اضطراب في قطاع المجوهرات بالهند بعد وقائع احتيال

يسهم بنحو 7 % من الناتج المحلي

صالة عرض مجوهرات في مومباي (رويترز)
صالة عرض مجوهرات في مومباي (رويترز)
TT

اضطراب في قطاع المجوهرات بالهند بعد وقائع احتيال

صالة عرض مجوهرات في مومباي (رويترز)
صالة عرض مجوهرات في مومباي (رويترز)

تعرضت صناعة المجوهرات والأحجار الكريمة في الهند، والتي تقدر قيمتها السوقية بنحو 60 مليار دولار، لواحدة من كبرى الصدمات عقب فضيحة الاحتيال المصرفي بقيمة 2 مليار دولار، التي كُشف عنها مؤخراً وكانت بواسطة اثنين من كبار العاملين في صناعة الماس ومن أصحاب البصمات العالمية الكبيرة.
وتشكل مدينتا مومباي وسورات الساحليتان العمود الفقري لصناعة الماس في الهند. وفي حين أن سورات تعد المركز العالمي في صناعة صقل وتشكيل الماس الخام، فإن مومباي من أهم المراكز التجارية الكبيرة لهذه الصناعة ككل.
وخلال الأعوام الخمسين الماضية، احتجز قطاع المجوهرات والأحجار الكريمة نحو 475 مليار دولار من الصادرات الهندية على الرغم من عدم وجود إنتاج محلي من الذهب والماس. ويلعب هذا القطاع دوراً مهماً في الاقتصاد الهندي، إذ إنه يسهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد، ويشكل نسبة 15.71% من إجمالي الصادرات السلعية الهندية. كما يعمل في هذه الصناعة نحو 4.64 مليون موظف وعامل.
ووفقاً لوزارة التجارة والصناعة الهندية، فإن 14 من كل 15 ماسة مبيعة حول العالم مصدّرة بالأساس من الهند. أما الماس الخام فيأتي في المقام الأول من الخارج. ويوجد الاحتياطي الأساسي من الماس الخام في دول بُتسوانا، وروسيا، وكندا، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، وتنزانيا، في حين أن الاحتياطي الثانوي يوجد في ناميبيا، وأنغولا، والكونغو، غرب أفريقيا، وأميركا الجنوبية.
- سورات عاصمة الماس
ويمر أغلب الماس الخام عبر مدينة سورات، عاصمة الماس الهندية، من أجل الصقل والتشكيل، وبالتالي تقف سورات عند المرحلة الوسطى من سلسلة التوريد. وأخيراً، يتم شحن الماس المصقول إلى بلجيكا، وتل أبيب، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط، وهونغ كونغ، والصين، وهي كبرى أسواق الماس في العالم للبيع للمشترين وشركات إنتاج وتصنيع الماس. وتعد الهند مركزاً عالمياً لأسواق المجوهرات نظراً إلى انخفاض التكاليف وتوافر العمالة ذات المهارة الفائقة.
وجاء في تقرير لشركة «بين وشركاه» نُشر في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2017: «تعد الهند إحدى أسرع الأسواق العالمية نمواً في قطاع المجوهرات حتى عام 2030. ويؤدي التوسع المتواصل في مجال المجوهرات والماس لدى الطبقات الوسطى إلى زيادة الطلب على الماس والمجوهرات في البلاد».
ووفقاً لتصنيف مؤسسة «كير»: «من شأن إغلاق شركات المجوهرات الاحتيالية أن يسبب صدمة كبيرة للتجارة الهندية الرائجة، والتي تمثل 13% من إجمالي صادرات الهند في السنة المالية 2017. وسوف يكون له تأثير بنسبة 5 إلى 6% على تجارة الماس والمجوهرات الخارجية من حيث القيمة خلال العام المقبل، أي 2018 - 2019». وقد تتأثر المبيعات كذلك بنحو 16% جراء ذلك.
