بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي يعيد بناء الحياة الجحيمية للعراقيين.. سردا

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية
TT

بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية

ماذا يتوقع القارئ من رواية بعنوان «فرانكشتاين في بغداد»؟ أعترف أنني للوهلة الأولى ذعرت من العنوان الذي يحمل دلالتين للعنف والقتل (الشخص والمكان)، هل هذا ما حفزني على قراءة الرواية إلكترونيا بعد أن حملتها من موقع الأدب العراقي المعاصر (قبل فوزها بجائزة البوكر)؟ أم الضجة الجميلة والاحتفاء بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة بنسختها العربية ومن ثم فوزها بهذه الجائزة؟ أم اسم المؤلف وهو من الشباب المجتهدين الذي اختار البقاء في العراق وشهد التراجيديا العراقية بمختلف مراحلها؟ أم أنني أذعنت للمؤلف وهو يستدرج غريزة الخوف وفضوله في من خلال العنوان اللافت؟
هذه رواية تنصب لقارئها الفخاخ والكمائن وتضج بالمفاجآت، وهي رواية شريرة إلى حد ما، فهي لا تدع القارئ يستمتع بلذة تحقق توقعاته أثناء القراءة أو استباق الأحداث كما يحدث مع بقية الروايات أو الأفلام. ورغم ذلك فهناك حالة تماهٍ بين الأحداث والقارئ، أجزاء الجثث المنسية بعد الانفجارات التي تعثر بها هادي العتاك مثلا يمكن أن يتعثر بها أي عراقي، كقراء كنا مستعدين للقبول بأن الشسمة (ما التقطه هادي العتاك من بقايا الجثث وروح حسيب جعفر ونداء إيليشوا واسم دانيال وملابسه) سيثأر من القتلة ويضمحل ويتلاشى، لكن سعداوي تصرف بالشسمة (وقد يكون العكس هو الصحيح) بطريقة يصعب على القارئ أن يخمنها، ولذلك لم تراودني فكرة القفز على الصفحات رغم أنني كثيرا ما أفعلها مع روايات أخرى. هذه رواية تحتوي على فضاءات بيض كثر، لكنها مع ذلك تقول كل شيء وبسرعة عجيبة، إنها تسحب القارئ إلى الركض وتجعلنا نلهث داخل صفحاتها كي نسرع في الخروج منها، ومع ذلك تظل مسترخية في حبكتها وهي تتدفق بين يدي القارئ لأن أماكنها وأحداثها ومعظم شخوصها تكاد تكون معروفة سلفا من قبل القارئ العراقي تحديدا (لكنها أيضا ستتدفق للقارئ العربي والأجنبي) لذلك فالقارئ سينفتح على الرواية من خلال ترسيخ التفكير والرؤية الذاتية للأحداث والشخوص.
رواية «فرانكشتاين» في بغداد الصادرة عن دار الجمل لعام 2013 تبدأ بجملة غريبة وغير إنسانية «إني أطلب منك ألا تصفح عني» هذه الجملة مقتبسة من رواية «فرانكنشتاين» لميري شيلي، تشكل هذه الجملة برأيي مدخل الرواية وثيمتها، فالمجرم لا يطلب الصفح لأنه يعرف أن الإجرام سمة أساسية فيه كما في باقي البشر، إنه فقط يطلب أن يكون مسموعا من الآخر، وبعد ذلك فليفعل هذا الآخر ما يشاء أو ليحكم عليه بما يشاء. الاقتباس الثاني اختاره المؤلف بعناية فائقة ليعبر عن رجوع الضحية، كأن الألم يأبى الموت ويطلب الراحة بالثأر، وهو اقتباس عن قصة شهيد مسيحي. والاقتباس الثالث جاء على لسان الشسمة، وهو الخوف الذي يطلق عليه الرصاص ولا يموت، هو الجلاد والضحية معا. «الشسمة» الذي يتحدث إلينا بكثير من الحنان، فهو يريد القارئ أن يكون إلى جانبه، يريد من ينصت إليه، من يفهمه ومن يرشده، يريد إجابات عن أسئلته، يبحث عن يقين ما، فحوى وجوده ومغزى شهوته للقتل (شهوة الجميع للقتل). «فرانكشتاين» سعداوي تمحو الفوارق بين الذاكرة الفردية لأي عراقي، والتي تمكنه من سرد الماضي القريب الذي عايشه والذاكرة الجمعية لأبناء البلد الواحد. وحسب تصوري، ستغدو هذه الرواية ضمن الخزين السردي لأبناء الرافدين كما «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي.

