامي عام 2003. محمود السوادي رجل غائم يبدأ هذا الفصل بترقيته وفصل زميلين من زملائه، علي باهر السعيدي، مدير التحرير الأنيق الذي له صلات واسعة بالسياسيين لديه القدرة على تمييع الأزمات، بل القفز عليها. علاقة الظل بالجسم اللامع الواهي أصلا، محمود السوادي وعلي باهر السعيدي (بينما محمود ينظر إلى نفسه في الزجاج والمرايا المنتشرة في كل مكان ولا يرى شيئا. لا يرى سوى السعيدي ودائرة علاقاته المتشابكة). حتى المرأة التي أحبها محمود السوادي هي عشيقة السعيدي، إنه لا يحب المرأة هنا، بل يحب ما قد أحب السعيدي في محاولة للتطابق معه، في الفصل الأخير يكتشف محمود السوادي من خلال مراجعة مواقف السعيدي أنه رجل بلا وجه محدد، وهو أشبه بقناة مجوفة تمر عبرها سيول من الأفكار البراقة والمواقف الغريبة، شخصية السعيدي هي مثال على منظري الديمقراطية الذين جاءوا مع الاحتلال، وتلتقي مصالحهم مع ما تبقى من متلونين من إرث النظام السابق، كما في السخرية المبطنة في لقاء العميد سرور بالسعيدي وضحكهما رغم كل ما يجري من حولهما من قتل وتدمير: ص90 (كانا يتحدثان عن الحرب وكأنها فلم ينتظرا مشاهدته في السينما. كانا يضحكان).
لا حانات في بغداد في هذه الفترة، فالحانة التي يجلسون فيها سرية يتم الدخول إليها من باب مطعم صغير وهناك ثرثرة عادية بين الأصدقاء الجالسين في هذه الحانة بإنقاذ أحدهم من موت محقق، توازن من نوع بين مفارقات الحياة الموت.
للمؤلف تقنية تقترب من تقنية المشاهد السينمائية بالإضافة إلى الجمل القصيرة المركزة والوصف الموجز هناك انتقالات جميلة في السرد في أزمان متعددة (شرب فرج الدلال من شايه بهدوء ناظرا بازدراء إلى الشحاذ العجوز، وفي ذات الوقت كان هناك من يشرب شايه بهدوء أيضا، إنه العميد سرور محمد مجيد، المدير العام لدائرة المتابعة والتعقيب).
في الفصل الثامن ترد إشارة ذكية إلى حادثة جسر الأئمة وما يسبقها من أشباح تحوم فوق الجسر، هذه رواية لا تغفل سير الأرواح يسميها الراوي بحذق توابع الخوف. السرد الحيوي المسترسل لأحداث يومية بسيطة يحولها إلى دعامات قوية في بنية الرواية: ص84 (استغرقا في الزحام الذي خلفته دورية من الهمرات الأميركية تسير ببطء ويشهر الجنود من فوقها الأسلحة بوجه السيارات التي تسير خلفهم فتتأخر هذه السيارات مسافة عشرين مترا عن الهمرات).
الانتقالات في الزمان والمكان في الفصل الثاني عشر مذهلة ومبتكرة، الاستراتيجية النصية تحتوي على إحالات زمنية دقيقة بما يغني الحبكة لا بما يكسر من بهائها، إحالات تتشعب على المستقبل، الراوي العالم بالحدث مسبقا يتلاعب بالزمن كأنه لفافة ورق يفرده ويطويه أمام القارئ، بينما مشهد الشسمة وهو يتفرج من فوق سطح بيت أم دانيال على أبيه هادي العتاك يضرب من قبل ضباط دائرة المتابعة، هذا المشهد يحلينا إلى مشاهد في أفلام الرجل الوطواط. يشير تغيير الاسم من فندق العروبة إلى فندق الرسول الأعظم على الواقع الذي تغير من زمن القومية إلى زمن الهوية الدينية.

* لا أبرياء أنقياء ولا مجرمين كاملون
سعداوي أطال زمن التشنج أو الذروة الذي بدأ من الفصل الأول ولم ينته بالحل الدرامي كما يحدث عادة في الروايات. بل إن المشهد الأخير في الرواية التي تنتهي بتفجير كبير يهدم المنازل ويحرق ويشوه هادي العتاك، بينما القط نابو يتمسح برجل الشسمة وهو يتفرج على سيارات الإطفاء والإسعاف من إحدى نوافذ فندق العروبة المهجور، هذا المشهد برأيي هو ذروة الرواية التي أضحت مهمة الثأر والانتقام فيها أبدية: ص255 (ليس هناك أبرياء أنقياء بشكل كامل ولا مجرمين كاملون).
تتفوق حبكة هذه الرواية على حكايتها إلى الحد الذي نستطيع القول فيه إن «فرانكشتاين في بغداد» تمتلك حبكة أكبر بكثير من حكايتها بسبب إصرار المؤلف على ملاحقة كل شيء وتضمينه داخل هذا الميكانزم السردي الضخم لذلك وقع في مطبات هينة من وجهة نظري كما في الإشارة أكثر من مرة إلى اللون الوردي الذي يرتديه ضباط دائرة المتابعة والتعقيب والمغلفات الوردية التي يستعملونها. وعدم وجود شخصية إيجابية مؤثرة بين شخوص الرواية.
هل سخرت هذه الرواية من موت العراقيين في الشوارع والساحات العامة وفوق الجسور وقدمت هذا الموت باعتباره سردا وتخيلا؟ أو على الأقل وظفت هذه الحوادث المأساوية لإثراء عالم الرواية السردي اعتمادا على معطيات الواقع العراقي؟ «فرانكشتاين في بغداد» تجعلنا نواجه خوفنا وقلقنا ونحن نحاول قول شيء حقيقي عن عالمنا الواقعي: ص137 (كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه)، القارئ لا يقرأ فحسب، بل يكتشف قلقه وخوفه ويستدل من خلالهما على ذاته في هذا البناء السردي الذي يعج بالأوهام والحقائق، وبالتالي يحدد موقع هذه الذات داخل عالم الرواية كجزء من استهلاك النص واستيعاب دلالاته وقد يتحول القارئ بعد إكمال هذه الرواية إلى سارد آخر للإحداث التي عايشها شخصيا في حقبة الاقتتال الطائفي تلك.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