وتراجعت الصفقات بنسبة 8 - 10% منذ وقوع الحادثة الشهيرة في 14 فبراير (شباط). يقول كيرتي شاه، أحد العاملين في صقل وتداول الماس في مدينة سورات الهندية: «لا يرغب صاغة الماس في المجازفة والمخاطرة. والآن، أصبحت البنوك أكثر تشدداً في توزيع رؤوس المال المتداولة، ولا سيما بالنسبة إلى صاغة الماس. ولقد أدى ذلك إلى تباطؤ كبير في الأعمال بنحو 10% على الأقل». ومما يزيد الأمور سوءاً، أن دورات السداد هي الأخرى، قد أصبحت أطول وقتاً بمقدار أسبوعين. وقال كيرتي شاه مضيفاً: «في وقت سابق، اعتاد المتداول التعامل مع 20 - 25 من اللاعبين في الصناعة، أما الآن فقد أصبحوا أكثر خوفاً وحذراً ولا يتعاملون إلا مع حفنة قليلة من أهل الثقة فقط. ولقد أسفر ذلك أيضاً عن تباطؤ التدفق النقدي».
- الاحتيال المصرفي وآثاره
في أعقاب عملية الاحتيال الشهيرة، عززت المصارف الهندية من تدابيرها حيال إقراض الصاغة وتجار المجوهرات، وتم اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان منح الائتمان فقط للمصدرين الأصليين لا لأولئك الضالعين في ما يسمى المعاملات الدائرية، والتي تتضمن استيراد وتصدير نفس الشحنة بصورة متكررة بهدف الاستفادة من انخفاض سعر الفائدة على القروض من البنوك، وفقاً لشخصيات مطلعة على تلك الشؤون.
يقول براكاش شاندرا بينشا، المدير الإقليمي في مجلس ترويج صادرات المجوهرات الهندية: «ما زلنا في انتظار وقوع المزيد من التأثيرات، ومن شأنها الإضرار بالتدفقات الائتمانية في الصناعة أو تتسبب في تباطؤ التقدم الملحوظ في هذه الصناعة».
ويقوم المصرفيون، في أعقاب عملية الاحتيال، بمراجعة كل الحسابات المصرفية المتعلقة بصناع وصاغة الماس والمجوهرات، وفي بعض الحالات يحاولون الحصول على المزيد من الضمانات والمستندات الإضافية.
ووفقاً لتقديرات البنك المركزي الهندي، فإن قيمة التعرض المصرفي الهندي لصناعة المجوهرات والأحجار الكريمة في البلاد تبلغ 11 مليار دولار. ويعد التمويل من الأدوات الأساسية بالنسبة إلى قطاع الماس الهندي. إذ يستحوذ على 6 مليارات دولار من السوق الهندية و5.5 مليار دولار من القنوات المصرفية الدولية على أساس سنوي، وفقاً لمجلس ترويج صادرات المجوهرات الهندية.
- مخاوف من هجرة أعمال الصقل والتشكيل
وتخشى صناعة الماس من أن جزءاً من أعمال الصقل والتشكيل قد ينتقل إلى بلجيكا وإسرائيل في أعقاب عملية الاحتيال التي شوهت وجه تلك الصناعة في الهند بين المجتمع الدولي. كما تخشى أيضاً من الصعوبات التي فرضتها البنوك على منح الائتمان مما يؤثر سلباً على أعمال الصناعة.
وتعد مدينة أنتويرب البلجيكية المركز العالمي للماس، ونحو 29% من الماس الخام الذي يذهب إلى الهند يأتي من أنتويرب. يقول فيبول شاه، أحد مصدّري الماس الهنود، إن بعضاً من أنشطة الصقل والتشكيل في الهند قد يذهب إلى أنتوريب باعتبارها المركز العالمي للماس.
ومن شأن هذه الخطوة من جانب البنوك أن تؤدي إلى مشكلات مالية ضخمة لشركات الماس. ومنذ سنوات، تعمل صناعة الماس على التمويل المصرفي، وإن توقف هذا المصدر فسوف تكون هناك أزمة خطيرة في التمويل المطلوب لشراء الماس الخام من المشترين في الخارج.
وقال محلل الماس، أنيرودها ليدبايد: «في غياب التمويل المصرفي، سوف تنهار صناعة الماس الهندي تماماً. وإن افترضنا أن إحدى شركات الماس ترغب في الائتمان بقيمة 10 ملايين دولار من أحد البنوك، فإنه يجب على الشركة تقديم ضمانات بنسبة 100% في صورة ممتلكات غير منقولة، أو مجوهرات، أو خلافه. إن الصناعة تتجه نحو أيام عسيرة».