* الخوف الذي لا اسم له
التخيل في الرواية هو ابتداع شخصية الشسمة وأفعاله القائمة على مجموعة من الاستباقات والاستذكارات (وهو شخصية فنتازية لا تمت للواقع بصلة)، وهذا (التخيل/ السرد الاصطناعي) خدم هيكلية الرواية وشخوصها الواقعيين وسرديتها الطبيعية التي تروي سلسة من الأحداث يريدنا سعداوي أن نصدق حقيقتها، وأغلبها قد وقع فعلا، فالمؤلف استثمر الكثير من التفجيرات التي وقعت ببغداد في الفترة بين 2005 و2006 في أحداث الرواية كي يزيد من جرعة مصداقيتها، كما في تفجير سوق الصدرية وتفجير ساحة الطيران وواقعة جسر الأئمة. تعيد قيامة «الشسمة» لملمة الواقع (زمن السرد) وتربطه بالماضي والمستقبل، وسوف تؤول السردية الطبيعية في رواية أحمد سعداوي ذات يوم إلى اعتبار أن الأحداث التي جرت في زقاق 7 في حي البتاويين بأنها حقيقية. وسوف يحصل الشسمة على حق المواطنة باعتباره شخصية تجاوزت الخيال للواقع وتحررت من مؤلفها الذي ابتكرها.

* إدارة الشخصيات
سيطر المؤلف على العلاقات بين الشخوص حتى إنه كان أشبه بمدير الأفراد الناجح، لم تطغَ شخصية على أخرى. الكل متساوون في الظهور والاختفاء حتى الشخصيات التي بالغ المؤلف في ابتكارها من أمثال المنجم الكبير والصغير، خدمت هدف الروي بطريقة ما.
قبل بداية الفصل الأول يفاجئنا التقرير النهائي وهو التقرير الذي أعدت قراءته بعد انتهائي من الرواية، هذا التقرير يشير إلى أن الأحداث تجري في زمن الاحتلال وما خلفه من مؤسسات (الإدارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي للعراق) ونعرف أن هناك عملا تقوم به هذه الدائرة (المتابعة والتعقيب) وهو توقع الانفجارات قبل وقوعها والقبض على المجرمين، لكن عملها الحقيقي هو الإجابة عن سؤال (متى وكيف أموت) ص259، وهو السؤال الحقيقي والوحيد لسياسيي العراق الجديد الذي يجعلهم يقصدون مكتب العميد سرور لأجله، وإن هذه الدائرة تجاوزت صلاحيات عملها، لذلك تم توقيفها عن العمل. منذ الصفحات الأولى تمسك هذه الرواية بتلابيب القارئ، فما علاقة هذه الدائرة بالمنجمين وتسريحهم منها؟ وما علاقة هذه الدائرة بالأدب والروائيين ومؤلف رواية ما مجهول الهوية يعيش في فندق في شارع أبي نواس ورد ذكره في توصيات لجنة تقصي الحقائق؟
الرواية تتكون من تسعة عشر فصلا، اختار الروائي لكل فصل اسما تغلب عليها الصفات، مثل المجنونة والكذاب والمجرم والصحافي والمؤلف.
سعداوي لم يجمل الواقع ولم يحاول تطمين القارئ، بل تقصد أسلوب الصدمة، حيث افتتح الفصل الأول بانفجار ينهي حياة أناس أبرياء ويحدث تدميرا كبيرا. إذن أين ذروة رواية تبدأ بانفجار؟ نعم فهذه رواية عراقية تنتمي للعراق ما بعد 2003، والزمن في هذه الرواية جزء كبير من ثيمتها، حيث الانفجارات تفاصيل يومية مألوفة، الراوي يتحدث عن العجوز إيليشوا المسيحية نصف المجنونة بسبب حنينها إلى ابنها الذي فقدته في حرب الثماني سنوات مع إيران، هذا الحنين الذي يتحول إلى هاجسها الوحيد للاستمرار في الحياة: ص13 «الميتون إلى الطب العدلي والجرحى إلى مستشفى الكندي. بعض الزجاج المهشم هنا أو هناك. عمود متسخ بالدخان، حفرة صغيرة أو كبيرة في إسفلت الشارع، وأشياء أخرى لا تتمكن، بسبب بصرها الغائم، من رؤيتها أو الانتباه إليها». الدمار والموت والخراب والبصر الغائم هو الانطباع الأول للمكان الذي تدور به أحداث الرواية.
يستخدم المؤلف أسلوب الراوي العليم (الشخص الثالث) الذي يرى الشخوص ويصفهم وتتداخل أزمان الروي بين الحاضر (الحوادث التي يتعرف القارئ أثناء القراءة) والمستقبل (ما سيتعرف عليه القارئ لاحقا باستمرار القراءة)، في ص24 (شاهدت «دنيه» كما كانت تسميه دائما في طفولته وشبابه. تحققت أخيرا نبوءة قديسها الشفيع. نادت عليه فأتاها: تعالَ يا ولدي.. يا دنيه).
تجري الحوارات بين الشخوص بلغة أقرب إلى اللهجة العراقية، وهذا ما يمنحها مصداقية وواقعية: ص37 (أعطني صبرا يا رجل). ولن تكون جملة فرج الدلال بذات الدلالة لو أنها كتبت بالفصحى: ص112 (ما تموتين وتخلصيني عمر تفكه رب الحلو).
حاول سعداوي أيضا «وقد أفلح» أن يجعل حي البتاويين البغدادي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية يمثل التشكيلة الحقيقية للكثير من أحياء بغداد القديمة، فالمرأة المسيحية إيليشوا تسكن في بيت بناه اليهود، وجارتها المسلمة أم سليم تتبارك بوجودها في الحي، بينما يستعمل جارها الجشع (فرج) جارتها الأرمنية لإقناع إيليشوا ببيع بيتها، الجنوبي أبو إنمار صاحب فندق العروبة يجد نفسه وحيدا بعد غياب سلطة الدولة بسبب الاحتلال الأميركي، هادي العتاك المتشرد الكذاب يستحوذ على بيت مهدم بسبب غياب سلطة الدولة أيضا. يبرع المؤلف في التقاط يوميات نساء البتاويين أو النساء العراقيات عامة (قد يراها بعض القراء مبالغة) وكيف تتداخل طقوسهن الدينية بحيث تضيع الحدود بين الديانات المختلفة، فالراوي يتحدث عن العجوز الآثورية: ص105 (وضعت قبضة الحناء الداكنة على حائط الكنيس اليهودي المهجور، وكذلك على باب الأورفلي المطل على مدخل شارع السعدون وهو الجامع الوحيد في حي البتاويين). هذا المربع المدهش (إيليشوا، هادي العتاك، فرج الدلال، أبو إنمار) هو بطل الرواية الحقيقي.