- كيف احتال تجار الماس على البنوك؟
يُستخدم أسلوب المعاملات الدائرية الشائع في هذا القطاع وسيلةً للاحتيال، وهو مثل الفيل في الغرفة الضيقة، كما تصفها دوائر التداول في مومباي. وتصف جريدة «وول ستريت جورنال» المعاملات الدائرية بأنها: «صورة من صور المقايضة التي تنطوي على شركة تبيع أصولاً غير مستغلَّة لشركة أخرى، وفي نفس الوقت توافق على إعادة نفس الأصول بنفس السعر الأصلي تقريباً». وفي مناقشة صريحة مع فريق التحقيق الهندي، أوضح جيه. باتيل تاجر الماس من مومباي، كيف يعمل عدد قليل من الشركات في مجموعات كبيرة لنقل بعض الشحنات مرات تلو المرات بهدف الحصول على الائتمان المصرفي باسم رأس المال المتداول.
وأضاف: «نفترض أن الشحنة (شحنة الماس) تم تصديرها من هنا. فسوف تبدأ في الحصول على دفعات (قروض الشحنة) في دفاترك الخاصة بمجرد تصديرها إلى الولايات المتحدة، أو هونغ كونغ، أو بانكوك، أو أي مكان آخر خارج الهند. ثم يتم تهريب الشحنة المصدرة مرة أخرى إلى الداخل. وفي الدفاتر المحاسبية، يكون التاجر قادراً على أن يثبت الأموال التي يدين بها العملاء له. ولكن في واقع الأمر، هؤلاء العملاء ليسوا إلا شركته الخاصة في الخارج». وبالتالي، تستخدم القروض الجديدة في سداد القروض السابقة، والباقي من الفواتير الزائدة يدخل إلى جيب التاجر في هدوء.
وقال السيد باتيل: «يتم تقديم المستندات للبنوك بشأن هذه الصادرات والقروض المطلوبة لرأس المال المتداول لتصفية التكاليف. ولا يتسنى للبنك معرفة ما إذا كانت الأموال قد استخدمت في تغطية التكاليف من عدمه».
يقول برافين شانكار بانديا، الرئيس الأسبق لمجلس ترويج صادرات المجوهرات الهندية: «لقد عانت صورة صناعة الماس الهندية كثيراً في أعقاب الكشف عن عملية الاحتيال. وانتقل عدد قليل من اللاعبين بأعمالهم إلى بلجيكا وإسرائيل على الرغم من أننا سوف نحاول الحيلولة دون ذلك. ونحن نحاول التفاعل مع وزارة المالية، حيث نناقش معهم الأوضاع الحالية للتجارة».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

الأسواق المالية المنهكة تدخل الربع الثاني تحت رحمة «صدمة النفط»

تدخل الأسواق المالية المنهكة الربع الثاني من العام وهي أكثر حساسية تجاه أخبار الحرب، في ظل ظروف قد تدفع بأسواق الأسهم إلى مزيد من التراجع.

«الشرق الأوسط» (لندن )
خاص داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

خاص الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان أداء الذهب مخالفاً للقواعد الاقتصادية، فقد سجل أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر في 2008.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)

الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ أكثر من 17 عاماً

ارتفعت أسعار الذهب، الثلاثاء، وسط آمال بخفض التصعيد في الصراع بالشرق الأوسط، لكنها تتجه نحو أسوأ أداء شهري لها منذ أكثر من 17 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)

مقتل 73 شخصاً في جنوب السودان إثر خلاف على منجم ذهب

قتل 73 شخصاً على أيدي مسلحين مجهولين، إثر نزاع حول منجم ذهب على أطراف جوبا عاصمة جنوب السودان.

«الشرق الأوسط» (جوبا)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.