* موت يطال الجميع
في الفصل الثالث المعنون «روح تائهة» يتلاشى جسد حسيب حارس الفندق بفعل تفجير تصدى له، لكن أحلام أحبته هي من يجمع أشلاء هذا الجسد المتناثر، يا له من التقاط مؤثر من قبل المؤلف، حيث يستلهم (الموروث الشعبي/ الديني) للأحلام وعلاقتها بالأموات. وعندما يستعيد حسيب وعيه بعد الانفجار تختلط الفنتازيا بالواقع، فالجسد تلاشى، لكن الوعي باق، والبصر قادر على الرؤية. لا يبالغ سعداوي في الوصف المثقل بالتفاصيل، بل يلجأ إلى الجمل القصيرة المؤثرة كأنها ضربات سريعة، أو صور متلاحقة لإعلانات سردية متتالية. الأموات في هذا الفصل يعون موتهم ويعرفون أنهم محض جثث، ومن بقيت جثته سليمة هو المحظوظ بينهم. حسيب جعفر يعرف أنه ميت ويعود إلى مكان الانفجار باحثا عن جثته، وواضح جدا أن المؤلف «ولو بعقله الباطن» قد استعار بعض مشاهد فيلم «شبح 1990» الشهير في هذا الفصل، في الصفحة 46 من نفس الفصل هناك روح الشاب الذي يرتدي تي شيرت أحمر ويضع سوارين في معصمه، وهي إشارة إلى الموت الذي يطال الجميع بمختلف الحجج، فهذا المراهق يبدو أنه من مقلدي الموضة الغريبة الذين يتعرضون للقتل على يد الجماعات المتشددة. فنتازيا القتل تحول كل شيء إلى كوابيس إلى الحد الذي تختفي فيه الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الجثث تتكلم والقديس في الصورة يهدد المسخ (الموت الذي يطال الجميع). إنه سيغرس رمحه في صدره، لكنه لن يفلح أبدا، بل سيتحول القديس إلى مسخ بعد أن تقتطع أم دانيال من اللوحة وجهه فقط. هذه رواية لا تخدع القارئ، بل تفتح عينيه لتجعله يواجه موته ومصيره بكامل وعيه.
في الفصل الرابع (الصحافي) يضعنا المؤلف في مواجهة نماذج للصحافيين طفت على السطح بعد الانفتاح الإعلامي عام 2003. محمود السوادي رجل غائم يبدأ هذا الفصل بترقيته وفصل زميلين من زملائه، علي باهر السعيدي، مدير التحرير الأنيق الذي له صلات واسعة بالسياسيين لديه القدرة على تمييع الأزمات، بل القفز عليها. علاقة الظل بالجسم اللامع الواهي أصلا، محمود السوادي وعلي باهر السعيدي (بينما محمود ينظر إلى نفسه في الزجاج والمرايا المنتشرة في كل مكان ولا يرى شيئا. لا يرى سوى السعيدي ودائرة علاقاته المتشابكة). حتى المرأة التي أحبها محمود السوادي هي عشيقة السعيدي، إنه لا يحب المرأة هنا، بل يحب ما قد أحب السعيدي في محاولة للتطابق معه، في الفصل الأخير يكتشف محمود السوادي من خلال مراجعة مواقف السعيدي أنه رجل بلا وجه محدد، وهو أشبه بقناة مجوفة تمر عبرها سيول من الأفكار البراقة والمواقف الغريبة، شخصية السعيدي هي مثال على منظري الديمقراطية الذين جاءوا مع الاحتلال، وتلتقي مصالحهم مع ما تبقى من متلونين من إرث النظام السابق، كما في السخرية المبطنة في لقاء العميد سرور بالسعيدي وضحكهما رغم كل ما يجري من حولهما من قتل وتدمير: ص90 (كانا يتحدثان عن الحرب وكأنها فلم ينتظرا مشاهدته في السينما. كانا يضحكان).
لا حانات في بغداد في هذه الفترة، فالحانة التي يجلسون فيها سرية يتم الدخول إليها من باب مطعم صغير وهناك ثرثرة عادية بين الأصدقاء الجالسين في هذه الحانة بإنقاذ أحدهم من موت محقق، توازن من نوع بين مفارقات الحياة الموت.
للمؤلف تقنية تقترب من تقنية المشاهد السينمائية بالإضافة إلى الجمل القصيرة المركزة والوصف الموجز هناك انتقالات جميلة في السرد في أزمان متعددة (شرب فرج الدلال من شايه بهدوء ناظرا بازدراء إلى الشحاذ العجوز، وفي ذات الوقت كان هناك من يشرب شايه بهدوء أيضا، إنه العميد سرور محمد مجيد، المدير العام لدائرة المتابعة والتعقيب).
في الفصل الثامن ترد إشارة ذكية إلى حادثة جسر الأئمة وما يسبقها من أشباح تحوم فوق الجسر، هذه رواية لا تغفل سير الأرواح يسميها الراوي بحذق توابع الخوف. السرد الحيوي المسترسل لأحداث يومية بسيطة يحولها إلى دعامات قوية في بنية الرواية: ص84 (استغرقا في الزحام الذي خلفته دورية من الهمرات الأميركية تسير ببطء ويشهر الجنود من فوقها الأسلحة بوجه السيارات التي تسير خلفهم فتتأخر هذه السيارات مسافة عشرين مترا عن الهمرات).
الانتقالات في الزمان والمكان في الفصل الثاني عشر مذهلة ومبتكرة، الاستراتيجية النصية تحتوي على إحالات زمنية دقيقة بما يغني الحبكة لا بما يكسر من بهائها، إحالات تتشعب على المستقبل، الراوي العالم بالحدث مسبقا يتلاعب بالزمن كأنه لفافة ورق يفرده ويطويه أمام القارئ، بينما مشهد الشسمة وهو يتفرج من فوق سطح بيت أم دانيال على أبيه هادي العتاك يضرب من قبل ضباط دائرة المتابعة، هذا المشهد يحلينا إلى مشاهد في أفلام الرجل الوطواط. يشير تغيير الاسم من فندق العروبة إلى فندق الرسول الأعظم على الواقع الذي تغير من زمن القومية إلى زمن الهوية الدينية.

* لا أبرياء أنقياء ولا مجرمين كاملون
سعداوي أطال زمن التشنج أو الذروة الذي بدأ من الفصل الأول ولم ينته بالحل الدرامي كما يحدث عادة في الروايات. بل إن المشهد الأخير في الرواية التي تنتهي بتفجير كبير يهدم المنازل ويحرق ويشوه هادي العتاك، بينما القط نابو يتمسح برجل الشسمة وهو يتفرج على سيارات الإطفاء والإسعاف من إحدى نوافذ فندق العروبة المهجور، هذا المشهد برأيي هو ذروة الرواية التي أضحت مهمة الثأر والانتقام فيها أبدية: ص255 (ليس هناك أبرياء أنقياء بشكل كامل ولا مجرمين كاملون).
تتفوق حبكة هذه الرواية على حكايتها إلى الحد الذي نستطيع القول فيه إن «فرانكشتاين في بغداد» تمتلك حبكة أكبر بكثير من حكايتها بسبب إصرار المؤلف على ملاحقة كل شيء وتضمينه داخل هذا الميكانزم السردي الضخم لذلك وقع في مطبات هينة من وجهة نظري كما في الإشارة أكثر من مرة إلى اللون الوردي الذي يرتديه ضباط دائرة المتابعة والتعقيب والمغلفات الوردية التي يستعملونها. وعدم وجود شخصية إيجابية مؤثرة بين شخوص الرواية.
هل سخرت هذه الرواية من موت العراقيين في الشوارع والساحات العامة وفوق الجسور وقدمت هذا الموت باعتباره سردا وتخيلا؟ أو على الأقل وظفت هذه الحوادث المأساوية لإثراء عالم الرواية السردي اعتمادا على معطيات الواقع العراقي؟ «فرانكشتاين في بغداد» تجعلنا نواجه خوفنا وقلقنا ونحن نحاول قول شيء حقيقي عن عالمنا الواقعي: ص137 (كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه)، القارئ لا يقرأ فحسب، بل يكتشف قلقه وخوفه ويستدل من خلالهما على ذاته في هذا البناء السردي الذي يعج بالأوهام والحقائق، وبالتالي يحدد موقع هذه الذات داخل عالم الرواية كجزء من استهلاك النص واستيعاب دلالاته وقد يتحول القارئ بعد إكمال هذه الرواية إلى سارد آخر للإحداث التي عايشها شخصيا في حقبة الاقتتال الطائفي تلك.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».